بسم الله الرحمن الرحيم

 

مَركزُ المَعارِفِ المُحَمَّديِّة 
لدراسات الاصالة الدينية
القَوْلُ منِّيْ فيْ جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فيما أسَرُّوْا ومَا أعْلَنُوْا فِيْمَا بَلَغَنِيْ عَنْهُمْ وَفِيْمَا لَمْ يَبْلُغْنِيْ
 

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

 

 

من الاخطاء العقائدية عند مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية
تبعاً لانتسابها الى تراث ابن عربي

نبيل الكرخي

"لا شك ان للعقل قيمة كبيرة فهو الوسيلة للمعرفة والركيزة الاساسية للمعارف الاسلامية والانسانية , وقد دأب المفكرون على التمسك به واللجوء الى مقرراته في معرفة الحق والصواب و الباطل والخطأ , وبه يعرف الصادق على الله تعالى فيصدقه , والكاذب على الله عز وجل فيكذّبه , فالعقل هو القوة المودعة عند الانسان ليميز بواسطتها بين الصواب والخطأ , وقد تكفلت المدارس العقلية بيان قوانين العقل في الفكر فكان علم المنطق هو الاساس العلمي والمرجعية الفكرية للباحثين عن الحقيقة , ثم اعطت المدارس الفلسفية لنفسها الصلاحية لتقدم منظومة معارفية بعنوان القوانين العقلية , ونعتقد ان تلك المنظومة الفلسفية بمدارسها وتوجهاتها المختلفة قد وقعت في المخالفات القطعية لما جاء به الاسلام كما خالفت العقل ايضاً. ولم تكتف تلك التوجهات البشرية بجعل نفسها قيَمة على التعقل الانساني الذي هو عامل مشترك بين البشر , واستقلالها بالنظر في تقرير قوانين العقل ونتائجه , بل حكمت على مخالفها بسوء الفهم وقلة التدبر ! ولئن مضت الفلسفة المشائية ببريقها فلقد اخذ البرق الخلب لمدرسة ملا صدرا بابصار الكثير من الباحثين في العصر الاخير , وقد عُرف في الاوساط العلمية دراسة كتب معينة ما زال معروفا منها المنظومة للسبزواري ، وبداية الحكمة ونهاية الحكمة للسيد الطباطبائي , فشكلت هذه الكتب روافد المعرفة الفلسفية في عصرنا الراهن"[1].

ولا شك كما اسلفنا في بحثنا هذا ان مدرسة ملا صدرا تنتمي الى تراث ابن عربي كما اعترف بذلك اساطين علمائها انفسهم ، وكان ابن عربي وتراثه الفكري يقف في وادٍ من وديان الضلال بعيداً عن شموخ هدى تعاليم آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ولذلك لا بد من تدقيق النتائج الفكرية التي توصلت لها مدرسة ملا صدرا (الحكمة المتعالية) التابعة لتراث ابن عربي  وتدقيق ما يتلائم منه مع فكر وتراث آل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم).

وربما يتسائل احدهم عن المبرِّرات التي تجعلنا نختلف مع مدرسة الحكمة المتعالية ، فهل إنًّ  مشكلتنا معهم هي مشكلة في صميم الجانب العقائدي ، ام هي مشكلة فكرية ترفيّة ؟!

فهل يا تُرى إنَّ مشكلتنا معهم هي لأحد الاسباب التالية:

ـ لأنهم يتبعون الفلسفة والتصوّف ، وقد ورد في الاحاديث الشريفة النهي عنهما.

ـ لأنهم يتبعون الفلسفة ونحن وجدنا ان طريقة الائمة الاطهار (عليهم السلام) بعيدة عن الفلسفة.

ـ لأنهم يتبعون التصوّف ونحن وجدنا ان طريقة الائمة الاطهار (عليهم السلام) بعيدة عن التصوّف.

ـ لأنهم يقسِّمون عقيدة التشيّع أي اصول الدين الى ثلاثة انواع ، فهناك عقيدة عامة ، وعقيدة خاصة ، وعقيدة خاصة الخاصة !!

ـ لأنهم يقسّمون المؤمنين طبقات وفقاً لأنتمائهم العقائدي، فهناك طبقة عقيدة عامة المؤمنين، وطبقة عقيدة خواص المؤمنين، وطبقة عقيدة خواص الخواص !!

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد ، وينسبون الله تعالى شأنه الى العجز وحاشاه ، من خلال تبنيهم المبدأ اليوناني: "الواحد لا يصدر عنه الا الواحد" !

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد وينسبون للخالق تعالى وجود شريك له في خلقه اطلقوا عليه اسم: "الحقيقة المحمدية" !

ـ لأنهم يمسّون جوهر التوحيد من خلال تبنيهم القول بقدم العالم ، فيكون العالم قديماً كما انه تعالى قديم !

ـ لأنهم تبنّوا القول بوحدة الوجود والموجود ! ومؤدى ذلك عندهم ظهور الله تعالى في الاصنام والاوثان والنار وغيرها ، أي تعدد المعبود !!

ـ لأنهم زعموا انهم يتمكنون من خلال الكشف من معرفة الله تعالى شأنه معرفة تفصيلية ، ومن ذلك تجرّأ ابن عربي فوضع مفهوم الاعيان الثابتة عند الله تعالى ! وهو اول من تحدث بذلك !!

ـ لأنهم تبنّوا قاعدة مزعومة تقول ان الله تعالى بسيط الحقيقة وهو كل الاشياء ! مما يعني مشروعية عبادة الاصنام والاوثان والنار وغيرها ، أي تعدد المعبود !!

ـ لأنهم قسّموا العلم الالهي الى علم ذاتي وعلم فعلي ، وهو من جهة يثير شبهة التشبيه ، ومن جهة اخرى يثير شبهة التغيُّر في علمه تعالى وحاشاه ! ومن جهة ثالثة يُخضِعون العلم الالهي بقولهم هذا الى علّة الزمن رغم أنَّه مخلوق ! أي يُخضِعون العلم الالهي الى علة مخلوقة !!

ـ لأنهم قسّموا العلم الالهي الى علم ذاتي وعلم فعلي ، وهو امر لم  يقل به الائمة الاطهار (عليهم السلام) فلو كان حقاً لأرشدونا اليه ، ام تراهم تركونا بعقيدة ناقصة احتاجت الى ابن عربي وتراثه ليكملها لنا !؟

ـ لأنهم يريدوننا أن نتشبه بالنصارى الذين يؤمنون بناسوت المسيح (عليه السلام)  ولاهوته ! وهؤلاء يؤمنون بناسوت النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته البشرية وعن لاهوته في "الحقيقة المحمدية" التي زعموا انها الصادر الاول وانها خلقت جميع الكائنات !!

ـ لأنهم قالوا بأن المعاد يكون بالجسم المثالي وليس بجسمنا الترابي هذا نفسه !

ـ لأنهم قالوا بأن عذاب الكفار والعُصاة في جهنم نستجير بالله سبحانه وتعالى منها -  ينقلب الى عذوبة !

ـ لأنهم قالوا بعدم خلود الكفار في جهنم.

