بسم الله الرحمن الرحيم

 

مَركزُ المَعارِفِ المُحَمَّديِّة 
لدراسات الاصالة الدينية
القَوْلُ منِّيْ فيْ جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فيما أسَرُّوْا ومَا أعْلَنُوْا فِيْمَا بَلَغَنِيْ عَنْهُمْ وَفِيْمَا لَمْ يَبْلُغْنِيْ
 

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

 

 

لماذا نحقق في تراث الحكمة المتعالية وننقده على ميزان الثقلين العظيمين ؟

نبيل الكرخي

 

إلهـي هـل انت خلقتنا أم افضتنا أم يا ترى نحن من تجلياتك كما يزعم ابن عربي !!!

أم يا ترى انت افضت "الحقيقة المحمدية" وهي التي خلقتنا كما يزعمون !!؟

أم يا ترى كانت تضحيات ومقاتل الائمة الاطهار (صلوات الله عايهم) من أجل ان يتّبع الشيعة ابن عربي ويتخذونه إماماً يفسر لهم كيف يفكر خالقهم وكيف هو علمه وإرادته وكيف انه من خلال تثليثه يخلق الكائنات !!

هذه الاسئلة وغيرها ربما تكشف عن عمق الازمة العقائدية التي ينتجها اتّباع مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التي التزمت بإنتقائية التراث الصوفي لابن عربي مع الفلسفة الاشراقية تارة والمشائية تارة اخرى ، ثم تغليف ذلك كله بغلاف الشرعية الدينية بعد سفسطائيات تأويلية باطنية التي ما انزل الله سبحانه وتعالى بها من سلطان !

وحدث عبر التاريخ تلويث لعقيدة الشيعة الامامية (بقصد او بدون قصد) من داخلها بالملوثات الفكرية الفلسفية والغنوصية التي من ارهاصاتها "الصوفية" التي اخترقت الاسلام والغنوصية كفكر باطني اخترق جميع الاديان السماوية وانتشر في الموروثات الفكرية الوضعية لمختلف الامم. فما نهدف اليه في هذا البحث هو تمييز الاصيل عن الدخيل وايقاف التبعية لتراث ابن عربي والفلسفتين الاشراقية والمشّائية ومساواة ولائهم للائمة الاطهار (عليهم السلام). فإذا تمكنّا بحول الله وقوته من التمييز المذكور فعند ذاك نتمكن من ايقاف المد الغنوصي الذي يريد ان يستولي على مذهبنا الاصيل وعقيدتنا الاسلامية المحمدية الطاهرة بعد ان عجز كبار الطغاة من طمس معالمها بقتلهم الائمة الاطهار (عليهم السلام) والعلماء الاخيار (رضوان الله عليهم) وبث الفتن والاضاليل بين ابناء الامة الاسلامية المحمدية الواحدة.

إنَّ قضية ادخال التصوف أو الجانب الفلسفة في العقيدة الشيعية هي قضية حساسة للغاية فمن المعلوم ان الشيعة الامامية ينتهون بجميع قضاياهم الدينية العقائدية والفقهية والاخلاقية الى النبي (صلى الله عليه وآله) عن طريق التمسك بالثقلين اللذين امرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما وهما الكتاب الكريم والعترة الطاهرة (عليها السلام) لكي يكون هذا التمسك المرتكز الاساسي في الأمن من الضلال. اما المنهج العقائدي (الفلسفي- العرفاني) الذي تنتهجه مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية بالاستناد الى تراث ابن عربي فيعني ان يتم اضافة مفاهيم فلسفية وعرفانية ظنّية كمرتكز ثالث الى جانب الكتاب والعترة وبذلك تنهار المنظومة النبوية التي تعهدت بالامن من الضلال لمن يسلك سبيل التمسك بالثقلين والتي من اجلها سالت الدماء الزكيّة للائمة المعصومين وتقطعت احشاء آخرين منهم بالسم (صلوات الله عليهم أجمعين) !

وغالباً ما يبرز التساؤل عن العديد من اكابر علماء الشيعة الذين انتموا الى المسلك العرفاني ، فكيف ننتقد هذا المسلك ؟! وجواب ذلك اننا هنا لا ننتقد عموم العرفان والذي هو في اقصى ابعاده لا يتجاوز كونه تجربة شخصية لا يمكن الجزم بصحتها حتى بالنسبة للشخص القائم بها بنفسه ، بل ننتقد ادخاله كجزء من العقيدة الشيعية الامامية المنتمية حصراً الى فكر آل البيت (عليهم السلام) ، فعقيدتنا قد تناقلناها كابراً عن كابر عبر القرون حتى انتهت الى الائمة الاطهار (عليهم السلام) ، فهُم والقرآن الكريم المصدران الوحيدان للعقيدة الاسلامية المحمدية ، فلا ابن عربي ولا غيره من اصحاب المسلك الصوفي الغنوصي يُسمح لهم بإدخال مفاهيم عقائدية مخالفة لمنهج آل البيت (عليهم السلام) او لم ترد عندهم لأننا نعلم ان ائمتنا الاطهار (عليهم السلام) قد بينوا لنا جميع قضايانا العقائدية التي يتوجب علينا معرفتها واعتناقها لنحصل على السعادتين الدنيوية والاخروية ، والقرآن الكريم صريح بانه ((مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)) فلا مجال لطريق آخر غير طريقهم (عليهم السلام) ولا معارف عقائدية اخرى غير معارفهم (صلوات الله عليهم).

اما العرفان فاذا كان بمعنى التقوى والتكامل الاخلاقي وتطوير الجانب النفسي للمؤمنين فنحن غير معترضين عليه بل قد ننشده ونستفيد منه.    

كما ان الفلسفة اذا كانت بمعنى تطوير القابلية الذهنية والمزيد من التعمق في العلوم العقلية والاستعداد لرد الشبهات التي يثيرها خصوم الاسلام مستندين الى فلسفتهم الغربية ، فلا بأس بدراسة الفلسفة وتعلمها ، ولدينا شاهد على اهمية النتاجات الفلسفية الاسلامية المدافعة عن العقيدة ومنها كتاب فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر.

اذن قضيتنا منحصرة في رفض ادخال اي مصدر عقائدي آخر غير المصادر المنتهية الى آل البيت (عليهم السلام). نعم قد يُقال ان اهل المنهج العقائدي (الصوفي الفلسفي) يزعمون انهم انما يستندون الى الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة فيفسرونها بمعناها الباطني الذي يظنون انه معناها الحقيقي الذي صدرت من اجله ! وقد وجدنا ان منهج علمائنا منذ عصر الائمة (عليهم السلام) وعصر الغيبة الصغرى ثم عصر الغيبة الكبرى هو العمل بظاهر المعنى لا العمل بباطنه ، وعلى هذا تأسست العقيدة الشيعية الامامية. بل ان اللجوء الى اسلوب التفسير الباطني قد يصبح ذريعة ومأخذ على اهل المنهج العقائدي (الصوفي الفلسفي) نتيجة تفسير كلامهم بغير مقاصد معانيه الظاهرية ، فيعترض شخص ويزعم أن ظاهر كلامهم غير حجة ويستلزم الاخذ بباطن كلامهم مما يعني اتخاذ معاني ونظريات جديدة لم يعرفوها ! وتظل تتسلسل القضية ولا يتمكن احد بعد ذلك من ايصال اي فكرة او عقيدة لأن كل من يتكلم ياتي الاخر ويفسر كلامه بغير ظاهره أي بزعم ان باطنه كذا وكذا ، فتشيع الفوضى العقائدية بين الناس !! وهذا بخلاف مقاصد الشريعة المقدسة.

ومن المعلوم إنَّ المنهج العقائدي (العرفاني- الفلسفي) هو جزء من مدرسة الحكمة المتعالية وهي مدرسة فكرية ظهرت في التشيّع على يد الشيخ صدر الدين الشيرازي الشهير بصدر المتألهين أو ملا صدرا (980هـ - 1050هـ / 1572م-1640م) بعد اتّباعه للتراث الصوفي لابن عربي ، ولذلك تجد ان هذه المدرسة تجلّ وتحترم ابن عربي وتستنير بفكره وتعلن تبعيتها لأفكاره وتراثه رغم مباينته للثقلين الذين اشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان التمسك بهما يجنب المسلم الضلال ، وهما الكتاب والعترة الطاهرة (عليها السلام).

إذن هدفنا في هذا البحث اعلان ضرورة تطهير العقيدة الشيعية الامامية من كل اثر لمدرسة الحكمة المتعالية ومن كل اثر صوفي غنوصي او كل اثر فلسفي يتعارض مع منهج أهل البيت (عليهم السلام) القائم على علم الكلام.

 

التحرك ضد اعلان الغدير والمنبع العَلَوي للعلوم والمعرفة:

إنَّ ايجاد الضد النوعي لأقتدار (سلوني قبل ان تفقدوني) كان هو السبب في ظهور مجمل الحركات الغنوصية الصوفية في المجتمع الاسلامي بصورة متوازية مع ظهور ائمة فقه وعقائد من بين عامة الناس الذين نبذوا الولاء لآل البيت (عليهم السلام) وتسموا بأسم أهل السنة فيما بعد ! فمنذ اجتماع السقيفة وما تمخّض عنه من فتن وبلاء للامة الاسلامية ، وجدت السلطة الحاكمة انها تفتقر للعلوم والمعارف اللازمة لقيادة الامة والذي يظهر بوضوح في شخص (باب مدينة العلم) أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)[1] ، ولذلك ظهرت هناك نزعات عند السلطات الحاكمة المتتالية الى دعم كل حركات فقهية او عقائدية او اجتماعية تحاول موازنة الثقل المعرفي الذي يتمتع به أهل البيت الاطهار (عليهم السلام) في المجتمع والواقع  الاسلامي ، فكان أن دعمت السلطات الحاكمة الحركات الصوفية بشقيها الاول الذي يمثله الزهاد والثاني الذي يمثله العرفاء الغنوصيين ، وحثت على ترجمة الكتب المعرفية اليونانية والقبطية والفارسية والهندية المتعلقة بمعارف عديدة ولاسيما الباطنية الغنوصية.

إنَّ الاسلام العظيم الدين الذي ارتضاه الله سبحانه قد تعرض لأبشع مؤامرة من اطراف متعددة حتى تحول الى رؤى عقائدية متعددة ومتناحرة ومذاهب مختلفة ومتباينة ! ومما تعرض له من مؤامرات هو الثغرة التي استغلها خصوم الاسلام والتي من خلالها لوثوه بالافكار الغنوصية الصوفية ، فما هي تلك الثغرة وكيف تمكنوا من ذلك ؟!

فقد اعلن الله سبحانه وتعالى اتمام الدين ورضاه لنا وذلك في يوم الغدير الاغرّ ، حيث نزل قوله تعالى: ((اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)). غير ان هذا الاعلان لم يُرضِّ المنافقين المتسترين بالاسلام ، فكادوا كيدهم وسعوا سعيهم ، فكانت ردة السقيفة والباطل الذي بني عليها الى ان تأسست الدولة الاموية بكل الحقد الذي يكتنفها ضد الاسلام ونبيه (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). فكانت تتحين الفرص لضرب الاسلام واعادة احياء القيم الجاهلية التي ترسخت في نفوس قادتها والتي توارثها الابناء والاحفاد جيلا بعد جيل. فكانت البيئة الفكرية في ظل نفاق حكام بني امية جاهزة لاستقبال ونشر القيم المعادية للاسلام ، فاستغل اتباع الفكر الغنوصي هذا الامر وتمكنوا من الحضور في المجتمع الاسلامي والتغلغل في افكار المسلمين الى ان تمكنت الغنوصية من انشاء النسخة الاسلامية لها والذي اطلقت عليه اسم (التصوّف) عند اهل السنة ، و(العرفان) عند الشيعة الامامية فيما بعد.

وكمثال على تأسيس بني امية لبيئة فكرية تخدم سياستهم النفاقية التي تدعم بقائهم في السلطة هو ما ذهب إليه جولدتسيهر وترينون وآخرون من ان الامويين ابتداءاً بمعاوية كانوا يشجعون القول بالجبر لأنه يبرر حكمهم ويجعل الوقوف ضده خروجاً على القدر الالهي. يقول ابن قتيبة: ان عبد الملك لما قتل عمرو بن سعيد امر ان ينادى في الناس بأن امير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والامر النافذ[2]. وهو تسخير واضح للدين من اجل مصالحهم السلطوية بدوافع نفاقية وبراغماتية واضحة.