وفي الحقيقة فإنَّ جميع هذه الاسباب منفردةً ومجتمعةً تجعلنا على خلاف مع مدرسة الحكمة المتعالية وعلى حذر من الانخداع بأفكارها والانجرار وراء عقائدها وأقوال علمائها.

 

معرفة الله سبحانه وتعالى:

في الكافي ان الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) كتب: (أنَّ الله أعلى وأجلّ وأعظم من أن يبلغ كُنهُ صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عما سواه). وقال ملا صدرا شارحاً هذا الحديث الشريف من منطلقات مدرسته الفلسفية: (اعلم ان لكل واحدة من صفات الله تعالى مفهوماً كلياً عاماً من شأنه أن يعقل ويتصور في الذهن ، ولها نحواً من الوجود لا يمكن أن يعقل ويتصوّر في ذهن من الاذهان ، ووزان كلَّ واحدة من صفاته الكمالية الايجابية كوزان وجوده ، وكما أن للوجود معنى مشتركاً بينه تعالى وبين الحوادث ، ولكن وجوده الخاصّ به لكونه في غاية الشدّة والبهاء ممّا لا يبلغ أحد كنهه ((ولا يحيطون به علماً)) فكذلك العلم معنى مشترك بين القديم والحادث ، وعلم الله موجود لذاته ، قديم لذاته ، ولكماليّة وجوده علم بجميع الاشياء ، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الارض ولا في السماء ، ولا يمكن تصوّر علمه لأحد ، وكذا قدرته متعلّقة بجميع المقدورات ، لشدّة وجودها وفرط كماليَّتها مع اشتراكها مع سائر القوى والقدر في المفهوم من معنى القدرة ، وكذلك في سائر الصفات الإلهيّة. فهكذا يجب عليك ان تعرف كون صفاته تعالى اجلَّ وأعظم من أن يبلغ أحد كنهها ، حتى لا تقع في التعطيل ولا في التشبيه ، فلمّا كان الامر في صفاته تعالى على هذا المنهاج ، من أنَّ الكلّ منها الحقيقة الإلهيّة والوجود الربَّاني ، من حيث لا كثرة أمر (عليه السلام) بالتوقيف الشرعّي ، والقصر فيها على ما ورد في الكتاب والسنّة والكفّ عمّا سواه)[2].

ولذلك قال العلامة الحلي (رض) : (المعقول من الله تعالى كونه قادراً فاعلاً عالماً ، ليس بجسم ، الى غير ذلك من الصفات السلبية والاضافية وهي امور مغايرة للذات اعتباراً ، أما حقيقته فهي غير مدركة بالعقل ، وكيف يتوصل عقل بشرٍ الى ادراك كنهه ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، مع ان العقل قاصر عن إدراك ما دونه ما لم يؤيَّد بآلة يتوصل بها إليه؟ فكيف يتحقق توسط آلة بينه وبين الله تعالى)[3].

ومن ذلك يتبين أنَّ "معرفة الله تعالى على نحوين :

 الاول : المعرفة الاجمالية .

 الثاني : المعرفة التفصيلية .

والنحو الاول ممكن في ما هو المهم من المعرفة , والنحو الثاني يجب الاقتصار فيه على مفاد النصوص الشريفة.

والسر في ذلك : أن كل ما يتصوره الانسان بعقله بل كل ما يناله وهمه وخياله هو صور لاشياء حادثة متغيرة متجزئة محدودة مضطرة , فلا يكون القديم الممتنع فيه التغير والتجزي والتحديد والاضطرار , لا يكون من مدركات العقل بنفسه ولوحده , فلا بد له من معرف يعرفه ربه الخالق الباريء القديم , ودون ذلك التعريف يتيه الانسان في ضلالات الاوهام ويعبد أي شيء سوى الله تعالى. وقد دلت النصوص الشريفة على ذلك فاستمع لما يوحى و لا تكن من المتكبرين[4]:           

1 الكافي: عن جميل بن دراج ، عن ابن الطيار ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم . محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج مثله .

 2 الكافي: عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : المعرفة من صنع من هي ؟ قال : من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع .

 3 الكافي: عن حمزة بن محمد الطيار ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل : " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه ، وقال : " فألهمها فجورها وتقويها " قال : بين لها ما تأتي وما تترك ، وقال : " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال : عرفناه ، إما آخذ وإما تارك ، وعن قوله : " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " قال : عرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون ؟ وفي رواية : بينا لهم .

 4 الكافي: عن حمزة بن محمد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عزوجل : "وهديناه النجدين" قال : نجد الخير والشر .

 5 الكافي: عن عبد الاعلى قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة ؟ قال : فقال : لا ، قلت : فهل كلفوا المعرفة ؟ قال : لا ، على الله البيان " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " " ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " قال : وسألته عن قوله : " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " قال : حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه.

 6 الكافي: عن درست بن أبي منصور ، عمن حدثه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع : المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة .

7 - مستدرك الوسائل: محمد بن مسعود العياشي في تفسيره: عن مسعدة بن صدقة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ( عليهما السلام ): إن رجلاً قال لامير المؤمنين عليه السلام : هل تصف ربنا نزداد له حباً وبه معرفة ؟ فغضب وخطب الناس ، فقال فيما قال: عليك يا عبدالله بما دلك عليه القرآن من صفته ، وتقدمك فيه الرسول من معرفته، فائتم به ، واستضي بنور هدايته ، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها ، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى الله ، ولا تقدر عظمة الله عليه قدر عقلك ، فتكون من الهالكين ، وأعلم يا عبدالله أن الراسخين في العلم ، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب ، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً

ونجد ان الفلسفة ـ بمشاربها المختلفة ـ لما جعلت العقل او الكشف معيارا في المعرفة أدت بها تلك السبل الى غير الحق وأمثلة ذلك كثيرة ومن واضحاتها اعتقادهم بان الارادة من صفات الذات ومنه الاعتقاد بوحدة الوجود والموجود وغيرها الكثير. "ومن هنا يتضح أن لا مجال للفلسفة للتوصل الى النتيجة المرجوة والغاية المدعاة لانها بمسائلها لا تصل والوصول الى معرفة الله تعالى منوط بتعريف الحجج صلوات الله عليهم , ودون تعريف منهم يظل الطريق مسدودا والمطلوب ممتنعا , فكيف تكون المعارف البشرية المنفصلة عن تعريف الحجج بل المباينة لبيانتهم صلوات الله عليهم هي المُعرِّفة بالله تعالى ؟!! "[5].  

ومع ذلك يزعم ملا صدرا تفصيله لعلم الله تعالى الى مراتب ويتحدث عن وجود الاشياء وجوداً عقلياً في علم الله تعالى ! متغافلاً عن ان علمه تعالى هو عين ذاته سبحانه ، فيقول وهو يشرح المروي عن الفضيل بن يسار عن الامام ابي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : (وسع كرسيه السموات والارض) قال الامام (عليه السلام): (يا فضيل كل شيء في الكرسي ، السموات والارض وكل شيء في الكرسي). قال ملا صدرا: (قوله: "السموات والارض وكل شيء" أي كل شيء غيرهما ، تفصيل لكل شيء الاول ، والقضية الثانية تأكيد للقضية الاولى ، وقد علمت سابقاً أنَّ كل شيء في علمه تعالى ، وان لعلمه مراتب: أولاها إجمالية لا إجمال فوقها ، وهي عين ذاتها ، وثانيتها مرتبة علمه القضائي العقلي ، وهو عبارة عن وجود الاشياء كلها وجوداً عقلياً في قلم الله ، وهو جوهر مقدَّس عقلي ، وهو باطن العرش ، وثالثتها مرتبة علمه القدري التفصيلي ، وهو عبارة عن وجود صور الاشياء كلها وجوداً صورياً نفسانياً في لوح الله ، وهو جوهر نفساني وجوداً على نحو القبول ، كما أنَّ وجودها في القلم كان على نحو الفعل ، وهو باطن الكرسي ، فظهر أنَّ كل شيء في الكرسي ، كما أنَّ كل شيء في العرش ، إلا أنَّ كونها هناك على نحو الاجمال والافاضة ، وها هنا على وجه التفصيل والاستفاضة ، ولهذا عبّر عنه بالسعة)[6]! فأين ملا صدرا من الالتزام بأوامر ونواهي الائمة الاطهار (عليهم السلام) ؟! ثم ألم يسبق لمدرسة الحكمة المتعالية أن قالت (إن الانسان يرتبط بالله تعالى من بواسطة اسماء الله التكوينية ، لا من طريق الذات الالهية ، لأن ذاته تعالى لا متناهية ، فلا يمكن معرفتها والاطلاع عليها ، لعدم إمكان إحاطة المتناهي باللامتناهي)[7]. فكيف اذن تحدث عن وجود ثلاثة مراتب لعلمه تعالى ، وهو علم لا محدود كما هي ذاته المقدسة !

قال الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي: (يمكن أن يتصور نوعان لمعرفة الله: المعرفة الحضورية ، والاخر: المعرفة الحصولية. والمعرفة الحضورية تعني: أن يتعرف الانسان على الله من طريق نوع من الشهود الباطني والقلبي من دون توسّط المفاهيم الذهنيّة. ومن البديهي أنّ من يملك هذا الشهود الشعوري (النابه أو الواعي) بالنسبة لله تعالى كما يدّعيه كبار العرفاء لا يحتاج معه الى الاستدلال والبرهان العقلي ولكن وكما ذكرنا سابقاً ان مثل هذا العلم الحضوري والشهودي غير ممكن للفرد العادي. وقبل ان يقوم بمهمة تربية نفسه وبنائها واجتياز مراحل السير والسلوك العرفانيّة ، واما المراتب الضعيفة لهذه المعرفة وإن وجدت عند الافراد العادييّن أيضاً. ولكن بما أنها غير شعورية وواعية ، ولذلك لا تكفي لوحدها في التوصل إلى رؤية كونيّة شعوريّة وواعية)[8]. وقال أيضاً: (من الطبيعي أننا لا يمكن أن ننكر وجود بعض الافراد المتميزين ، الاستثنائيين ، الذين يملكون مثل هذا الشهود الشعوري ، (النابه والواعي) وكما نعترض نحن في حق الانبياء والائمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) بأنهم كانوا يتميزون بنوع من الشهود منذ طفولتهم ، بل أن بعضهم كان يمتلك مثل هذا الشهود وهو جنين)[9].

إنَّ ادعاء ملا صدرا وجود شهود شعوري عند المعصومين (عليهم السلام) هواولا. ادعاء بلا دليل. وثانياً هو يتعارض مع ما ورد في الاحاديث الشريفة التي استعرضنا بعضها والتي تنص على ان الانسان لا يمكن ان يعرف ربه الا بما يعرفه الله سبحانه وتعالى. وثالثاً هذا الادعاء قد يرتقي الى مستوى الكذب على المعصومين (عليهم السلام) حيث ينسب اليهم ما لم يصرّحوا به وما لم يدًعوه.

ويعترف ابن سينا احد كبار اساطين المدرسة الفلسفية المشّائيّة بأن ادراك حقائق الاشياء المادية وغيرها ليس في قدرة الذهن البشري ، فيكون من باب اولى عدم قدرة الذهن البشري على الاطلاع على حقيقة الذات الالهية المقدسة ، فيقول: "ان الوقوف على حقائق الاشياء ليس في قدرة البشر ونحن لا نعرف من الاشياء الا الخواص واللوازم ولا نعرف الفصول المقوّمة لكل واحد منها الداخلة على حقيقته " الخ[10].

ويقول الشيخ محمد رضا المظفر احد علماء مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية: "الا ان المعروف عند العلماء ان الاطلاع على حقائق الاشيا وفصولها من الامور المستحيلة او المتعذّرة وكل ما يذكر من الفصول فإنما هي خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقية. فالتعاريف الموجودة بين ايدينا اكثرها او كلها رسوم تشبه الحدود"[11].

بينما يعمَد سيد كمال الحيدري الى نقض كلام الشيخ المظفر بتوجيهه الى ان عدم الامكانية المذكورة انما متعلقة بالعلم الحصولي لا بالعلم الشهودي المزعوم ! فيقول: (إلا أن المعروف عند العلماء يعني الفلاسفة: أن الاطلاع على حقائق الاشياء وفصولها من الامور المستحيلة او المتعذرة. وفيه اشارة الى ما ذكرناه من أن مَن يجيب بالحدّ التام ليسوا هم علماء الطبيعة أو الرياضيات ... بل الفيلسوف هو الذي يجيب ، ولكن الاطلاع على حقائق الاشياء وفصولها من الامور المتعذّر كسبها بالعلم الحصولي ، وكل ما يُذكر من الفصول فإنما هي خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقية أي: إنها تكشف عن وجود الفصول الحقيقية ، وإلا فإن كانت تكشف عن حقائقها فلماذا نطوّل الطريق ويكون الامر من قبيل الاكل من القفا ، فإنّ النطق بمعنى التكلّم أو بمعنى إدراك الكلّيات يكشف عن وجود فصلٍ يؤدي آثار الكلام أو آثار إدراك الكلّيات ، كما إذا نظرنا الى النار فإنّا نجد آثارها وهي الحرارة والضوء ، وهذه الآثار ليست هي النار ، بل تكشف عن وجود النار ، وهكذا الماء حين نسأل عن حقيقته ، فإن علم الكيمياء يحلّله الى عناصره وأجزائه ، لكنّا لا نريد معرفة طبيعته الماديّة وهي بيان عنصريه الاوكسجين والهيدروجين لأن هذين العنصرين لا ندري هل هما من الجواهر حتى تكون حقيقة الماء عقلاً أو جسماً أو نفساً ، أم من الاعراض حتى تكون من الكمّ والكيف والمتى والأين ... ، بل نريد معرفة حقيقته الماهويّة ، وهي التي تكشف عنها آثار الماء ومنها رفع العطش. إذن حقيقة المؤثر مجهولة ولا يمكن التعرّف عليها بالعلم الحصولي. فالتعاريف الموجودة بين أيدينا في المنطق والفلسفة أكثرها أو كلها رسوم تشبه الحدود وليست حدوداً حقيقية تامةً أو ناقصة)[12].