ومثال آخر على جهود بني أمية في محاولة موازنة الثقل العلمي العظيم الذي يتمتع به آل البيت الاطهار (عليهم السلام) هو جهود خالد بن يزيد بن معاوية (توفي 85 وقيل 90هـ) - الذي كان في فترة ما ولي عهد مروان بن الحكم - في ترجمة الكتب ونشر الفكر الغنوصي والفلسفي في المجتمع الاسلامي. يقول ابن ابي الحديد المعتزلي: (وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيباً شاعراً جيد الرأي أديباً كثير الادب ، حكيماً ، وكان اول من اعطى التراجمة والفلاسفة وقرّب أهل الحكمة ورؤساء اهل كل صناعة ، وترجم كتب النجوم والطب والكيمياء والحروب والآداب والآلات والصناعات)[3] ، ولا يخفى ان الكيمياء (الخيمياء) كانت من العلوم الغنوصية في ذلك الزمن.

فأما المتصوفة فقد كانوا واجهة للفكر الغنوصي الذي يبحث عن المعرفة بعيداً عن الوحي ، وهذا يتطابق مع ما كانت السلطات الاموية الحاكمة تبحث عنه: معرفة بعيداً عن الوحي ، معرفة من باب غير (باب مدينة العلم) ، معرفة لا يكون لخصومهم آل البيت النبوي الاطهار(عليهم السلام) أي دور فيها !!

 

افتراق المتصوفة عن آل البيت (عليهم السلام):

رغم ادعاء الصوفية انتسابهم الى الامام علي بن ابي طالب (عليهما السلام) بسلاسل الطرق الصوفية المزعومة ، الا انه لم يدل دليل على صحتها من غيرهم ، بل الاكيد من خلال ائمة آل البيت (عليهم السلام) ومن خلال بعض الوقائع ان الصوفية بعيدين عن منهج آل البيت (عليهم السلام). وكنموذج لافتراق الصوفية عن آل البيت الاطهار (عليهم السلام) نجد أنّ ذا النون المصري (179- 245)هـ والذي يمكن ان نعده احد اركان تأسيس التصوف في المجتمع الاسلامي ، نجد وقد ملأ كلامه بالاهمال لأي اشارة الى آل البيت الاطهار (عليهم السلام) وأنَّهم هم احد مصدري المعرفة الذين ما إنْ تمسك بهما المسلم فلن يضل ابداً كما في حديث الثقلين الشريف ، مع انَّ ذا النون عاصر ثلاثة من الأئمة الاطهار (عليهم السلام) هم الامام علي الرضا (عليه السلام) المتوفى سنة 203هـ ، والامام محمد الجواد (عليه السلام) المتوفى سنة 220هـ ، والامام علي الهادي (عليه السلام) المتوفى سنة 254هـ ! ومع ذلك لم ينهل من معينهم العذب !! وكذلك نجد انه بالرجوع الى تراث ابن عربي انه يخلو من اي تمسك او اتباع لمنهج آل البيت الاطهار (عليهم السلام) وان ورود ذكرهم في بعض القضايا العامة في كلامه لا تكشف عن انه كان يغرف من معينهم العذب.

كما ان سهل التستري (توفي 283م) قد عاش في القرن الثالث الهجري وعاصر إمامة الامام علي الهادي والامام الحسن العسكري والامام الحجة بن الحسن المهدي (عليهم السلام) ومع ذلك كان يقول: (أنا حجة الله على الخلق وأنا حجة على أولياء زماني)[4] ! وهو أيضاً كان يدعي لنفسه دعاوى عريضة ما انزل الله سبحانه وتعال بها من سلطان كقوله: (أشهدني الله تعالى ما في العلى، وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ، وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء، وأنا ابن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجن، والإنس ففهمته وحمدت الله تعالى على معرفته، وحركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة)[5]! وقبله تحدث بولس مؤسس المسيحية عن صعوده الى السماء فقال: (إنه لا يوافقني أن أفتخر. فإني آتي إلى مناظر الرب وإعلاناته 2 أعرف إنسانا في المسيح قبل أربع عشرة سنة. أفي الجسد؟ لست أعلم، أم خارج الجسد ؟ لست أعلم. الله يعلم. اختطف هذا إلى السماء الثالثة 3 وأعرف هذا الإنسان: أفي الجسد أم خارج الجسد؟ لست أعلم. الله يعلم 4 أنه اختطف إلى الفردوس، وسمع كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها)[6].

وضمن إطار الدعاوى الخارقة ومزاعم العروج والتجليّ نجد ان التستري لم ينفرد بها بل هي دعاوى للعديد من زعماء الصوفية ! فلأبن عربي دعاوى عديدة في هذا الاطار منها ما يخص عروجه الى السماء. ومنها نيله مقام التجلي فشاهد نوراً ساطعاً ووجد نفسه جسماً بدون جهات وقد كتب عن هذا النجلي قائلاً: "وهذا مقام نلته سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس في صلاة العصر وأنا اصلي بجماعة بالمسجد الازهر بجانب عين الجبل فرأيت نوراً يكاد يكون أكشف من الذي بين يدي غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف ، وما رأيت لي ظهراً ولا قفا ولم افرّق في تلك الرؤيا بين جهاتي بل كنت مثل الأكرة لا اعقل لنفسي جهة إلا بالفرض لا بالوجود. وكان الامر كما شاهدته ، مع انه كان قد تقدم لي قبل ذلك كشف الأشياء في عرض حائط قبلتي ، وهذا الكشف لا يشبه هذا الكشف"[7] !! مع ان آل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم) مع عظيم وجلاله قدرهم ومنزلتهم لم يصدر عنهم انهم عرجوا الى السماء ، بخلاف دعاوى المتصوفة الغنوصيين !!

فكان تأسيس التصوف تحت عباءة التعبد والزهد وطلب المعرفة وتسميهم بالعرفاء هو محاولة للوقوف بالضد من المشروع الالهي المتمثل بتنصيب الائمة الطهار (عليهم السلام) كمصدر للمعرفة الصحيحة والهدى.

وقد كان لأئمة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) موقف واضح ضد التصوّف والفلسفة سوف نستعرضه في بحثنا هذا إنْ شاء الله سبحانه وتعالى.

 

بين الزهد والتصوّف الغنوصي:

في القرن الاول الهجري كان هناك ثمانية زهاد مشهورين في عصر واحد ، اربعة منهم مع امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السلام) ، واربعة منحرفين عنه اي يناصرون جبهة النفاق التي يقودها معاوية ، فالذين معه هم: الربيع بن خيثم وهرم بن حيان واويس القرني وعامر بن عبد قيس ، واما الاربعة المنحرفين عنه فهم: ابو مسلم الخولاني ومسروق بن الاجدع والحسن البصري واسود بن يزيد أو جرير بن عبد الله[8] ! فالاتصاف بالزهد لا يعني سلامة العقيدة ! ذلك الزهد الذي كان من ابرز سمات التصوّف !

وتكمن واحدة من المشاكل التي تواجه البحث في التصوف الغنوصي هو الخلط الوجود في كلمات القدماء والمعاصرين بين "تصوف الزهد" الذي يعني جماعة من المسلمين كانوا يتظاهرون بالزهد والعبادة مع التزامهم بظاهر الشريعة وفق متبنيات اهل السنة ، وبين "التصوّف الغنوصي" الذي يعني جماعة من المسلمين يعتنقون عقيدة باطنية غنوصية انتقلت اليهم من الامم التي سبقت ظهور الاسلام ، كالهنود والفرس واليونان واليهود والنصارى ومدارها الحلول والاتحاد والفناء.

فاولئك العبّاد الزهاد كانوا يرتدون الصوف للتعبير عن زهدهم بالحياة، وربما لهذا السبب  استحوذ عليهم لقب الصوفي، بينما الاخرون المعتنقون للعقيدة الغنوصية قد تلقبوا بالصوفي نسبةً للكلمة اليونانية سوفيا Sophia (في الإغريقية Σoφα) التي تعني الحكمة. وقد استغلوا الفئة الاولى من الزهّاد فأظهروا الزهد وغمروا انفسهم في ظلِّهم ليأمنوا الاضطهاد وعدم افتضاح امرهم في بدء نشأتهم في المجتمع الاسلامي الذي يفترض به انه كان يرفض البدعة ويراقب كل دخيل ويرفضه[9]. بل ويقال ان من ركائز الحصول على الحكمة الغنوصية هو الزهد في الدنيا والتخلي عن مباهجها !!

ولذلك تداخلت مواقف المسلمين من المتصوفة وسبب تسميتهم واضطرب الباحثون في ذلك اضطراباً كبيراً. ولذلك يحق لنا فعلاً ان نقول ان هناك تصوّفاً يتمثل بالزهّاد ، وتصوفاً آخر غنوصي يتمثل بأتباع العقائد القديمة الهندية والفارسية واليونانية الباحثة عن المعرفة بعيداً عن الوحي ويتمثل بالطرق الصوفية ومن اشهرهم ابن عربي مؤسس الطريقة الاكبرية.

قال ابن تيمية في فتاواه: (اول ما ظهرت الصوفيّة من البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد ، وعبد الواحد من أصحاب الحسن وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الامصار ولهذا كان يُقال: فقه كوفي وعبادة بصرية)[10]. ويعتبر الحسن البصري وسفيان الثوري من اوائل الصوفية في الاسلام اي المنتمين للفئة التي تظهر الزهد وتدّعي العبادة.

وقال د. علي سامي النشار: (لقد نشأ التصوف اول الامر في احضان الكتاب والسنة في صورة الزهد ، واسترعى انظار بعض الخاصة من المسلمين "المعاني الرقيقة" في القرآن ذات الطابع الخلقي العميق ، ورأوا فيها "حقائق خفية" أعمق مما يرى الناس ، وسادت نزعات القلق في صدور الخلص من هؤلاء الناس حين اندفع المسلمون وتزاحموا في غمار الحياة ، فلجأوا الى هذه المعاني ، يعمقون فيها ، ويجدون فيها الملجأ ،  وبهذا نرى القرآن الذي وضع الميتافيزيقيا كما وضع الشريعة يصبح كتاب "تأمل خفي" في رأي الكثير من مفكري الاسلام. وكما حاول فلاسفة الاسلام ان يدخلوا عقائد اليونان الميتافيزيقية في عقول المسلمين ، نرى بعض صوفية الاسلام يلجأون في التصوف الى بحث ميتافيزيقي تأثر بكل ما حوله من فلسفات ... أخذوا من الفيدا الهندي وأخذوا من الاشراقية الفارسية ، واستمدوا من الفيض الافلوطيني ، وتأثروا بأفلاطون وأرسطو ، ثم وجدوا مصدراً هاماً في المجموعات الهرمسية ، وانتهوا الى عقائد مختلفة اهمها عقيدة الحلول وعقيدة وحدة الوجود)[11].

وقال محمد لطفي جمعة في كتابه (تاريخ فلاسفة الاسلام) : (وقد اجمع العلماء على ان اكابر الاولياء من الصوفيين غير من ذكرناهم: مالك بن دينار ، البوناني ، السختياني ، وهيب بن الورد بن اسباط ، مسلم الخواص ، البسطامي ، التستري)[12]. فبعض من ذكرهم كمالك بن دينار كان من المتصفين بالزهد والعبادة (أي ينتمي الى تصوّف الزهد) وليس هو من اهل المنهج الغنوصي (التصوّف الغنوصي) الذي سار عليه ذو النون والحلاج والبسطامي والتستري على سبيل المثال. فهذا الخلط بين نوعي التصوّف انما يراد منه تجيير التعبّد والزهد لصالح الغنوصية ، أي تخفّي التصوّف الغنوصي تحت عباءة تصوّف الزهد. وفي بحثنا هذا فإنَّ كل ما سنذكره باطلاق كلمة (صوفية) او (تصوّف) فهو انما يقصد به التصوف الغنوصي ولا علاقة له بتصوّف الزهد. مع العلم ان أئمة أل البيت الاطهار (عليهم السلام) وقفوا بالضد من نوعي التصوّف المذكورين بإعتبار ان النوع الاول ربما لأنه مخلوط بالرياء وبمخالفة متطلبات العصر وتطور المجتمع ، وبإعتبار ان النوع الثاني فاسد العقيدة ، وربما لأن تصوف الزهد محدود ومستغل من قبل التصوف الغنوصي للتستر فيه ، وربما لأن تصوف الزهد يبدع في الدين نوعاً من الرهبانية الممقوتة في الاسلام.