كما إنَّ ملا صدرا يعترض على كلام ابن سينا فيقول: (تأويل كلامه ما أومأنا اليه وأقمنا البرهان عليه في مباحث الوجود من أن افراد الوجود لا برهان عليها إلا على ضرب من الحيلة برهاناً شبيها باللم حيث ذكرنا ان حقيقة كل موجود لا تعرف بخصوصها إلا بالمشاهدة الحضورية وفصول الاشياء عندنا عين صورها الخارجية فحق انها لا تعرف الا بمفهومات وعنوانات صادقة عليها وتلك المفهومات وان كانت داخلة في المفهوم المركب المسمى بالحد المشتمل على ما يسمى جنسا وما يسمى فصلاً الا انها خارجة من نحو الوجود الصوري الذي به يكون الشيء حقيقة أو ذا حقيقة والشيخ ذكر في بعض مواضع الشفاء ما معناه ان فصل الحيوان ليس مفهوم الحساس بل جوهر نفسه التي بها تمام ذاته وهويته وحقيقته وكذا فصول سائر الانواع والاجناس والاول يسمى فصلا منطقياً والثاني فصلاً اشتقاقياً لأنه غير محمول على النوع المركب والمحمول عليه هو المفهوم المأخوذ منه وذلك بالحقيقة لازم من لوازمه ومن هذا الموضع يعلم أن للوجود اعياناً خارجية وليس عبارة عن مفهوم عقلي انتزاعي إضافي يتكثر بتكثر ما أضيف اليه كما زعمه المتأخرون وهذا الكلام من الشيخ كالنص على ما ادعيناه)[13].

وكلام ملا صدرا هذا يستفاد منه نقضه لكلام ابن سينا بتاويله حسب رؤيته الفلسفية القائمة على امكانية الاطلاع على كنه الذات الالهية !

ويقول ملا صدرا ايضاً: "ولهذا ورد النهي عن التفكر في ذات الله كقوله: (تفكرّوا في آلاء الله ولا تتفكرّوا في ذات الله) ، ولأنه تحترق النفس في إدراك اشعّة نور وجهه فكيف في نور وجهه ؟ فلا يمكن الوصول الى معرفة ذاته إلا بفناء السالك عن نفسه وباندكاك جبل إنّيته حتى شهد ذاته تعالى على ذاته. كما قال بعض العارفين : (عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي)"[14].

ويذهب السيد محمد حسين الطباطبائي نفس مذهب ملا صدرا في امكانية رؤية الله تعالى شأنه حيث يقول في تفسيره الميزان في أواخر تفسيره لسورة النجم المباركة: (وفي النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين ، والنهي إرشادي متعلّق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة فيكون خوضه فيها تعرضاً للهلاك)[15]. مما يعني انه لا يعارض التفكر بذات الله جلَّ شأنه لمن يمتلك رؤيته الفلسفية !!

 

التوحيد عند العرفاء الغنوصيين:

قال سيد حيدر الآملي: (فعند الشيخ الكامل المكمّل محي الدين العربي قدّس الله روحه ، التوحيد ينقسم الى قسمين ، كما ذكره في "التدبيرات الإلهية" بقوله: "فإنّ التوحيد توحيدان: توحيد الاحدية وتوحيد الفردانية. فتوحيد الاحدية توحيد العصاة من الامة الاسلامة ، وهو توحيد صحيح مركّب على اصل فاسد. وتوحيد الفردانية هو توحيد الانبياء والاولياء (عليهم السلام) والعارفين من الامة الاسلامية ، وهو توحيد صحيح مركّب على أصل صحيح")[16].

وقال الاملي ان التوحيد عند "الشيخ العارف المحقق أبي عبد الله الانصاري الهروي": (ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد العامّة ، وتوحيد الخاصة ، وتوحيد خاصة الخاصة ، كما ذكره في "منازل السائرين" بقوله "التوحيد على ثلاثة وجوه: الاول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد ، والثاني توحيد الخاصة وهو الذي ثبت بالحقائق ، والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة")[17].

واما عند "الشيخ العارف عز الدين الكاشي": (التوحيد أيضاً ينقسم الى ثلاثة أقسام: علمي وعيني وحقّي ، كما ذكره في "شرحه للقصيدة التائية" بقوله: "وللتوحيد مراتب ثلاثة: علم وعين وحق ، كما لليقين علمه (وهو) ما ظهر بالبرهان وعينه (وهو) ما ثبت بالوجدان وحقّه (وهو) ما اختص بالرحمن")[18].

والتوحيد عند "المولى الاعظم صدر الحق والملّة والدين القونوي" كما يعبر الآملي عنه ، ينقسم الى ثلاثة أقسام: توحيد الافعال ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الذات[19].

والتوحيد عند "الامام العالم محمد بن محمد الغزالي" كما يصفه الآملي ، يقسم ، كما في كتابه "إحياء علوم الدين" ، الى اربعة اقسام: "قشر" وهو ايمان المنافقين ، و"قشر القشر" وهو ايمان عموم المسلمين ، و"لب" وهو ان يشاهد ذلك بطريق الكشف وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن مع كثرتها هي صادرة عن الواحد القهار ، و"لب اللب"[20] وهو ان لا يرى في الوجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصديقين ويسميه الصوفية "الفناء في التوحيد" حتى لا يرى نفسه لكون باطنه مستغرقاً بالواحد القهار[21].

والتوحيد عند "الامام الفاضل والشيخ الكامل كمال الدين ميثم البحراني" بحسب الآملي يقسم الى خمسة أقسام: اولاها وادناها أن يعرف العبد للعالم صانعاً ، والمرتبة الثانية أن يصدّق بوجوده ، والثالثة أن يترقى بجذب العناية الإلهية الى توحيده وتنزيهه عن الشركاء ، والرابعة هي مرتبة الاخلاص له ، والخامسة نفي الصفات - التي تعتبرها الاذهان له عنه وهذه المرتبة هي غاية العرفان ومنتهى قوّة الانسان[22].

واما سيد حيدر الآملي فيرى ان التوحيد نوعين: توحيد الانبياء وتوحيد الاولياء ! فالاول توحيد الانبياء هو التوحيد الظاهر وهو دعوة العباد الى عبادة إله مطلق من عبادة آلهة مقيّدة أو إلى اثبات اله واحد ونفي آلهة كثيرة ، وهو التوحيد الموسوم بالألوهي. والثاني توحيد الاولياء وهو التوحيد الباطن ، وهو دعوة العباد الى مشاهدة وجود واحد ، ونفي وجودات كثيرة ، وهذا هو الموسوم بالتوحيد الوجودي ، وليس غير هذين التوحيدين توحيد ثالث اصلاً. والاملي يرى ان ظهور جميع الانبياء من آدم (عليه السلام) الى محمد (صلى الله عليه وآله) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الالوهي الذي هو الدعوة الى الاله المطلق من الالهة المقيدة والخلاص من الشرك الجلي الذي هو بإزائه. واما ظهور جميع الاولياء من آدم الى المهدي صاحب الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) ما كان الا لدعوة الخلق الى التوحيد الوجودي الذي هو الدعوة الى الوجود المطلق من الوجود المقيّد والخلاص من الشرك الخفي الذي هو بإزائه. ويؤكد سيد حيدر الاملي عقيدته التوحيدية الفريدة التي لم يعرفها التشيّع في يومٍ من الايام قبله فيقول: (فكل من توجّه الى الاله المطلق من المقيّد وعدل عن عبادة المخلوق الى عبادة الخالق ونطق بكلمة التوحيد الظاهر التي هي "لا إله إلا الله" خلص من الشرك الجليّ وصار من المسلمين مؤمناً موحداً بالتوحيد الألوهي طاهراً في الظاهر والباطن وغن لم يكن كذلك يكن مشركاً نجساً في الظاهر والباطن. وكل من توجّه الى الوجود المطلق من المقيّد وعدل من مشاهدة المخلوق الى مشاهدة الخالق ، ونطق بكلمة التوحيد الباطن التي هي "ليس في الوجود سوى الله" ، خلص من الشرك الخفي وصار عند المحققين عارفاً بالتوحيد الوجودي طاهراً في الظاهر والباطن ، وإن لم يكن كذلك يكن مشركاً ملحداً نجساً في الباطن بخلاف الظاهر عند البعض ، لأن عند الكثرين من ارباب التوحيد ، هو أيضاً نجس في الظاهر والباطن. وهذا أصل كبير وتقسيم شريف حسن ، فافهم ! فإنّه دقيق لطيف)[23].