 

اسلمة الغنوصية:

اذن انتشرت الغنوصية بين المسلمين تحت مسمى التصوف ، وحاول بعض الصوفية اسلمة الغنوصية وايجاد مقاربات فكرية بين مبادئها وبين العقائد الاسلامية ! فأصبح لها بين المسلمين علماء ومؤلفات ووجود بل وكيان حقيقي ! فنشأت المدارس الصوفية والفلسفية المتعددة وكلها تحمل المباديء الغنوصية ولكن بطرق مختلفة ، فالفلسفة تعتمد نظريات فكرية بينما التصوف يعتمد الكشف والشهود النفسي.

ورغم تنامي التصوف في البيئة السنيّة بصورة علنية ، ومحاولته التغلغل في البيئة الشيعية الا ان التحذريات المبكرة لأئمة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) من التصوف والفلسفة وقفت حاجزاً دون الإسفار عن وجود فكر صوفي أو فلسفي بين الشيعة بصورة علنية واخرّت ظهوره بينهم عدة قرون ، وبقيت محاولات الغنوصية الصوفية اقتحام التشيّع بصورة خفية ومبكرّة محاولات ضيلة جداً ومحدودة ، كالحلاج واتباعه.

وهناك فرق بين ان يكون هناك علماء شيعة بخلفية فلسفية وهو ما لم نجده في القرون الخمسة الاولى ، وبين ان يتجه بعض عامة الشيعة لدراسة الفلسفة والبلوغ اعلى المراتب فيها بعيداً عن الفكر الديني المنتسب لآل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم) ، كأبن سينا والبيروني والفارابي وغيرهم. الى ان حل القرن السابع الهجري وظهر الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي (597- 672هـ / 1201 1274م) والذي يعد اول فيلسوف من علماء الشيعة ممن عمل على جعل الفلسفة اداة في خدمة العقيدة ، فجعل الفلسفة اداة في خدمة علم الكلام. بخلاف من جاء بعده بقرون ممن جعل الفلسفة هي المرجع للدين بدلا من ان تكون في خدمة الدين ، كما حصل مع المنهج الخاطيء لملا صدرا ومدرسته الحكمة المتعالية.

ولذلك ... يمكن اعتبار - وبدون مبالغة - إنَّ واحدة من عجائب الدهر هي اقتحام الفكر الغنوصي الصوفي لابن عربي للتشيّع بصورة علنية ابتداءاً من القرن الثامن الهجري حتى اصبح بعض كبار علماء الشيعة الامامية من اتباعه !! ((أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)).

ولا ابالغ اذا قلت انه حتى ابن عربي نفسه لم يكن يحلم بأنه سيتمكن من اقتحام القلعة الشيعية الراسخة في انقطاع الشيعة الامامية الى ائمة آل البيت (عليهم السلام) في عقيدتهم وفقههم واخلاقهم وجميع شؤون حياتهم. فماذا حصل لتتغير مسيرة بعض الشيعة الامامية ويتعلقوا بأذيال عباءة الصوفية عموماً وابن عربي على وجه خاص بعدما كانوا ينعمون بكساء أهل الكساء (عليهم السلام) وتراثهم الديني الاصيل !!

فلو كان تراث ابن عربي الغنوصي- الفلسفي يتعلق بقضايا غير دينية لربما لم نكن لنعترض على من يتبع افكاره ويعتنقها ويروّج لها ! ولكن أن نجد ان تراث ابن عربي تمكن من اختراق العقيدة الشيعية وتأسيس نظريات عقائدية جديدة اقتحمت المنظومة العقائدية الشيعية التي كانت قبل ذلك منقطعة الى اهل البيت الاطهار (عليهم السلام).

لذلك من المهم على الباحثين التوجه لتفسير الاسباب التي جعلت بعض علماء الشيعة ينحرفون وراء افكار وتراث ابن عربي ويعمدون الى خلطه بتراث اهل البيت الاطهار (عليهم السلام). فما هي نقاط الجاذبية في افكار ابن عربي وتراثه التي جعلت اولئك يتمسكون به وبمنهجه حتى انهم لربما اتخذوه اماماً ثالثاً عشر من الناحية العملية وان لم يعلنوا ذلك صراحةً !!

وكنموذج على جهود اسلمة الغنوصية نقرأ كلام السيد محمد حسين الطباطبائي: (العرفان هو طريق من طرق العبادة عن طريق المحبة لا عن طريق الخوف والرغبة ، وهو طريق لإدراك حقائق الاديان مقابل طريق الظواهر الدينية وطريق التفكير العقلي)[13]. مع ان الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز يقول في سورة الاعراف: ((وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ)) ،

وقال تعالى في سورة السجدة: ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)).

فيرشدنا الله سبحانه الى عبادته خوفاً وطمعاً لا حباً كما ينظّر السيد الطباطبائي!

 

اسباب اختراق تراث ابن عربي للتشيّع:

وفي معرض بحثنا عن نقاط الجاذبية المفترضة في فكر وتراث ابن عربي ربما يمكننا تشخيص النقاط التالية:

1.       ان التصوف بشكل عام هو امتداد للفكر الغنوصي الذي اقتحم جميع الاديان السماوية وغالبية الاديان الارضية ان لم يكن جميعها. والغنوصية تملك طاقة تحررية تحفز الانسان على التحرر من كل القيم الدينية لدرجة انها تسعى للتخلص من قيود النبوة وتراثها ، فالغنوصية هي معلم للتحرر الانساني من الاديان جميعها ولاسيما السماوية ، فهي تسعى لايجاد علاقة مباشرة بين الانسان والله سبحانه دون المرور بوساطة النبوة ! نعم حاول بعض علماء المسلمين "أسلمة الغنوصية" فكان الناتج هو التصوف السني او العرفان الشيعي ، والتصوف والعرفان هما وجهان لعملة واحدة معبئة بالتراكمات الغنوصية القديمة !

2.       ان تراث ابن عربي يحاول الاجابة عن مسائل تتعلق ببدء الخلق ومسيرته وحال الوجود وتفسيره ، وهي قضايا تناولها ائمة اهل البيت (عليهم السلام) بجوانبها الحقيقية المتناسبة مع الفكر الانساني بما يمكنه الاستفادة منها.  في حين يزعم البعض ان في تراث ابن عربي نظرية تفسيرية متكاملة لولادة ونشوء الكون وكيفية جريانه وتشكيل مكوناته رغم ان ابن عربي تناولها بطرق ظنية لا يمكن اثباتها للآخرين ولاسيما ما يتعلق منه بالكشف والشهود وهو تجربة شخصية كما تقدّم! فالبعض يتبنون ابن عربي وتراثه لكي يزعموا انهم امتلكوا الحقيقة التي تفسر الكون والوجود !

3.       ان تراث ابن عربي يؤسس لوجود عقيدة سرّية بغطاء اسلامي ! فاتباعه يتداولون مصطلحات مثل توحيد العوام اي عقيدة عامة المسلمين ، وتوحيد الخواص وتوحيد خواص الخواص في اشارة الى عقيدتهم السريّة التي يزعمون انها حقائق لا يفهمها ولا يدركها  احد سواهم !! كتب مصطفى عبد الرازق: (وسمّى المتصوفون انفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن ، وسموا من عداهم أهل ظواهر وأهل رسوم)[14].

وهذه العقيدة السريّة لها ميزة جذب حيث يشعر اصحابها بنوع من العلو والرفعة والتميّز عن الآخرين فكرياً وانهم امتلكوا الحقيقة التي تمثل كنزاً فكرياً وعقائدياً لا يملكه سواهم !!

4.       ان جانباً مهما من اهداف العقيدة الباطنية للتراث الغنوصي الصوفي (لابن عربي وغيره من الصوفية) هو ان يكونوا اصحاب قدرة في التحكم في الحياة والكون ولذلك اتجهوا بشدة الى امتلاك زمام العلوم الروحانية والتي تمكنهم بحسب ظنهم من معرفة الغيب والامور المستقبلية والتحكم بالانسان والطبيعة والعالم كله ، كعلم تسخير الجان وعلم الرمل والاوفاق والحروف والطلاسم إلخ ... وهذه نقطة جذب قوية حيث يتمكن من يتقن هذه العلوم السرّية بجمع اصولها النظرية مع الرياضات العملية من تسخير الكائنات لخدمته. وفي هذا الاطار نقرأ قول سيد كمال الحيدري (في كتابه بحوث عقائدية) في معرض كلامه عن الاسماء الحسنى: (إنَّ الانسان لو رزق علم الاسماء وعلم الروابط والعلاقات التي بينها وبين الاشياء وما تقتضيه اسماؤه تعالى مفردة ومؤلّفة ، علم النظام الكوني بماجرى وبما يجري عليه من قوانين كلّية منطبقة على جزئياتها واحداً بعد واحد)[15]. وفي هذا الاطار اشتهر عن أبن برجان الاندلسي الذي عرفت عنه براعته في علم الحروف تنبئه في تفسيره بفتح بيت المقدس سنة 583هـ وحدث كما قال[16] !!

وهذا أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي (توفي 637هـ) وهو من اهل العرفان[17] ، ويروى انه التقى بدمشق ابن عربي[18] ، يذكر الذهبي عنه ما نصه: (وحرالة : قرية من عمل مرسية . ولد بمراكش ، وأخذ النحو عن ابن خروف ، ولقي العلماء ، وجال في البلاد ، ولهج بالعقليات ، وسكن حماة ، وعمل تفسيرا عجيبا ملاه باحتمالات لا يحتمله الخطاب العربي أصلا ، وتكلم في علم الحروف والاعداد ، وزعم أنه استخرج منه وقت خروج الدجال ووقت طلوع الشمس من مغربها ، ووعظ بحماة ، وأقبلوا عليه ، وصنف في المنطق ، وفي شرح الاسماء الحسنى ، وكان شيخنا مجد الدين التونسي يتغالى في تعظيم تفسيره ، ورأيت علماء يحطون عليه والله أعلم بسره ، وكان يضرب بحلمه المثل . مات سنة سبع وثلاثين وست مئة . وممن يعظمه شيخنا شرف الدين ابن البارزي قاضي حماة ، فمن شاء فلينظر في تواليفه فإن فيها العظائم)[19]. فهو ينص على تعلمه علم الحروف والاعداد ، وروى عنه البوني (520- 622)هـ صاحب شمس المعارف[20] ، وهو الكتاب المشهور في علم الحروف والاوفاق ، وربما تعلم منه هذا العلم.

ويقول السيد الطباطبائي: (وأما الفرق المختلفة من أصحاب الارتياضات والاعمال النفسية كأصحاب السحر والسيمياء وأصحاب الطلسمات وتسخير الارواح والجن وروحانيات الحروف والكواكب وغيرها وأصحاب الاحضار وتسخير النفوس ، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعا من السلطة على أمر النفس) ، وقال في الهامش: (راجع في ذلك كتاب السر المكتوم للرازي والذخيرة الاسكندرية والكواكب السبعة للحكيم طمطم الهندي ورسالة السكاكى في التسخير والدر المكتوم لابن عربي وكتب الارواح والاحضار المعمولة أخيرا وغير ذلك)[21]. فذكر كبير الصوفية واهل العرفان ابن عربي ضمن الخائضين في العلوم الروحانية.

وايضا هناك كتاب (الكبريت الاحمر) لابن عربي يتحدث فيه عن خواص الحروف وبعض الرياضات والاوفاق وطرق التسخير. كما ان ابن عربي ذكر في الفتوحات المكية انه بشّر بإنتصار جيش الموحدين على جيش النصارى في الاندلس سنة 591هـ باستخدام حساب الجمل[22]. وهناك كتب اخرى للغزالي وابو الحسن الشاذلي في نفس الاطار.

5.       ان اصل نظرية الغنوصية قائمة على مبدأ وحدة الوجود والموجود بمختلف تفسيراته وان المخلوقات هي تجلّي للخالق !! بينما يذهب الفلاسفة الى التحدث عن فيض المخلوقات عن الخالق تعالى عمّا يصفون ، فهم لا يتحدثون عن خلق الكائنات بل فيضها بصدورها عن الله سبحانه الذي هو العلة الاولى ، وانه تعالى خلق اول ما خلق العقل الفعال (اللوغوس) والذي يصفه الفلاسفة الرواقيين (اتباع زينون الكِتْيومي Zeno of Citium في القرن الثالث قبل الميلاد) بأنه الاله الازلي الذي صنع كل متعدد في عالم المادة ،  ولذلك هم يجعلون للكون إلهين العلة الاولى الذي فاض عنه العقل الفعال وهذا العقل الفعال الذي فاض عنه الكون كله ، ولذا قد يعبرون عن العقل الفعال بالعقل الكلي لانه انساب في الكون كله فكل ذرات الكون هي ذرات عاقلة مفاضة من هذا العقل ! وتأثر بهذا الفكر الفيسلسوف اليهودي فيلون الاسكندري ومن ثم انتقل الى المسلمين وتأثر به ابن سينا واخوان الصفا وغيرهم ! وحاول تراث ابن عربي اسلمة هذه الفكرة الفلسفية ومزجها بالغنوصية بأن استعاض عن اللوغوس بما اطلق عليه اسم "الحقيقة المحمدية" التي قالوا انها اول ما صدرت عن الله سبحانه ومنها خلق كل شيء ! وما يعنينا في هذه النقطة هو زعمهم ان الانسان يتمكن من التحكم بالكون عن طريق عقله الذي يرتبط من خلال الذبذبات التي تملأ الكون بالعقل الكلي الذي يسمونه العقل الفعّال اي اللوغوس الذي افاض الكون كله وجميع ذراته ، وحينما يفكر الانسان بفكرة فانه يتمكن من خلالها من الارتباط بالعقل الفعال وتحريك ذبذبات الكون لتحقيق ما يفكر فيه !!  وهذه الفكرة تسمى في عصرنا الحديث بـ "قانون الجذب" ! فهذه الفكرة هي احد النقاط الجاذبة لفكر ابن عربي والمروجه له لانها توهم الانسان انه يستطيع التحكم بالكون كله !! وقد دعموا فكرتهم هذه بأن روجوا احاديث غير معتبرة تقول بأن الله تعالى خلق الانسان على صورته[23] ، فالانسان صورة مصغرة لله تعالى عما يصفون ولذلك فهو قادر على ان يفيض في الكون ويغير فيه ايضاً على حد زعمهم !!

هذه بعض عوامل الجذب التي ربما مكّنت افكار وتراث ابن عربي من اختراق التشيّع الذي كان مقتصراً على التمسك بالثقلين العظيمين الكتاب والعترة الطاهرة اللذين وعدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان من تمسك بهما نجا من الضلال ، فجاء تراث ابن عربي ليصبح ثالوثهما الذي يمثل جهة الانحراف لمن يتّبعه من الشيعة.

يقول الشيخ نصير الدين القاشي المتوفى سنة 755 وقيل 775هـ: (غاية ما علمت في مدة ثمانين سنة من عمري أن هذا المصنوع يحتاج الى صانع ، ومع هذا فإن يقين عجائز اهل الكوفة اكثر من يقيني ، فعليكم بالاعمال الصالحة ولا تفارقوا طريقة الائمة المعصومين عليهم السلام ، فإن كل ما سواه هوى ووسوسة ، وماله الحسرة والندامة ، والتوفيق من الصمد المعبود)[24].

 

العقـل:

"للعقل اطلاقات متعددة: منها العقل الفلسفي ، والعقل العرفي ، والعقل التراثي ، والعقل المعرفي.

ويراد بالعقل الفلسفي: جوهر مجرّد عن المادة ذاتاً وفعلاً المعبّر عن بالملائكة بلسان الشرع وبالعقول بلسان الفلاسفة.

واما العقل العرفي هو: العقل الاستقرائي الذي يلهج به العلمانيون عادةً ، المعتمد على الاستقراء أو على متبنيات العراف المشهورة.

واما العقل التراثي فالمقصود به: التراث الذي كثيراًما يوجد في كلمات المفكرين ، من عرب وغيرهم ، حينما يتحدثون عن العقل العربي أو العقل الغربي.  والذي يعكس عاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم على مر العصور.

واما العقل المتخذ كأداة من أدوات المعرفة إنما هو العقل القياسي الأرسطي ، وهو عبارة عن : قوة في النفس الانسانية بها تستعد لإكتساب العلوم وإدراك الكلّيات. وهذه القوة المدركة للكليات التي في الانسان ، وهي معنى التعقل الذي يمثل مرتبة من مراتب الإدراك وراء الحس والخيال والوهم ، وبه يتميّز عن بقية الحيوانات. وللعقل بهذا المعنى دور أساسي في التصورات والتصديقات وبواسطته يتم تكليف الانسان ويخرج من القوة الى الفعل ، في حركة تدريجية استكمالية ، فيميّز أولاً الحق من الباطل ، والصواب من الخطأ والخير من الشر ، ثم يسير على جادة التكامل بأفعاله الاختيارية.

وينقسم العقل بالقسمة الاولى الى (عقل نظري) و(عقل عملي) ، وهما قوتان عقليتان قائمتان بجوهر النفس الانسانية المجرّدة"[25]... "وينقسم العقل النظري الى (عقل بسيط) و(عقل مركب) ، أما البسيط فهو المسمّى في مصطلح القرآن الكريم بالفطرة ، وهو المدرك للقضايا البديهية أو القريبة منها ، وهو مشترك بن عامة الناس ن و(العقل المركب) وهو العقل المدرسي القادر على الاستدلال المركب وهو خاص بالعلماء.

أما (العقل العملي)  فقد اختلف الحكماء بشأنه مدركاته ، فالمشهور بينهم أن مدركات العقل العملي جزئية من قبيل: هذا الفعل حسن أو هذا الفعل قبيح.

أما المدركات العملية الكليّة من قبيل : كل عدل حسن أو كل ظلم قبيح ، من مدركات العقل النظري"[26] .... " تنبيه: إنَّ العقل النظري ترتبط به الحكمة النظرية والعملية ، وذلك لأن الحكماء قسّموا الحكمة الى نظرية وعملية" ... "إذن لا ينبغي الخلط بين العقل النظري والعقل العملي من جهة ، وبين الحكمة النظرية والحكمة العملية من جهة أخرى ، لأن الحكمة النظرية والعملية معاً ترتبطان بالعقل النظري في الانسان. أجل تختلف مدركات الحكمة النظرية عن العملية في أن الاخيرة تستلزم جرياً عملياً بخلاف الاولى فإنها ليست كذلك"[27].

 

بين علم الكلام والفلسفة والتصوّف:

قيل ان ادوات المعرفة التي تعرفها البشرية هي: العقل ، النقل ، الحس والتجربة ، الكشف الشهودي ! ولا يتفق جميع البشر على صلاحها جميعاً كأدوات معرفية ، ولا سيما دعوى ان الكشف والشهود هو طريق معرفي يقيني ! وهو في احسن حالاته لا يعدو كونه تجربة شخصية للعارف الذي يقترفها ، فهي تجربة لا تفيد حتى صاحبها لعدم العصمة.

واما الحس والتجربة فهي في جانب كبير منها متعلقة بالعلوم الطبيعية ، كالطب والهندسة والكيمياء الخ ... ولا تصح كمصدر معرفي للعقيدة الدينية.

ويبقى العقل والنقل كمصدرين مقبولين للمعرفة الدينية ، وهذا هو ما تعلمناه عن مدرسة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) وتراثهم المعرفي الرصين.

وقيل ان علم الكلام هو علم اسلامي صرف نشأ وترعرع في ظل الاسلام ليخدم الايمان العقائدي للمؤمنين والمسلمين ، تكلم به امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في احداث السقيفة ، بل وهناك بعض الاحتجاجات المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي من علم الكلام. ولا نبالغ إنْ قلنا أنَّ الاحتجاجات القرآنية ايضاً مبنية على علم الكلام من قبيل قوله تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)). وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)).

وربما يتميز علم الكلام بالتالي:

1.    مصادر المعرفة هي الكتاب والسُنّة والعقل.

2.    يقصد بالعقل هو المسلّمات العقلية التي لا تحتاج الى برهان.

3.    الادلة السهلة والواضحة وقلّة المقدمات.

4.    الجمع بين التأثير في القلوب والاقناع في العقول.

5.    المجادلة بالتي هي احسن.

6.    تجنب الحيدة عن المطلب ومنع الخصم منها.

 

أمّا الفلسفة والتصوّف (الغنوصيّة) فهما ذوا اصول غير اسلامية ، فقد عُرِفَت الفلسفة عند اليونان وعُرِفَتْ الغنوصية (التصوّف) في الامم الآسيوية كالهند والفرس واليونان ، وكذلك وظهرت  في المسيحيّة واليهوديّة. وقد اخترقت الغنوصية ثقافات العديد من الامم والاديان ولحد الان كما في اوربا وغيرها[28]. ثم انتقلت الفلسفة والغنوصية الى المسلمين وفكرهم وعقيدتهم عبر عدد من الفلاسفة والصوفية كابن سينا والفارابي وابن رشد ، وذو النون المصري والبسطامي والحلاج والغزالي وابن عربي ، وكان بين الفلاسفة والغنوصيين (المتصوفة) جدالات كبيرة وردود واسعة في مؤلفات شهيرة كتهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لأبن رشد ، الى ان ظهر ملا صدرا في بداية القرن الحادي عشر الهجري (توفي 1050هـ) والذي انتقى مسائل بعضها من الفلسفة والبعض الآخر من الغنوصية (التصوّف) وزعم ان مدرسته تضم الفلسفة والتصوّف (العرفان) الى جنب الشريعة واطلق عليها اسم (الحكمة المتعالية).

إنَّ اهم ميزة تمتاز بها المدرسة الكلامية هي أنها تعنى بتأسيس القضايا العقائدية في اصولها الخمسة (التوحيد والعدل الالهي والنبوة والامامة والمعاد) والدفاع عنها ضد الشبهات وضد التوجهات العقائدية الاخرى منطلقة بذلك من النصوص المقدسة (الكتاب والسنة) ، بينما الحكمة المتعالية (الفلسفية- الصوفية) تسعى للحصول على المعرفة وتكوين نظريات عقائدية دينية متمثلة بالبحث في التوحيد وصفات الخالق جلَّ وعلا وكيفية الخلق ومراحله واطواره ومآله في العالم الآخر منطلقة من الكشف والشهود الذي يترجم الى لغة بشرية عن طريق الفكر الفلسفي ومتبنياته ثم يوضع كل ما ينتج في اطار ديني بعد قسر النصوص الدينية وتفسيرها باطنيا لتتلائم مع النتائج الفلسفية التي توصلوا اليها.

ويقصد بالعقل الذي هو احد مصادر المعرفة في علم الكلام هو البديهيات العقلية التي لا يختلف على صحتها العقلاء ، مثل عدم اجتماع النقيضين ، وعدم جواز الدور والتسلسل في الاستدلال ، وفاقد الشيء لا يعطيه[29] ، وان النفي والاثبات لا يصدقان معاً في شيء واحد ، والحادث لا يوجد من دون سبب ، والصفات المتضادة لا تجتمع في موضوع واحد ، والكل أكبر من الجزء ... الخ. ويطلق ايضاً على البديهيات العقلية أسم المعارف الضرورية او البديهية ، ومعنى الضرورة هنا أن النفس تضطر الى الاذعان بقضية معينة دون ان تطالب بدليل على صحتها بل تجد من طبيعتها التصديق بها تصديقاً غنياً عن كل بيّنة وإثبات[30].

ويظن البعض ان علم المنطق لصيق بالفلسفة ، بينما نجد ان العديد من القضايا المنطقية الرئيسية يحكم بها العقل الانساني حتى لو لم يكن مطلعاً على علم المنطق الارسطي لأنها قضايا عقلية بديهية. ولذلك نجد ان السيد الخوئي (رضوان الله عليه) يقول: (أما علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلا لأنه يعرفه كل عاقل حتى الصبيان)[31]. فالسيد الخوئي يريد ان يقول ان القضايا المنطقية المهمة في الحياة هي قضايا بديهية يعرفها جميع الناس ، ولذلك نجد ان المنطق هو جزء من علم الكلام ومن قواعده لا بإعتبار ان علم الكلام يستند في تحقيقاته الى المنطق الذي هو جزء من الفلسفة بل لكون القضايا المنطقية الرئيسية هي قضايا بديهية يتفق عليها جميع الناس ولذلك فهي معتمدة في علم الكلام وتشكل ركناً فاعلاً فيه.