 

ادعاء السنخية بين الخالق والمخلوق:

الله سبحانه وتعالى ليس علّة وجود العالم ولا هو افاضه بل هو خالقه وموجده من العدم. إذ ان قولهم انه علّة للعالم معناها ان هناك سنخية بين الخالق والمخلوق وهذا باطل قطعاً.

قال السيد محمد حسين الطباطبائي في نهاية الحكمة: " ثم إن المتحصل مما تقدم من المباحث وما سيأتي أن هذا العالم المادي معلول لعالم نوري مجرد عن المادة متقدس عن القوة وأن بين العلة والمعلول سنخية وجودية بها يحكى المعلول بما له من الكمال الوجودي بحسب مرتبته الكمال الوجودي المتحقق في العلة بنحو أعلى وأشرف والحكم جار إن كان هناك علل عقلية مجردة بعضها فوق بعض حتى ينتهي إلى الواجب لذاته جل ذكره. ويستنتج من ذلك أن فوق هذا النظام الجاري في العالم المشهود نظاما عقليا نوريا مسانخا له هو مبدأ هذا النظام وينتهي إلى نظام رباني في علمه تعالى هو مبدأ الكل وهذا أيضا أصل. ومن الضروري أيضا أن علة علة الشي‏ء علة لذلك الشي‏ء وأن معلول معلول الشي‏ء معلول لذلك الشي‏ء وإذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى فكل موجود كيفما فرض فهو أثره وليس في العين إلا وجود جواهر وآثارها والنسب والروابط التي بينها ولا مستقل في وجوده إلا الواجب بالذات ولا مفيض للوجود إلا هو. فقد تبين بما تقدم أن الواجب تعالى هو المجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة والمدبر بهذا التدبير العام المظل على أجزاء العالم وكذا النظامات العقلية النورية التي فوق هذا النظام وبحذائه على ما يليق بحال كل منها حسب ما له من مرتبة الوجود فالواجب لذاته رب للعالم مدبر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد وليس للعلل المتوسطة إلا أنها مسخرة للتوسط من غير استقلال وهو المطلوب فمن المحال أن يكون في العالم رب غيره لا واحد ولا كثير. على أنه لو فرض كثرة الأرباب المدبرين لأمر العالم كما يقول به الوثنية أدى ذلك إلى المحال من جهة أخرى وهي فساد النظام بيان ذلك أن الكثرة لا تتحقق إلا بالآحاد ولا آحاد إلا مع تميز البعض من البعض ولا يتم تميز إلا باشتمال كل واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفرضا الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر ويتمايزان كل ذلك بالضرورة والسنخية بين الفاعل وفعله تقضي بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين فلو كان هناك أرباب متفرقون سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكل جهة من جهات النظام العالمي العام رب مستقل في ربوبيته كرب السماء والأرض ورب الإنسان وغير ذلك أدى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه ووحدة النظام والتلازم المستمر بين أجزائه تدفعه. فإن قيل إحكام النظام وإتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أن التدبير الجاري تدبير عن علم والأصول الحكمية القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجردة عالمة يؤيد ذلك فهب أن الأرباب المفروضين متكثرة الذوات ومتغايرتها ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها لكن من الجائز أن يتواطئوا على التسالم وهم عقلاء ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظا على بقائه. قلت لا ريب أن العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علمية وقوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك الصور العلمية والقوانين الكلية وهي تابعة له ثم هذا النظام الخارجي بوجوده الخارجي فعل أولئك الأرباب المفروضين ومن المستحيل أن يتأثر الفاعل في فعله عن الصور العلمية المنتزعة عن فعله المتأخرة عن الفعل"[24].

ونقضاً لمباديء الحكمة المتعالية يقول المحقق البهبهاني (رض) توفي 1205هـ: (وتوهّم انه تعالى علّة لوجود العالم ، وهو معلول عنه ، ومن شرائط العلّة تحقق السنخية بينهما كسنخية الشيء والفيء وَهمٌ واضح. فإنه تعالى شأنه موجد الاشياء وفاعلها بمشيئته ولا تلزم السنخية بين الفاعل المختار وافعاله. وغنما تجب السنخية بين العلل المضطرّة ومعلولاتها كالنار وإحراقها مثلاً)[25].

"ان الادعاء ان الوجود لا يصدر منه الا الوجود اصله من اعتقاد السنخيّة بين العلّة والمعلول باعتبار ان حقيقة الوجود واحدة فإذا قيل ان الله سبحانه يساوي الوجود ولا يصدر منه الا الوجود فقد حافظوا بذلك على التناسب والتسانخ بين العلّة والمعلول ، ويلزم من ذلك ان يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالى عن ذلك علواً كبيراً فجسمانية هذا العالم وائتلاف بعضه بالبعض كما في اشتمال جسم الانسان على الروح وتخالف بعضه مع البعض الآخر كما في الذكورة والانوثة وماديته وتلوّنه بألوان مختلفة وما الى ذلك من اختلافات وتنوعات يلزم ان يكون كل ذلك في ذاته عزَّ وجلَّ حتى نحافظ على السنخيّة بينه جلَّ وعلا وبينها فيلزم ان يكون جلَّ وعلا جسماً ماديّاّ مشتملاً على روح وروحه غير بدنه والى آخره بل ويلزم ان يكون محدوداً لأنها محدودة ! فإن قيل نعم كل ذلك موجود في ذاته جلَّ وعلا إلا أنه من نوع عالم الالوهية وبنحو اتمّ وارقى. ولكن هذا ما لا دليل عليه ، فكيف يكون المجرّد على تجرّده "بمعنى أنه غير محدود ولا يتطرق اليه التحديد وفوق المادة" عين الوجود المادي وهو محدود ؟! وهل هذا الا الجمع بين النقيضين !! والحاصل: اما ان نحافظ على تجرّد المجرّد وعدم محدوديته فهو جلّ وعلا اذاً غير الماديات فلا سنخيّة اذاً بينها وبينه جلّ وعلا واما ان نقول انه تعالى عينها ونحافظ على هذه القاعدة وهو خلاف البرهان العقلي القاطع الآتي من كونه جلَّ وعلا لا يتطرق إليه الحد ولا يشتمل على صفات المخلوقات)[26].