وبعبارة اخرى ان القضايا العقلية البديهية التي يستند اليها علم الكلام هي القضايا الفطرية التي فطر الله سبحانه الناس عليها وميزات الفطرة هي (أنها ليست بحاجة الى التعليم والتعلّم كما انها ليست قابلة للتغيير ولا التبديل وميزة ثالثة وهي ان فطريات كل نوع من الموجودات تتوفر في جميع افراد ذلك النوع وإنْ كانت قابلة للضعف والشدّة)[32]. وتقسم الفطرة الى قسمين (اولهما المعارف التي هي من لوازم وجود الانسان والثاني الميول والرغبات التي هي مقتضى كيفية خلق الانسان)[33] ، والقسم الاول كما هو واضح هو مدار اهتمامنا والذي له علاقة بعلم الكلام.

ومن القضايا التي تخص علم الكلام ولم نجد من تطرق اليها هي قضية ارتباط علم الكلام بهداية عموم الناس. فعلم الكلام هو مرتبط بالعقائد الاسلامية : التوحيد وما يتضمنه من معرفة الله سبحانه وصفاته الذاتية والفعلية ، وعدله ، وايضاً يتضمن: النبوة والامامة والمعاد. وحيث ان العقيدة الاسلامية هي لعموم الناس فيجب ان يكون مستوى الخطاب في علم الكلام هو ما يفهمه عموم الناس حيث تعرض الادلة وتقام الحجج وتثبت البراهين. فهذا ما يحتاجه عموم الناس لتحقيق الهدف من البعثة النبوية وهو الهداية العامة. اما الفلسفة فهي خطاب تخصصي لقلة قليلة من المتخصصين ولذلك لا يمكن ان ترتقي الفلسفة لتكون ذات فائدة لعموم الناس.

قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)).

وقال تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ)).

وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)).

وقال تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)).

وقال تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)).

وقال تعالى: ((هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)).

وقال تعالى: ((وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)).

ويضاف الى ما تقدّم ان علم الكلام يتناول المسائل وتفاصيلها وجزئياتها من قبيل اثبات النبوة واثبات ان محمداً (صلى الله عليه وآله) نبي وان القرآن الكريم كلام الله سبحانه ، وان الاوصياء هم اثنا عشر وصياً اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وآخرهم الحجة بن الحسن (عجَّل الله فرجه الشريف). بينما الفلسفة لا تتناول الا المسائل العامة من قبيل اثبات التوحيد والحاجة الى الانبياء وهكذا دون تفاصيلها ، فبالفلسفة لا تتمكن على سبيل المثال من تشخيص منهم الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بينما علم الكلام يتمكن من ذلك التشخيص. فحتى انصار الحكمة المتعالية أوالفلسفة أوالعرفان لا يستطيعون الاستغناء عن علم الكلام.

إذن الانسان يحتاج علم الكلام من اجل هدايته الى الصراط المستقيم ، ففوائده اذن دنيوية واخروية. اما الفلسفة فلا يصح منها الا ما كان منها في خدمة علم الكلام. فالفلسفة يمكنها ان تقوم بتعضيد علم الكلام في نتائجه التي يتوصل اليها ، وكذلك يمكنها نقض الشبهات التي يثيرها خصوم الدين والمذهب. وهذا هو منهج الشيخ الطوسي والعلامة الحلي (قُدّس سرهما) حيث يصنفان بانهما اول من ادخل المصطلحات الفلسفية في علم الكلام ومن بعدهما توسع التعامل الفلسفي عقائدياً ، اما مقدار نجاحهما في جعل الفلسفة اداة لعلم الكلام في أثبات العقائد او الدفاع عنها فهذا بحث آخر. اما ان تكون الفلسفة هي المؤسس للعقيدة ولفهم الوجود بقواعدها الذاتية فهذا غير مقبول وغير مجدي لعدم عصمة الفلاسفة مع ما نجده بينهم من اختلافات شاسعة وبون كبير في تأسيس القواعد الفلسفية وفهمها لدرجة انه تم تأسيس مدرسات فلسفية متباينة في الفهم الفلسفي كالمدرسة المشائية والمدرسة الاشراقية ، وحتى داخل المدرسة الواحدة هناك اختلافات بين الفلاسفة انفسهم. فلا يمكن الوثوق بفلسفاتهم. واما علم الكلام فقد وضع قواعده الائمة الاطهار (عليهم السلام) وعلموها لأصحابهم كهشام بن الحكم ، وأبي جعفر مؤمن الطاق ، وهشام بن سالم ، وحمران بن أعين ، والفضل بن شاذان ، والمتكلّمين النوبختيين ، "حيث كان الجميع يعارض المزاج الفلسفي، ويقال: إنّ هشاماً بن الحكم كان له كتاب ردّ فيه على أرسطو في التوحيد"[34]. ومنهم وصل علم الكلام الى فقهاء الشيعة الامامية وتم تأسيس القواعد العقائدية الكلامية. والسيد الطباطبائي يعترف بحقيقة ارتباط علم الكلام بمدرسة الائمة الاطهار (عليهم السلام) فيقول: "فعلما الشيعة ومحققوهم والذين هم تلاميذ مدرسة اهل البيت (ع ), كانوا في المقدمة من المتكلمين"[35].

اما العرفان فهو لا يصلح لأي شيء ، فلا يمكنه تأسيس قواعد عقائدية ولا الدفاع عن العقائد ولا دفع الشبهات ، وذلك لكون العرفان (الشهود الغنوصي) تجربة شخصية والقائم بها غير معصوم فلا يمكن الوثوق بالخيالات والاوهام التي يسمونها الشهود حتى مع الادعاء بتفسيرها او اسنادها بالقواعد الفلسفية ، وذلك لنفس السبب وهو عدم عصمتهم ولاختلاف الفلاسفة انفسهم فيما بينهم.

إذن "هناك نقاط اشتراك بين الفلسفة وعلم الكلام ، وهناك ايضاً نقاط افتراق ، وتوضيح ذلك في ثلاث نقاط:

أولاهما: فيما يتعلق بموضوع كل منهما ، فإنَّ موضوع علم الكلام هو العقائد الاسلامية المتعلقة بمعرفة الله تعالى وصفاته الذاتية والفعلية ، واما موضوع الفلسفة فهو: الموجود بما هو موجود ، وعلى هذا فهما متمايزان من حيث الموضوع.

والثانية: فيما يتعلق بالغاية ، فإنَّ الفلسفة تهدف الى امرين:

1ـ معرفة احكام الوجود وخواصه الكلية ، لتمييز الوجودات الحقيقية عن غيرها من الوجودات الاعتبارية والوهمية.

2ـ معرفة العلل غير الطبيعية ، والعلة الاولى للعالم.

وعليه فإنَّ الكلام والفلسفة يلتقيان في معرفة الله تعالى ، واما تعرّف أحكام الوجود الكلية فإن الكلام يستعين لتحقيقه بالفلسفة[36].

والثالثة: فيما يتعلق بالمنهج ، وهنا نجد نقطتي افتراق بين العلمين:

إحداهما: انه يشترط في الادلة الفلسفية من حيث المادة والصورة ان تكون برهانية ويقينية ، بينما لا يشترط ذلك كأصل كلّي في الادلة الكلامية ، وأنما يلزم على المتكلم مراعاة ذلك عند تحصيل المعرفة التفصيلية والتحقيقية حول العقائد الدينية.

والاخرى: ان المتكلم يستخدم الابحاث العقلية لاثبات العقائد الدينية ، والتوفيق بين العقليات والامور الشرعية ، اما الفيلسوف فهو يمارس ابحاثه العقلية تحرياً للحقيقة ، دون اتخاذ موقف قبلي ، فاذا لم تكن الاحكام العقلية احياناً موافقة للظواهر الشرعية ، فإنه يتصرف في هذه الظواهر بنحو يجعلها تلائم الادلة العقلية الصحيحة"[37]. اي ان علم الكلام هو في خدمة النص الشرعي والعقيدة الاسلامية بينما يكون النص الشرعي في خدمة الفلسفة عند الفلاسفة والحكمة المتعالية.

ويحاول انصار الحكمة المتعالية والفلسفة ان يبرزوا غلبة الفلسفة على علم الكلام ، فيبرزون ان الفلسفة اقدر على اكتشاف الحقائق الدينية من علم الكلام ، ويزعمون امكانية الفلسفة على التوصل للحقائق الدينية بمعزل عن الشرع وعن علم الكلام !! فعلى سبيل المثال يقول الشيخ علي الرباني الكلبايكاني: "إنّ المتكلم دائماً يحاول أن يستخدم الابحاث العقلية لإثبات العقائد الدينية ، وأن يقوم على التوفيق بين العقليات والظواهر الشرعية ، ولكن الفيلسوف الالهي إنما يطرح ابحاثه العقلية تحرّياً للحقيقة ، دون أن يتخذ موقفاً فبلياً ، وبإعمال قوّته الفكرية يستطيع أن يفتح كنوز المعارف الدينية ، وإذا كانت الاحكام العقلية أحياناً لم توافق الظواهر الشرعية ، فلا بد ان يتصرف في الظواهر ويفسّر بما يناسب معطيات الادلة العقلية الصحيحة"[38]. ثم يستشهد بقول للمحقق اللاهيجي: "أمّا الفرق بين الكلام والفلسفة فإنَّ العقل له استقلال تامّ في كسب المعارف الإلهية الحقيقية ولم يتوقف في ذلك على ثبوت الشريعة ، فتحصيل المعارف الحقيقية إذا كان من طريق البراهين العقلية الصرفة المنتهية الى البديهيات ، فهذا منهج الحكماء ، والعلم الحاصل من هذا الطريق يسمى بـ (الحكمة) وهو لا محالة يوافق الشريعة الحقّة ، لأن حقيقة الشريعة إنما تتحقّق في نفس الامر بالبرهان. وإذ يبدو أحياناً تعارض أو اختلاف بين المسألة الحكمية الثابتة بالبرهان الصحيح وبين القاعدة الشرعية فيجب تأويل القاعدة الشرعية"... الى ان قال: "إنّ الحكمة في الاسلام ليست في الحقيقة إلا كأساس الشريعة وأصلها ، وتوهّم  حصول الاختلاف بين الشريعة والفلسفة إنما هو ناجم من الجهل وعدم المعرفة بحقيقة هذا وذاك"[39].

وهذا النص يخلط بين المعارف العقلية التي فطر الله سبحانه الانسان عليها ، وبين المعارف الفلسفية الظنية ، ويحاول تجيير الاولى لصالح الثانية !! وهي محاولات عقيمة للتغطية على الفشل الذريع للفلسفة في اثبات الحقائق الدينية او الانتصار لها.

وفي محاولة من اتباع الفلسفة للتضييق بين الهوة الواسعة بين علم الكلام والفلسفة يقولون: "إن موقف المتكلمين من الشيعة اتجاه الفلسفة موقف ايجابي وذلك لأن منهجهم في الكلام هو المنهج العقلي ، وقد استلهموا هذا من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ، إذ العقل في مدرستهم حجّة إلهية باطنية ، كما ان الانبياء والقادة الغلهيين حجج الله الظاهرية ، ونحن نرى المعارف الإلهية مبنية على المعايير العقلية بأعلى مراتبها في خطب الامام علي (عليه السلام) في الإلهيات ، فهو رائد الفكر الفلسفي بمعناه الصحيح في العالم الاسلامي ، والذي ورد في الثقافة الاسلامية عن طريق فلسفة اليونان لا يزيد عن طور الاصطلاحات والقوالب الفنية ، مضافاً الى بعض الآراء غير الصحيحة التي هذّبها فلاسفة المسلمين في عصور متأخرة"[40].

وهذه الدعوى تحاول التغطية على النصوص المروية عن ائمة اهل البيت الاطهار (عليهم السلام) والتي تذم الفلسفة وتحذر منها.

 

التوحيد عند العرفاء:

قال سيد حيدر الآملي: (فعند الشيخ الكامل المكمّل محي الدين العربي قدّس الله روحه ، التوحيد ينقسم الى قسمين ، كما ذكره في "التدبيرات الإلهية" بقوله: "فإنّ التوحيد توحيدان: توحيد الاحدية وتوحيد الفردانية. فتوحيد الاحدية توحيد العصاة من الامة الاسلامة ، وهو توحيد صحيح مركّب على اصل فاسد. وتوحيد الفردانية هو توحيد الانبياء والاولياء (عليهم السلام) والعارفين من الامة الاسلامية ، وهو توحيد صحيح مركّب على أصل صحيح")[41].

وقال الاملي ان التوحيد عند "الشيخ العارف المحقق أبي عبد الله الانصاري الهروي": (ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد العامّة ، وتوحيد الخاصة ، وتوحيد خاصة الخاصة ، كما ذكره في "منازل السائرين" بقوله "التوحيد على ثلاثة وجوه: الاول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد ، والثاني توحيد الخاصة وهو الذي ثبت بالحقائق ، والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة")[42].

واما عند "الشيخ العارف عز الدين الكاشي": (التوحيد أيضاً ينقسم الى ثلاثة أقسام: علمي وعيني وحقّي ، كما ذكره في "شرحه للقصيدة التائية" بقوله: "وللتوحيد مراتب ثلاثة: علم وعين وحق ، كما لليقين علمه (وهو) ما ظهر بالبرهان وعينه (وهو) ما ثبت بالوجدان وحقّه (وهو) ما اختص بالرحمن")[43].

والتوحيد عند "المولى الاعظم صدر الحق والملّة والدين القونوي" كما يعبر الآملي عنه ، ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد الافعال ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الذات[44].

والتوحيد عند "الامام العالم محمد بن محمد الغزالي" كما يصفه الآملي ، يقسم ، كما في كتابه "إحياء علوم الدين" ، الى اربعة اقسام: "قشر" وهو ايمان المنافقين ، و"قشر القشر" وهو ايمان عموم المسلمين ، و"لب" وهو ان يشاهد ذلك بطريق الكشف وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن مع كثرتها هي صادرة عن الواحد القهار ، و"لب اللب"[45] وهو ان لا يرى في الوجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصديقين ويسميه الصوفية "الفناء في التوحيد" حتى لا يرى نفسه لكون باطنه مستغرقاً بالواحد القهار[46].

والتوحيد عند "الامام الفاضل والشيخ الكامل كمال الدين ميثم البحراني" بحسب الآملي يقسم الى خمسة أقسام: اولاها وادناها أن يعرف العبد للعالم صانعاً ، والمرتبة الثانية أن يصدّق بوجوده ، والثالثة أن يترقى بجذب العناية الإلهية الى توحيده وتنزيهه عن الشركاء ، والرابعة هي مرتبة الاخلاص له ، والخامسة نفي الصفات - التي تعتبرها الاذهان له عنه وهذه المرتبة هي غاية العرفان ومنتهى قوّة الانسان[47].

واما سيد حيدر الآملي فيرى ان التوحيد نوعين: توحيد الانبياء وتوحيد الاولياء ! فالاول توحيد الانبياء هو التوحيد الظاهر وهو دعوة العباد الى عبادة إله مطلق من عبادة آلهة مقيّدة أو إلى اثبات اله واحد ونفي آلهة كثيرة ، وهو التوحيد الموسوم بالألوهي. والثاني توحيد الاولياء وهو التوحيد الباطن ، وهو دعوة العباد الى مشاهدة وجود واحد ، ونفي وجودات كثيرة ، وهذا هو الموسوم بالتوحيد الوجودي ، وليس غير هذين التوحيدين توحيد ثالث اصلاً. والاملي يرى ان ظهور جميع الانبياء من آدم (عليه السلام) الى محمد (صلى الله عليه وآله) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الالوهي الذي هو الدعوة الى الاله المطلق من الالهة المقيدة والخلاص من الشرك الجلي الذي هو بإزائه. واما ظهور جميع الاولياء من آدم الى المهدي صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الوجودي الذي هو الدعوة الى الوجود المطلق من الوجود المقيّد والخلاص من الشرك الخفي الذي هو بإزائه. ويؤكد سيد حيدر الاملي عقيدته التوحيدية الفريدة التي لم يعرفها التشيّع في يومٍ من الايام قبله فيقول: (فكل من توجّه الى الاله المطلق من المقيّد وعدل عن عبادة المخلوق الى عبادة الخالق ونطق بكلمة التوحيد الظاهر التي هي "لا إله إلا الله" خلص من الشرك الجليّ وصار من المسلمين مؤمناً موحداً بالتوحيد الألوهي طاهراً في الظاهر والباطن وغن لم يكن كذلك يكن مشركاً نجساً في الظاهر والباطن. وكل من توجّه الى الوجود المطلق من المقيّد وعدل من مشاهدة المخلوق الى مشاهدة الخالق ، ونطق بكلمة التوحيد الباطن التي هي "ليس في الوجود سوى الله" ، خلص من الشرك الخفي وصار عند المحققين عارفاً بالتوحيد الوجودي طاهراً في الظاهر والباطن ، وإن لم يكن كذلك يكن مشركاً ملحداً نجساً في الباطن بخلاف الظاهر عند البعض ، لأن عند الكثرين من ارباب التوحيد ، هو أيضاً نجس في الظاهر والباطن. وهذا أصل كبير وتقسيم شريف حسن ، فافهم ! فإنّه دقيق لطيف)[48].

 

وَهْمُ الجمعِ بين الشريعة و"الطريقة" و"الحقيقة":

يقصدون بالطريقة العرفان وما فيه من كشف وشهود مزعوم ، ويقصدون بالحقيقة الفلسفة !

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: (لذلك رام جمعٌ من العلماء ــ بما عندهم من بضاعة العلم على اختلاف مشاربهم ــ أن يوفّقوا بين الظواهر الدينية والعرفان، كابن عربي، وعبدالرزاق الكاشاني، وابن فهد، والشهيد الثاني، والفيض الكاشاني. وآخرون أن يوفقوا بين الفلاسفة والعرفان كأبي نصر الفارابي والشيخ السهروردي صاحب الإشراق، والشيخ صائن الدين محمد تركه، وآخرون أن يوفقوا بين الظواهر الدينية والفلسفة كالقاضي سعيد وغيره، وآخرون أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه، وصدر المتألّهين الشيرازي في كتبه ورسائله، وعدّة ممّن تأخر عنه؛ ومع ذلك كلّه، فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلاّ شدّةً في التعرق، ولا في إخماد ناره إلاّ اشتعالاً: ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفع)[49].

وقضية الجمع بين التصوّف (العرفان) والفلسفة في منهج واحد من اغرب ما يكون ، فقد كان الصراع على اشدّه بينهما ولفترة طويلة ، ومن ابرز معالم ذلك الصراع كتاب (تهافت الفلاسفة) الذي رد فيه المتصوّف ابو حامد الغزالي على الفلاسفة ، ثم عاد الفيلسوف ابن رشد ورد على تصوّف الغزالي بكتابه (تهافت التهافت) وتشكل لكل طرف انصار ومؤلفات منها:

ـ (الذخيرة في تهافت الفلاسفة) تأليف علي بن محمد علاء الدين الطوسي ثم الرومي الحنفي ، المتوفى سنة 887هـ. وله ايضاً: (البداية في المحاكمة بين الحكماء).

ـ (تهافت الفلاسفة) تاليف مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي الرومي الحنفي الشهير بخواجه زاده المدرس بمدرسة السلطانية بمدينة بروسة والمفتي بها والمتوفى سنة 893هـ[50].

ـ (تهافت الفلاسفة) تأليف محمد بن صفي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد السلام الإيجي معين الدين الصفوي الشيرازي الشافعي (832- 906)هـ[51].

ـ (شرح تهافت الفلاسفة) تأليف مؤيد زاده  واسمه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن علي الاماسيه وى المعروف بمؤيد زاده الرومي المدرس الحنفي توفي سنة 970هـ[52].

ـ (حاشية على تهافت الفلاسفة لخواجه زاده) في محاكمة بينه وبين الاغزالي ، تأليف محمد شريف بن يوسف بن القاضي محمود بن الملا كمال الدين الكوراني الصديقي الشاهوي الرويسي الشافعي ، توفي سنة 1078هـ[53].

ـ (حاشية على تهافت الفلاسفة لخواجه زاده) للحكيم شاه محمد بن مبارك القزويني المتوفى 966هـ[54].

فحينما يحاول ابن عربي ومن بعده ملا صدرا الجمع بين هذين المنهجين المتناقضين والمتخاصمين يتضح من ذلك الجمع ان قضية الجمع التقاطية وليست حقيقية.

 

قدرة الذهن على كشف الحقائق:

هل يمكن الحصول على المعرفة الالهية وكشف الحقائق المتعلقة بنشأة الخليقة والوجود بما هو موجود من خلال الذهن البشري وهو ما يزعمه ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التابعة لتراثه !

"ما هي قدرة الذهن البشري على كشف الحقائق؟ وما هو مقدارها؟ وهل يستطيع الذهن من كشف كنه الاشياء وحقائقها؟ وهل يا تُرى تُعرف حقائق الاشياء بمعرفة مجموعة اصطلاحات وتسميات ومعاني فارغة؟

إنَّ المذهب الذي تسير عليه الفلسفة بقسميها المشّائية والاشراقيّة يرى أن الذهن البشري قادر على كشف كل شيء وحتى الذات الإلهية المقدسة وصفاتها كما هو واضح من منهجيتها الفلسفية وإن لم يصرحوا بذلك ، خلا تصريحهم في بداية الحكمة واصفين المنع من الخوض بالذات الإلهية بأنّه (يلزم تعطيل العقول وهو غير جائز)[55] !!

والمعروف لدى جملة من المحققين بأن الذهن البشري قادر على كشف كثير من الاشياء لكن بمعرفة اللوازم والآثار لا الحقائق والذوات خصوصاً الذات الإلهية الجامعة لكل الكمالات ، فالمحدود كيف يدرك اللامحدود ، هذا من جهة عقلية. واما من جهة نفسية وشهودية فالحضور والشهود للفقير لا يمتد للإحاطة بالغني ولا بشهود كنهه وذاته ، مضافاً الى ان الحضور والشهود انما يكون للوازم والآثار فهو شهود لوجود الذات لا الذات الإلهية المقدسة"[56].

 

اهميّة الفلسفة ولا أهميتها:

قيل في شبهة حول أهمية الفلسفة أنه ربما يقال إنّ الفلسفة يمكن ان يكون لها دور كبير ومهمّ بعنوان الآلة والوسيلة في الجواب على شبهات الملحدين والمنكرين للخالق سبحانه ، ولذا فهي مهمّة للغاية ، ثم إنهم قد يقولون إنّ فهم المطالب الدقيقة الموجودة في الخطب والاحاديث الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) يتوقّف على فهم المباني الفلسفية ، وبدونها لا تتيسّر المعرفة الكاملة للنصوص ؟! فيجيب السيد جعفر سيّدان بقوله: "في مقام الاجابة على هذا السؤال لا بدّ من التنبيه الى أنّ المباحث المذكورة في كتب الفلسفة تنقسم الى قسمين:

القسم الاول: المسائل القطعية العقلية الموجودة في فطرة عموم العقلاء ، وجميع العقلاء بمختلف طبقاتهم في المجاميع المختلفة يعتمدون عليها في اعمالهم ومختلف شؤونهم ، وإن كانوا لا يعرفون العبارات الاصطلاحية والعلمية لتلك القواعد ، نظير احتياج  المعلول الى العلّة ، واستحالة تحقُق المعلول بلا علّة ، واستحالة اجتماع الضدّين والمتناقضين ، وأنّ كلّ محدودٍ معلول ، وأنّ المعلول لا يكون قائماً بالذات ، واستحالة الدول والتسلسل ، وحكاية النظم عن الناظم وأمثال هذه المطالب. وفي أي مكتوب بُحثت هذه المطالب بنحو واضح فمن الجيّد الاستفادة منه.

القسم الثاني: المسائل النظرية الاختلافية المبحوثة في الفلسفة ، من قبيل أصالة الوجود أو الماهية ، أو وحدة الوجود أم تباين الوجودات ، أو الوحدة التشكيكية أم الاطلاق في الوجود ، وسراية قاعدة "الواحد لا يصدر منه الا الواحد" على ذات الحق ، و"الشيء ما لم يجب لم لم يوجد" ، ومسالة الصورة والهيولى ، والحركة في الجوهر ، و"بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشيء منها" وأمثال هذه ، ومن هذا القسم: النتائج المأخوذة من هذه المطالب وأمثالها في الفلسفة والحكمة[57]، فما يستفاد من الفلسفة للجواب على المنكرين للصانع وإبطال مقالاتهم ، فإنّه من مطالب القسم الاول ، وهي مسائل قطعيّة وقوانين بديهية فطرية ، وهي ميزان لجميع المباحث في جميع العلوم ومقبولة لدى كافة العقلاء وهي مذكورة في الفلسفة أيضاً ، وقلنا أنه أينما بُحثت هذه المسائل بشكل أفضل فمن الجدير استفادتها منه. وأنّه قد جرى التأكيد عليها في القرآن والحديث ، ومع التسلّط على هذه المطالب القطعيّة تتّضح الخطب والاحاديث المعارفيّة والتوحيدية إلا أنه لا مجال للتردد في أنّ هذا القسم في الواقع ليس منحصراً في الفلسفة ، بل هو مورد قبول وإقرار الجميع ، وإنّ النقد والردّ يكون في القسم الثاني فقط.