ويقول الشيخ غلام رضا الفياضي[27] وهو من مدرسة الحكمة المتعالية: (من المسائل القطعية في الفلسفة قاعدة السنخية بين العلة والمعلول، لكن الذين لا معرفة لهم بالفلسفة يعتقدون أن السنخية تعني المشابهة، ثم يستنتجون أن المشابهة تتعارض مع الآية الشريفة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وأن الفلسفة تتعارض مع العرفان. إذاً يجب أن لا تدخل الفلسفة إلى الحوزات العلمية. وكل هذا ناشىء من عدم الفهم الصحيح للسنخية. لكنه عندما يفسر السنخية، بمعنى ضرورة وجود خصوصية (مناسبة) في العلة، وبسببها نشأ منه  ذلك المعلول الخاص، وهذا هو معنى السنخية، وليس نفس معنى المشابهة. وبناء على ذلك المعنى الذي يذكره الفلاسفة، ولأن في أغلب الكتب الفلسفية فصلاً تحت عنوان: إن الله تعالى لا يشاركه شيء في أي معنى من المعاني، فإن هذا هو معنى الآية الشريفة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، لكنه يطرحه بلغة فلسفية، وببيان عقلي واستدلالي، ولا يطرحه مثل الآية القرآنية، ويقول: إنّه تعبد؛ لأنه حينها لم يتوصل إلى اعتبار القرآن كلاماً إلهياً؛ لأن سؤاله الأساسي هو عن وجود الله تعالى، ونريد أن نعرف الله بإحدى صفاته السلبية، وهي ليس كمثله شيء، فلابد أن نثبت محتوى الآية ببيان عقلي)[28].

وكتب السيد علي حسن مطر: (لا شك في أن أي معلول لا يمكن أن يصدر من أية علة ، وحتى الظواهر المتعاقبة أو المتقارنة لا يمكن ان توجد بينها دائماً علاقة العلّية ، وإنما العلّية علاقة خاصة بين موجودات معيّنة ، وبعبارة أخرى: لابد أن تكون بين العلّة والمعلول مناسبة خاصة يعبّر عنها (السنخية بين العلّة والمعلول). ولكن هذه السنخية في العلل المانحة للوجود تختلف عنها في العلل المادّية والاعدادية إذ يمكن في المورد الاول إثبات هذه السنخية بالبرهان العقلي ، دون المورد الثاني. وبيان ذلك: أنَّ العلّة المانحة للوجود تُفيضُ وجود المعلول ، فلا بد أن يكون لها الوجود  لكي تمنحه للمعلول ، وبملاحظة أن إعطاءها الوجود للمعلول لا يُنقص منها شيئاً ، يتضح ثبوت الوجود لها بصورة أكمل ، حيث يعتبر وجود المعلول شعاعاً منه وظِلاً له ، إذن السنخية بين العلّة المانحة للوجود ومعلولها تعني: أنَّ للعلّة كمال المعلول بصورة أكمل ، ويتضح هذا الموضوع اكثر بالالتفات الى كون المعلول رابطاً بالنسبة الى علّته المفيضة لوجوده ، والى وجود التشكيك الخاص بينهما. إلا أنه لا وجود لمثل هذه السنخية بين العلل المادية والاعدادية وبين معلولاتها لأنها ليست مفيضة للوجود وإنما ينحصر تأثيرها في إحداث تغييرات في وجود المعلولات ولكن بملاحظة أنَّه لا يصدر كل تغيير من كل شيء ، نعلم إجمالاً بضرورة وجود السنخية بينها أيضاً ، إلا أنه لا يمكن إثبات هذه السنخية بالبرهان العقلي ، بل بواسطة التجربة)[29].

نعم يريدنا الله سبحانه ان نعرفه بصفته السلبية في قوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) وهو يطابق الرواية عن الامام الباقر (عليه السلام) انه قال: (فما وقع وهمُك عليه من شيءٍ فهو خلافه ، لا يُشبهُه شيء ولا تدركه الاوهام ، كيف تدركه الاوهام وهو خلاف ما يُعقل ، وخلاف ما يُتصوّر في الاوهام. إنما يُتوهّم شيء غير معقول ولا محدود)[30]. واما قضية فَهْم السنخية بأنها تعني وجود خصوصية مناسبة في العلّة (الخالق جلَّ شأنه) وبسببها نشأ منه ذلك المعلول (الكون) ، فهو من جانب منه تشبيه حقيقي وليس فقط تشبيه لفظي كالسميع والبصير ، بل هو حقيقي لأنه يؤدي حسب دعواهم الى وجود خصوصية في الخالق تعالى انتجت المخلوقات جميعها !! ومن جانب آخر فإن السنخية اذا فسرناها بأنها خصوصية بين العلة والمعلول فهي بذلك تكون شيء من الاشياء ، والله تعالى ليس كمثله شيء. اما انه يريد تفسير الآية الكريمة بمنطوق فلسفي فهو لا يجوز لأنه من باب تفسير القرآن بالرأي ، ولا فرق بين أن يكون تفسير الرأي مرفوضاً اذا كان رأياً شخصياً أو فلسفياً ، فالقرآن الكريم لا يفسر بالآراء الفلسفية لسبب بسيط هو ان الفلسفة ليست قانوناً واحداً بل يصح ان نقول ان هناك فلسفات عديدة مبنية على اساليب تفكير الفلاسفة الناتجة من مسبوقاتهم الفكرية وبيئتهم وموروثهم ، ولذلك اختلف الفلاسفة في الفلسفة وإنما منشا اختلافهم هو أنها تنتمي لآراء بشرية ، فلا يصح تفسير القرآن الكريم بتلك الاراء الفلسفية. قال تعالى في سورة الانعام: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)).

 

معنى الماهية والوجود:

الماهية هي ما به الشيء هو هو[31] ، او ما يقال في جواب ما هو[32]. "والمراد من الماهية مصداقها اعني المفاهيم التي هي ماهيات كالانسان والشجر والكتاب. والتباين بين المفاهيم من الواضحات فمفهوم الانسان يغاير مفهوم الوجود، كما ان مفهوم الانسان يباين مفهوم الكتاب"[33].

أما الوجود فهناك عدّة شروحات لمفهوم الوجود منها:

ـ الوجود هو الثابت العين. واعترض العلامة الحلي (رض) على هذا التعريف وقال: (إنَّ الثابت مرادف للموجود)[34]. في معرض تمييزه بين الوجود والموجود. واعترض العلامة الحلي (رض) على هذا التعريف وقال: (ولفظة "الذي" انما يشار بها الى متحقق ثابت ، فيؤخذ الوجود في حد نفسه)[35]. ومعنى ذلك انه اذا كان الوجود هو كل متحقق ثابت ، وكل متحقق ثابت له وجود فتدور المسألة ! كما انه لا يمكن ان يكون الوجود حد نفسه حيث أنَّ الماهية هي حد الوجود.

ـ الوجود هو الذي يمكن ان يُخبر عنه.

ـ لا شيء أعرف من الوجود إذ لا معنى أعمّ منه[36]. فهو المعنى البديهي المرتكز في الاذهان[37]. والبداهة تعني الحصول في الذهن دون توسط الفكر[38].