ومع التوجّه الى القسم الثاني الذي هو مورد اختلاف ، ومشكل في مجموعة مباحث نظرية ، لا يمكن أن تتّضح الخطب والروايات أبداً ، بل مع التوجّه الى هذا القسم ووجود الاختلافات في المباني فيه ووجود الانظار المتفاوتة ، فإنّ تفسير النصوص الدينية بهذه البحوث والمباني والنظريّات لا يزيد الانسان إلا حيرة. وبناءً على ذلك ، فإنّ ما يمكن أن يكون آلة في إبطال مقالة المنكرين لله تعالى ، وينفع في فهم الاحاديث المشكلة ، هي مجموعة مسائل قطعية ، وهي عامّة الوصول للعقلاء وليست مختصة بجماعة دون جماعة ، وكل مَن كان أفضل تعقّلاً كان أكثر استفادة لتلك الخُطَب والاحاديث المشكلة. وأمّا ما كان محلّ انتقاد إنّما يكون في المسائل المذكورة في القسم الثاني من الفلسفة ، والتي تتكأ على الادلة النظرية لا الضروريات ، وهي للأسف كثيرة في الفلسفة. وكلام الشيخ الانصاري (قدس سره) في باب القطع من كتاب الرسائل ناظر الى هذا القسم ، حيث قال: وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقليّة النظرية ، لإدراك ما يتعلّق بأصول الدين ، فإنّه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد ، وقد اشير الى ذلك عند النهي عن الخوض في مسئلة القضاء والقدر"[58].

يقول الشيخ مرتضى مطهري ان الفلسفة تقسم الى فلسفة نظرية وفلسفة عملية ، وتقسم النظرية الى الالهيات والرياضيات والطبيعيات. وتقسم الرياضيات الى الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى. والفلسفة العملية تقسم الى علم الاخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدن. وان الفيلسوف الكامل هو الجامع لكل العلوم المذكورة ، وان ارسطو هو اول من وصف كل هذه الفروع الفلسفية بانها تدور حول الموجود بما هو موجود[59]. "ارسطو هو اول شخص سعى وراء سلسلة من المسائل لا تدخل في اي علم من العلوم سواء كان الطبيعي او الرياضي او الاخلاقي او الاجتماعي او المنطقي ويجب ان تعتبر متعلقة بعلم منفصل. ولعله اي ارسطو هو اول شخص شخَّصَ محوراً يجمع هذه المسائل حول نفسه بعنوان كونها عوارضه وحالاته والذي هو الموجود بما هو موجود ولعله هو اول شخص كشف ان رابط وعامل اتصال مسائل كل علم مع بعضها البعض وملاك انفصالها عن مسائل العلوم الاخرى شيء يسمى بـ (موضوع العلم) طبعاً مسائل هذا العلم اتسعت بعد ذلك او مثل كل علم فإنها حصلت على اضافات كثيرة"[60]. هذه المسائل التي عني بها ارسطو هي التي استمر اطلاق مصطلح (الفلسفة) عليها ، اما بقية العلوم الفلسفية كالحساب والهندسة والاخلاق والطبيعيات فأصبح لها عناوينها الخاصة بها وغاب عنها مصطلح (الفلسفة). واليوم اذا نظرنا الى التطور العلمي في العالم واسباب التقدم المدني والحضاري للبشرية نجد انها تستند الى تلك العلوم الفلسفية التي تخلت عن تسمية الفلسفة كالرياضيات والاجتماعيات والحساب والهندسة والطبيعيات. اما العلوم التي ما زالت مكبّلة بلفظ مصطلح (الفلسفة) فلم تخدم الانسانية شيئاً !! الفلسفة لم تخدمنا ايها الاخوة والاخوات بل ان البعض ادخلها في العقيدة والدين فشوهوه وحرّفوه.

 

فيما يجب معرفته من الدين:

في الخصال للشيخ الصدوق (قده): عن الامام الرضا (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الايمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالاركان)[61].

وفي امالي الشيخ الطوسي (قده): عن الامام الرضا (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الايمان عقد بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالاركان)[62].

يقول السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله): "أما عمل الاركان فهو عبارة عمّا فرضه الله تعالى على الانسان من عمل. والذي يتكفل بذلك علم الفقه. ويكفي فيه التقليد بشروطه المقررة لمن لا يتيسر له الاطلاع على أدلته التفصيلية"[63]... "يجب الاذعان بكل حقيقة دينية إجمالاً او تفصيلاً: نعم إذا قام الدليل عليها بنحو أوجب العلم بجعل الله تعالى لها وتبليغ رسله بها وجب الاعتقاد بها على نحو ما عُلِمَتْ. كما يجب الاعتقاد إجمالاً بكل ما جعله الله تعالى وأنزله على رسوله ، وبكل حقيقة دينية ، والاذعان بذلك كله على إجماله إذا لم يعلم بتفاصيله"[64].

وقال السيد عبد الله شبّر: "وقيل إنه لا يجب على عامة الناس معرفة أصول الدين بالدلائل التفصيلية وترتيب الاشكال المنطقية ، وإنما يجب ذلك كفاية لدفع شبه الكفار والمعاندين ، وهذا هو الظاهر من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة مع سائر الناس ، وأكثر الخلق كانوا بهذه الصفة ، ولذا ورد عليكم بدين العجائز وبدين الاعرابي ، حيث قال: البعرة تدل على البعير وأثر الاقدام على المسير أفسماء ذات ابراج وأرض ذات فجاج لا يدلان على اللطيف الخبير. ولذا ترى ان من اكتفوا بالدلائل الاجمالية ولم يعرفوا الدور والتسلسل ولا اصطلاحات المتكلمين والمنطقيين أكمل إيماناً وأثبت جناناً وأشد اعتقاداً ممن يخوضون في ذلك"[65].

 

الترويج لتراث ابن عربي داخل الحوزات الشيعية:

إنَّ ما يعاني منه المؤمنون اليوم هو وجود حوزات دينية ومؤسسات رسمية تروّج لافكار ابن عربي في وحدة الوجود والموجود وهم لهم نظرتهم الخاصة التي تجعلهم يرون تلك الافكار هي الحق الاصيل في الاسلام ! ذلك الحق الذي لا يصلون اليه الا بترك ظاهر الآيات والروايات الشريفة وتبني تفسير باطني لها هو في اغلب الاحيان لا يرتبط بظاهر اللفظ ولا يصل اليه بصلة بل هو قائم على تفسير القرآن بالآراء الفلسفية ، وهناك اجماع في الامة الاسلامية شيعتها وسنتها على حرمة تفسير القرآن بالرأي !

 

دولة وحدة الوجود والموجود:

وفي إتجاه آخر خطير يهدد عقيدة الامة بصورة جدّية ، كتب الشيخ الصوفي عبد الغني النابلسي (توفي1143هـ /1731م) في رسالته (إيضاح المقصود من وحدة الوجود) : (نقل العارف المحقق الشيخ احمد القشاشي المدني رحمه الله تعالى في رسالته في وحدة الوجود عن ابن كمال باشا رحمه الله تعالى ، ومن خطه نقل ، كما صرّح بذلك ، أنه يجب على ولي الامر ان يحمل الناس على القول بوحدة الوجود)[66] ! وهذا الذي كان ابن كمال باشا (توفي 940هـ /1534م) يطلبه يتحقق اليوم تدريجياً بصورة مغايرة نوعاً ما بعد قيام النظام الاسلامي في جمهورية ايران وانتشار المراكز الدينية والثقافية المتبنية للحكمة المتعالية وتراث ابن عربي ، حتى اصبحت بعض اهم الواجهات العلمائية الشيعية تابعة لهذه المدرسة وتراث ابن عربي ، من اشهرهم على المستوى الثقافي الشعبي العام: السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان ، والسيد الخميني ، والشيخ مرتضى مطهري ، والشيخ محمد رضا المظفر ، والشيخ عبد الحسين كاشف الغطاء. وربما يتكرر التاريخ ، وكما انقلبت المملكة الصفوية على التصوف الذي كان اساس بنيانها ، ربما ستنقلب الجمهورية الاسلامية في ايران يوماً ما على الحكمة المتعالية التي كانت اساس البنيان الفكري لمؤسسيها.

اما علماء واعلام مدرسة الحكمة المتعالية فلا موقف لنا معهم سوى قوله تعالى في سورة سبأ:

((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)).


 

[1] وواحدة من مظاهر فقدان السلطة الحاكمة للمنبع العلمي والمعرفي الضروري لموازنة علوم آل البيت الطهار (عليهم السلام) هو قيام ابو بكر بن ابي قحافة بجمع القرن الكريم في مصحف احتف به لنفسه بعد مقتل سالم مول ابي حذيفة في معركة اليمامة حيث كان سالماً المذكور من انصار ابي بكر واحد ركائز حركته التي انطلقت من السقيفة ، وهو احد حفّاظ القرآن الكريم ، وبعد مقتله وجد ابو بكر انه يفتقر لنسخة كاملة من القرن الكريم حيث لم يكن هو نفسه يحفظه كاملاً ولا يمتلك نسخة كاملة منه ، فأمر من يجمعه له !!

[2] العرفان الاسلامي / السيد محمد تقي المدرسي - ص24.

[3] شرح نهج البلاغة / ابن ابي الحديد ت656هـ ج15 ص258.

[4] الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الانوار في طبقات الاخيار / الشيخ عبد الوهاب الشعراني -  ج1 ص67.

[5] المصدر السابق -  ج1 ص155.

[6] الكتاب المقدس ، العهد الجديد ، رسالة بولس الثانية الى اهل كورنثوس ، الاصحاح الثاني عشر ، (1-4).

[7] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري ص64.

[8] مستدرك سفينة البحار / الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج4 ص381.

[9] في حلية الاولياء ، ج9 ص337 نقرأ ان المتوكل العباسي يخاطب ذو النون المصري ابرز رجال الصوفية الغنوصية بقوله: (أنت زاهد اهل مصر؟) فأجابه ذو النون المصري بقوله: كذا يقولون.

[10] مجموع فتاوى احمد ابن تيمية / جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه ج11 ص6.

[11] نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام / الدكتور علي سامي النشار - ج1 ص53.

[12] تاريخ فلاسفة الاسلام في المشرق والمغرب / محمد لطفي جمعة / طبعة ليون القاهرة - ص290. أيضاً نفس المصدر طبعة مؤسسة  هنداوي ص291.

[13] الدين العرفاني والعرفان الديني / علي شيرواني ص67.

[14] التصوّف / ماسينيون ومصطفى عبد الرازق ص66.

[15] بحوث عقائدية / السيد كمال الحيدري بحث الاسماء الحسنى ص24.

[16] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني / محمود شكري الآلوسي ت1270هـ - ج1 ص102 ، وج21 ص20.

[17] ومما نقله المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير - ج 2   ص 199 عنه: (قال الحرالي ويحصل الاطلاع عليها بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بأية بادية لأهل المراقبة كلا على وجه حكمته وخلوته واستغراق ذكره في صومه) ، ونقل عنه (في ج 2   ص 300) قوله بنبوة آسيا امرأة فرعون) قال: (قال الحرالي خلصهن الله من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء عربي علي حتى أنكحهن من محمد النبي العربي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الثلاثة مترتبات في الفضل على هذا الترتيب فأفضلهن مريم اتفاقا فآسية لأنه قيل بنبوتها فأخت موسى لأنه لم يذهب إلى القول بنبوتها أحد والظاهر أن وقوع التزوج في الجنة). وهو مقارب لمذهب ابن عربي الذي كان يؤكد ان النساء تشارك الرجال في جميع المراتب بما فيها مرتبة القطبية وبإمكانهن الوصول الى ما يصل اليه الرجال ن كما انه يجيز امامة النساء للرجال ، غير انه يقصر الرسالة والبعثة على الرجال فقط.راجع كتاب (محي الدين بن عربي) للدكتور محسن جهانگيري ، ص459 و460.

[18] مقال بعنوان (الإمام الحَرالِّي المراكشي) ، للدكتور جمال بامي ، منشور في مواقع الانترنيت. نقلا عن: محمد بنشريفة مقدمة "تراث أبي الحسن الحرالي" الذي نشر بدراسة وتحقيق الأستاذ محمادي الخياطي، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، 1997.