والمشهور بين الفلاسفة المشائيين والمتكلمين هو كون الوجود غير قابل للشدّة والضعف إلا أن الاشراقيين قالوا به وتابعهم ملا صدرا في ذلك ، على خلاف قول المشائيين والمتكلمين. وقد ابطل المحقق الطوسي (ره) في تجريده وتقرير العلامة الحلي (ره) له وبالاستدلال ، القول بجواز الشدّة والضعف في الوجود فراجع. ويرد القول بأن للوجود مراتب متعددة وأنه حقيقة مشككة إن هذه المراتب إما عين الوجود الحقيقي أم غيره. والاول يستلزم وحدة الوجود الحقيقية وبه صرّح ملا صدرا ونتيجته أن لا فرق بين الممكنات والواجب ، وإن الكل هو وجود واحد وأنه لا علّة ولا معلول ، وليس في دار الوجود ديار غيره على حد تعبير ملا صدرا ، وان الشرك عبارة عن الاعتقاد بوجود غيره تعالى كما صرّح بذلك بقوله: "وويل للثنويين". واما الثاني فيلزم منه تعدد الحقائق وهو عين القول بالماهيات. فإن قلت: إن للوجود مراتب متعددة على سبيل التشكيك مع حفظ وحدته. قلنا إنه ادعاء بلا دليل ، وقول بلا برهان. وبعبارة أخرى: إن هذه المراتب إما أن تكون شيئاً واحداً أو اشياء متعددة ، فإن كانت شيئاً واحداً فيلزم ما ذكرنا من محذور ، وإن كانت اشياء متعددة فيلزم تعدد الوجود ، لأنه لا محالة من تقوّم الشديد بشدته والضعيف بضعفه ، فيمتاز كل منهما عن الآخر. وذلك عين القول باصالة الماهية ، ولم يكن هناك شيء واحد ، بل اشياء متفاوتة ، وحقائق متعددة ، والقول بتعدد المراتب ، بلا أن يقوّم الشديد مرتبته ولا الضعيف مرتبته ، فهو نفي لتعدد المراتب وتناقض بالكلام وادّعاء بلا دليل ولا برهان ، وبذلك يظهر بطلان كون الوجود حقيقة واحدة مشككة. ولو كان كذلك "يعني له مراتب" والمفروض أن مراتبه حقيقية لا وهمية ، فكيف يدّعي ملا صدرا كونه حقيقة واحدة وإنَّ كثرته وهمية؟ وإذا كانت كثرته وهمية فلا يمكن أن يجعل الوهم حقيقة. واما أن يقال: بحقيقة المراتب ، فيخرج عن كونه واحداً ويصبح الوجود عبارة عن حقائق متعددة. أضف الى ذلك: فقد ذكر السيد الطباطبائي في بحث معاني الإمكان: "إن الفرق بين الإمكان الذاتي والإستعدادي ان الاول لا يقبل الشدّة والضعف على العكس من الثاني ، لأنه صفة وجودية". أقول: والامر لا ينحصر في الإمكان الذاتي بل في كل المعقولات الفلسفية الثانية "ومنها الوجود" التي عروضها في الذهن واتصافها في الخارج ، فهي اعتبار تحليلي لا تقبل الشدّة والضعف)[39].

 

الاصالة للوجود ام للماهية؟

وقد دار خلاف كبير بين الفلاسفة حول الاصالة هل هي للماهية ام للوجود !

"ومعنى اصالة احدهما  هو أحد معنيين:

الاول ان يكون بمعنى ما يملأ الواقع الخارجي.

والثاني ان يكون بمعنى ذو الآثار.

وهذان المعنيان للاصالة مرتبطان لان المصداق الخارجي هو منشأ الاثر"[40].

وقال السيد محمد حسين الطباطبائي: (فذهب المشاؤون إلى أصالة الوجود ، ونسب إلى الإشراقيين القول بأصالة الماهية. وأما القول بأصالتهما معا ، فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كل شئ شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة)[41]، وقوله ان القول باصالتهما معا لم يذهب اليه احد منهم هو تعريض بالشيخ احمد الاحسائي بانه ليس من الفلاسفة[42] ! حيث انه كان يذهب الى اصالتهما معاً[43] ! ومن المعلوم ان للشيخ احمد الاحسائي ردود عديدة على ملا صدرا فنّد فيها العديد من افكاره ومبادئه الفلسفية. والى جانب الشيخ احمد الاحسائي فقد ذهب آخرون الى القول باصالتهما معاً أي الوجود والماهية ، منهم الشيخ غلام رضا فياضي في تعليقته على نهاية الحكمة[44]، والشيخ حيدر الوكيل في تعليقته على بداية الحكمة[45]. وفي معرض تعليقه على كلام السيد الطباطبائي من أن احداً من الحكماء لم يقل بأصالتهما معاً قال الشيخ حيدر الوكيل: "وأما ان الحكماء لم يذهب منهم احد لذلك ففيه ان المسائل العقلية يُرجع فيها الى البرهان لا الى اقوال الرجال"[46].

وذهب المحقق الدواني الى اصالة الوجود في الواجب تعالى وأصالة الماهية في الممكنات[47]. وكان الفيلسوف المير داماد (توفي 1041هـ) يذهب الى اصالة الماهية وهو استاذ ملا صدرا وهو قوله ايضاً قبل ان يتحول عنه الى اصالة الوجود ، واكثر الفلاسفة الذين جاؤوا بعد ملا صدرا قالوا بأصالة الوجود إلا تلميذه عبد الرزاق اللاهيجي (توفي 1071هـ) ومحمد صالح المازندراني المعروف بالعلامة السمناني (توفي 1391هـ) وغيرهما ، أمّا ابن سينا وتلميذه بهمنيار والشيخ نصير الدين الطوسي فلم يترددوا بالقول بأصالة الوجود[48].

ويقول الشيخ ماجد الكاظمي: "ولنرجع الى اصل الدليل الدال على اصالة الوجود واعتبارية الماهية وبالعكس. فنقول: من الواضح انه لا يوجد لدى الطرفين دليل برهاني يثبت المطلوب ، بل كل منهما يدّعي الوجدان والبداهة ويقيم الشواهد المتعددة بما يبرز فيه الامر البديهي والوجداني ، وكل الادلة المذكورة لاصالة الوجود ادلّة الزامية او مصادرة على المطلوب ... مضافاً الى وجود اعترافات متعددة من قبل القائلين باصالة الوجود حيث قالوا: ان العقل يثبت اصالة الماهية ولكن بالذوق العرفاني نفهم ونُثبت اصالة الوجود. فراجع عبارة ملا هادي السبزواري في حاشيته على شرح المنظومة حيث يقول: "فصحة سلب الوجود عن الكلي الطبيعي ضعيفة ، وثبوت الوجود له كاد أن يكون بالحقيقة. فالكلي الطبيعي موجود بحكم العقل الفكري ، وهذه حقيقة عقلية مجاز عرفاني. وبهذا يمكن التوفيق بين قولي المثبت والنافي ، فإن الطبيعي موجود بواسطة في العروض ، وغير موجود لصحة سلب الوجود ، وإن كانت هذه الصحّة أخفى واحتاجت الى زيادة تدقيق وإعانة مذاق رشيق". فهبارته تضمّنت أن هنالك جانب عقلي وجانب عرفاني ، والفرق بينهما "حسب مقتضى العبارة" إنه يمكن ان يصل العقل الى نتيجة من النتائج لكن النفس بإشراقها يمكن أن ترى خلاف ذلك. كما حصل لهم في اصالة الوجود فالذوق العرفاني واشراق الروح حكم باصالة الوجود والعقل حكم بأصالة الماهية"[49].