[19] سير أعلام النبلاء / الذهبي - ج 23 ص47.

[20] تاج العروس / الزبيدي - ج7 ص277.

[21] تفسير الميزان / السيد محمد حسين الطباطبائي - ج6 ص185.

[22] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري ص61.

[23] يرفض الشيعة الامامية تلك الاحاديث ، حيث رووا بطرقهم عن آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ما ينقض مضمون تلك الاحاديث ، ومما رووه في هذا الخصوص:

في الكافي: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن بحر عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر ع عما يروون أن الله خلق آدم على صورته فقال هي : صورة محدثة مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال : " بيتي " " ونفخت فيه من روحي ". انظر: الاصول من الكافي للشيخ الكليني (قده) (329 هـ) الجزء1 صفحة 134 باب الروح.

وفي التوحيد للشيخ الصدوق (قده): حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا ع: يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله خلق آدم على صورته فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك ووجه من يشبهك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته. أنظر: التوحيد للشيخ الصدوق (قده) (381 هـ) صفحة 152.

[24] فلاسفة الشيعة / الشيخ عبد الله نعمة ص355.

[25] اصول المعرفة والمنهج العقلي / د. ايمن المصري ص69 و70.

[26] المصدر السابق ص70 و71.

[27] المصدر السابق ص72.

[28] راجع مقالنا الموسوم: (الغنوصية ترتدي الحداثة)، منشور في موقعنا الالكتروني الشخصي. ومما جاء فيه: " نتيجة لتسلل الافكار الغنوصية في الفكر الاوربي في محاولتهم للتخلص من سيطرة الكنيسة على الحياة السياسية والاجتماعية، وضمن إطار الدعوة الى الحداثة هناك ، وحيث ان للافكار الغنوصية موطيء قدم في البلاد الاسلامية ايضاً بعناوين التصوف والعرفان، فقد عمد البعض الى المزاوجة بين الغنوصية القادمة من اوربا مع الغنوصية المتغلغلة عند المسلمين في بلادهم لتحقيق نفس هدف التخلص من سيطرة الدين على الحياة الاجتماعية في البلاد الاسلامية. فظهرت افكار سروش وشبستري التي تجعل من التصوف تجربة شخصية مماثلة للتجربة النبوية ! وان النبوة ما هي الا تجربة صوفية غنوصية !! وانه يمكن استبدال الشريعة الاسلامية بشريعة وجدانية تنبع من داخل الانسان بتجربة غنوصية حداثية!!

ويحدثنا فراس السوّاح عن تأثير الفكر الغنوصي في الفكر الحديث فيقول: (كان للفكر الغنوصي عامة تأثير على بعض المفكرين الغربيين في العصور الحديثة وذلك من خلال الصوفي والمفكر الالماني جاكوب بوهمة (نحو 1600م) الذي اسس التيار الغنوصي في الثقافة الاوربية الحديثة. وكان من اكثر المتأثرين بجاكوب بوهمة الفنان والشاعر الانكليزي وليم بليك (1757- 1827) الذي تشف رسوماته وأشعاره عن مؤثرات غنوصية عميقة. وضمن هذا التيار الذي خلقه بوهمة ابتدأت في المانيا بشكل خاص الدراسة الاكاديمية الجدية للغنوصية ، وذلك منذ ظهور كتاب غوتفريد أرنولد: "التاريخ الامبراطوري للكنائس والهرطقات" في عام 1699 ، الذي عرض فيه المؤلف الهرطقات الغنوصية باعتبارها تيارات مسيحية اصيلة. وقد قرأ الكاتب والمفكر الالماني غوتة في شبابه كتاب أرنولد هذا وتأثر به جداً ، وكتب في مذكراته أنه قد رسم في ذلك الحين بتاثير ارنولد الخطوط العامة لنظامه الغنوصي الخاص. وقد استعاد غوتة شغفه الاول ذاك عندما كتب خاتمة مؤلفه الشهير (فاوست) التي يصور فيها تجلي "الانوثة الخالدة" وكانها نسخة عن "صوفيا الغنوصية" التجلي الاكمل للالوهة) . ويستطرد السوّاح في ابراز تأثير الغنوصية في الفكر الحديث فيذكر تاثير الغنوصية على عدد كبير من شعراء الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر الميلادي الذين اخذوا بإعادة ابتكار اساطير غنوصية للتعبير عن موقف من العالم وصل الى شفا هاوية من العدمية ، من هؤلاء: شيلي واللورد بايرون والفونسو دي لا مارتن وفكتور هيجو وميهيل امينيسكو ، ويقول انه فيما عدى ليوباردي الذي كان على معرفة واسعة بالغنوصية القديمة ومتاثراً بها بشكل مباشر فإن البقية قد ابتكروا ميثولوجيا تطابقت احياناً في تفاصيلها مع الميثولوجيا الغنوصية القديمة ، وكان هدفهم من ذلك التحرر من تركة العهد القديم في المسيحية ، حتى وصل بهم نقدهم لمفهوم الالوهة التوراتي الى الموقف المارقيوني (نسبة الى المسيحي المنشق مارقيون من القرن الثاني الميلادي) الذي يرى في إله العهد القديم صانع هذا العالم المادي تجسيداً للشر ويجب مقاومته والتحرر من سلطانه. كما الهمت الغنوصية عدداً من الكتاب المحدثين مثل: اناتول فرانس (1844- 1924) واليكساندر بلوك (1880-1921) والبرت فيروي (1865- 1937) وهيرمان هيسة (1877- 1962) والروسي ميخائيل بولجاكوف ، وفي مجال الفلسفة فقد نشر الالماني فرديناند كريستيان بوير في عام 1935 كتابه المميز في الغنوصية المسيحية والذي دافع فيه عن الغنوصية باعتبارها فلسفة دينية يقابلها في العصر الحديث المثالية الالمانية ممثلة بشيلينغ وهيغل وغيرهم ممن تاثر برؤى بوهمة .

وفي مجال علم النفس الحديث تاثر كارل غوستاف يونغ مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي وسيكولوجيا الاعماق ، بالرؤى والصور الغنوصية حتى انه كتب مؤلفاً غنوصياً فيه الكثير من تأملات الغنوصي القديم باسيليد. وبتأثير يونغ قام عدد من علماء النفس بينهم هنري جارلس (Henri Charles) وبيوك (Puech) وكارل كيرني (Karl Kerenye) بتفسير الرموز الغنوصية باعتبارها اسقاطات ميثولوجية للتجربة الذاتية . ويمكن ملاحظة امتداد الفكرة الغنوصية بوجود إلهين اثنين الى الافكار الحداثية ، فقد استفادت الغنوصية من الفلسفة الافلاطونية الوسيطة التي ميزت بين ما يسمى "التفكير العقلي الخطي" و"الخبرة الداخلية الحدسية" التي تقود الى معرفة الله سبحانه وتكشف للروح الانسانية صلتها بعالم الالوهية ، كما قالت هذه الفلسفة الافلاطونية بوجود ما يسمى "ديميرج" يتوسط بين الملأ الاعلى والعالم المادي ودعته بالاله الثاني" ! وهذا الـ "ديميرج" ممزق بين تأمل الملكوت المثالي الاعلى وبين توجيه عنايته نحو الادنى بإتجاه العلم الحسي.

وفكرة الاله الثاني بدت مترسخة في الغنوصية الى ان ظهرت من جديد عند احمد القبانجي نفسه حينما قال ضمن نطاق افكاره الحداثية بوجود إلهٍ ثانٍ في داخل الانسان وهو "الاله الوجدان" واسماه ايضاً "الاله الشخصي" ! وهو اله مرتبط بالانسان من جهة ومرتبط بـ "الله المطلق" على حد تعبيره ، من جهة اخرى.

قال تعالى في سورة النحل: ((وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )) ".

[29] عن (فاقد الشيء لا يعطيه) قال الشيخ علي حمود العبادي: (هذه كبرى عقلية يكفي لاثباتها تصور اطرافها). أنظر: دروس في التوحيد / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري ص126.

[30] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي ص87.

[31] التنقيح في شرح العروة الوثقى / تقرير لابحاث السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) / الشيخ علي الغروي (قدس سره) ج1 ص12.

[32] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي ص336.

[33] المصدر السابق ص336.

[34] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ 16 اغسطس 2014م. وأيضاً المقال منشور في مجلة نصوص معاصرة ، العدد 7.

[35] الشيعة في الاسلام / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص96.

[36] الفلاسفة يظنون بمعرفتهم بأحكام الوجود الكلية على ما بينهم من اختلافات واسعة. قال تعالى: ((إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً)) {سورة يونس (عليه السلام) ، الاية36}.

[37] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي ص49 و50.

[38]  ما هو علم الكلام / علي الرباني الكلبايكاني - ص63.

[39]  المصدر السابق - ص64.

[40]  ما هو علم الكلام / علي الرباني الكلبايكاني - ص90.

[41] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي ص78.

[42] المصدر السابق.

[43] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي ص78.

[44] المصدر السابق ص78 و79.

[45] وعنه نقل ملا صدرا تقسيمه للتوحيد ، قال: (واعلم ان للتوحيد وسائر معارف الايمان اربع درجات، وهي في التمثيل كقشر الجوز، وقشر قشره ولبّه ولب لبّه. الدرجة الاولى في التوحيد أن يقول باللسان لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه ، أو منكر له كتوحيد المنافق ، والثانية أن يصدّق بمعنى اللفظ قلبه ، كما يصدّق به عموم المسلمين ، وهو اعتقاد ، وليس بعرفان، والثالثة أن يعرف ذلك بطريق الكشف بالبرهان بواسطة نور الحق وهو مقام المقرّبين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن من الواحد =  = القهّار. والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحداً ، وهو مشاهدة الصدّيقين ، وتسميه الصوفيّة الفناء في التوحيد). انظر: شرح الاصول من الكافي / الشيخ صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي ت1050هـ ص619.

[46] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي ص79.

[47] المصدر السابق ص80.

[48] جامع الاسرار ومنبع الانوار / سيد حيدر الآملي ص84- 86.

[49] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ 16 اغسطس 2014م. وأيضاً المقال منشور في مجلة نصوص معاصرة ، العدد 7 / نقلا عن تفسير الميزان.

[50]  هدية العارفين / اسماعيل باشا البغدادي ت1339هـ ج2 ص433.

[51]  المصدر السابق ج2 ص223.

[52]  المصدر السابق ج1 ص642.

[53]  هدية العارفين / اسماعيل باشا البغدادي ت1339هـ ج2 ص291.

[54]  الذريعة / الشيخ آقا بزرگ الطهراني - ج6 ص50.

[55] هو في الحقيقة ليس تعطيلاً للعقول بل كشف عن امتناع ذاتي فيها عن ادراك حقائق الذات الإلهية المقدسة وكيفية نشاة الكون والمخلوقات. يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (فما ذكروه من "تعطيل العقول غير جائز" صحيح فيما للعقل قدرة الاستكشاف ، وأما ما لا يسعه العقل فكيف يستطيع كشفه؟). انظر: الرؤية الفلسفية ، ص58.

[56] الرؤية الفلسفية / الشيخ ماجد الكاظمي - ص57 ، بتصرف قليل.

[57] (كمسالة السنخية بين الخالق والمخلوق ، واتحاد العلم والارادة في اهلو تبارك وتعالى ، وقِدَم العالم ، والمعاد المثالي ، ومنشأية عالم الجنة للنفوس البشرية وقوامها بنفوسهم ، وتبديل العذاب بالعذب في النار و...) ، المصدر: خراسان ومدرسة المعارف الالهية / حوار مع آية الله السيد جعفر سيّدان - هامش صفحة 27.

[58] خراسان ومدرسة المعارف الالهية / حوار مع آية الله السيد جعفر سيّدان - ص(26-29).

[59] الفلسفة / الشيخ مرتضى مطهري - ص14 و15 و23و24.

[60] المصدر السابق ص23 و24.

[61] الخصال / الشيخ الصدوق (قده) - ص178.

[62] الامالي / الشيخ الطوسي (قدس سره) - ص449.

[63] اصول العقيدة / السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (مد ظله) ص45.

[64] المصدر السابق ص48.

[65] حق اليقين في معرفة اصول الدين / السيد عبد الله شبّر - ص572.

[66] ايضاح المقصود من وحدة الوجود / الشيخ عبد الغني النابلسي ص21.

 
 
 

عودة للصفحة الرئيسية