وقد ذكر سيد كمال الحيدري ان سيد محمد باقر الصدر (رض): (انتهى في تطور فكره الفلسفي إلى الاعتقاد بأن الاختلاف المطروح بين القائلين بأصالة الماهية والقائلين بأصالة الوجود لا يعدوا أن يكون اختلافاً لفظياً ليس اختلاف معنوي حقيقي)[50].

 

الوجود بين مشتركين معنوي ولفظي:

هذه واحدة من اهم القضايا التي لها تماس مع العقيدة ، فهي تتحدث عن وجود الله تعالى هل انه مشترك مع وجود مخلوقاته فيكون لفظ (الوجود) مشتركاً معنوياً ام إنَّه مشترك لفظي ؟ بمعنى هل ان مفهوم وجوده تعالى هو نفس مفهوم وجود مخلوقاته ام لا ؟ بعض الفلاسفة قال ان المشترك معنوي والبعض الاخر قال ان المشترك لفظي ! وقد ذهبت مدرسة الحكمة المتعالية وبعض الفلاسفة الآخرين من خارجها الى انه مشترك معنوي ، فالوجود الواحد ولكن بحقيقة مشككة !

واختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة[51] ، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس[52] ، وذهب قوم من المشائين إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها  ، أما كونه حقائق متباينة ، فلاختلاف آثارها ، وأما كونها متباينة بتمام الذوات ، فلبساطتها . وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها عرضيا خارجا عنها  لازما لها[53]. غير ان رأي السيد محمد حسين الطباطبائي تبعاً للحكمة المتعالية يبينه بقوله: والحق أنه حقيقة واحدة مشككة[54].

تقول مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التابعة لتراث ابن عربي متمثلة بالسيد محمد حسين الطباطبائي: (يحمل الوجود على موضوعاته  بمعنى واحد  اشتراكا معنوياً)[55]. ومما قاله تأييداً لفكرته الفلسفية هذه: (ومن الدليل عليه : أن العدم يناقض الوجود  ، وله معنى واحد ، إذ لا تمايز في العدم ، فللوجود الذي هو نقيضه معنى واحد ، وإلا ارتفع النقيضان ، وهو محال). وهذا يصح في الممكنات ، لكن ما هو الدليل عل ان العدم هو نقيض الوجود الالهي ! في هذه النقطة يظهر التعارض بين الفكر الفلسفي والفكر العقائدي ، ففي الفلسفة يكون العدم هو نقيض الوجود سواء عند الممكنات او عند الخالق جلَّ وعلا ، فهي تعامل الممكن بنفس تعاملها مع الواجب ! بينما الفكر العقائدي ينظر الى الخالق تعالى بحقيقة ان البشر لا يمكن ادراكهم لكنهه ولا يمكنهم ان يعرفوا صفاته الا ما عرفهم ربهم بكلامه في كتابه الكريم وكلام المعصومين (عليهم السلام).

وقال: (والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء ، أو بين الواجب والممكن ، إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية  بين العلة والمعلول مطلقا أو بين الواجب والممكن). ثم يقول: (والقائلون باشتراكه اللفظي بين الأشياء ، أو بين الواجب والممكن ، إنما ذهبوا إليه حذرا من لزوم السنخية  بين العلة والمعلول مطلقا أو بين الواجب والممكن. ورد  بأنه يستلزم تعطيل  العقول عن المعرفة ، فإنا إذا قلنا : " الواجب موجود " فإن كان المفهوم منه المعنى الذي يفهم من وجود الممكن ، لزم الاشتراك المعنوي ، وإن كان المفهوم منه ما يقابله ، وهو مصداق نقيضه ، كان نفيا لوجوده ، تعالى عن ذلك ، وإن لم يفهم منه شئ ، كان تعطيلا للعقل عن المعرفة ، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا بالضرورة) .

بينما يقول الشيخ ماجد الكاظمي ناقضاً رؤية الحكمة المتعالية: "هذا البحث من جملة المباحث المرتبطة بالمفاهيم ، وهو بحث لفظي ، وليس ببحث فلسفي ، ولا شك أن له دخلاً في فهم المطالب الفلسفية. فالمفاهيم قبل معرفتها وتحديدها لا يمكن الاستدلال بها استدلالاً دقيقاً ومفيداً. فالوجود اطلق على الاشياء ، فهل هذا الاطلاق كان على معنى واحد أم معانٍ متعددة؟ ولا شك إن معناه "عرفاً ولغةً" واحد ، وغن الذي يفهم من جملة (زيد موجود) هو نفس ما يفهم من جملة (المَلَك موجود) و(النفس موجودة) و(العقل موجود) لكن لا ربط بين وحدة الوجود المفهومية ، وبين وحدة الوجود الحقيقية. فمفهوم الوجود واحد إلا أن كنه الموجودات وحقيقتها قد تكون واحدة وقد تكون متعددة وهذه مسالة اخرى. فبناءاً على رأي المشائين والمتكلمين: إن مفهوم الوجود واحد حيث انه منتزع من مصاديق متعددة ، وهو مفهوم اعتباري ، وأنْ كان ما يصدق عليه مختلف في الكنه والحقيقة إلا أنها مشتركة في صدق المفهوم الواحد. فالصحيح في هذا الباب أن نقول: إنَّ مفهوم الوجود واحد ، إنه مشترك بين الاشياء مفهوماً ، واما أن حقيقة الاشياء "لأنها تشترك بأسم واحد" واحدة فهذه مغالطة ، ولا دليل عليها ، كما لا يوجد في الاطلاق العرفي واللغوي تسمية حقائق الاشياء بالوجود"[56].

وبهذا نجد انه بالاضافة الى المدرسة الكلامية الشيعية فإنَّه من خلال المنظور الفلسفي المشّائي (مدرسة ابن سينا وغيره) لا يصح القول بان للوجود حقيقة واحدة كما ادعى ابن عربي.

وقال الشيخ حيدر الوكيل وهو يجمع بين الانتصار للفكر العقائدي (فيكون الاشتراك لفظي) وبين البيان الفلسفي (فيكون الاشتراك معنوي) من وجهة نظره لهذه القضية الشائكة حيث يوجد مفكرون آخرون يرون الاشتراك اللفظي من الناحية الفلسفية أيضاً - فيقول: (الوجود ان اخذناه كسائر الصفات الالهية المقدسة فمن الضروري القول بالاشتراك اللفظي ، ولكننا نقول ان الوجود هو تحصل الشي ومقابله عدم التحصل والتحقق فكيف يكون الواجب خارجا عن هذه القسمة ؟! ولعل الى هذا البيان اشارت الرواية عن ابي عبد الله ع "هو الله الثابت الموجود" توحيد الصدوق ص102 وغيرها)[57]. ويقول ايضاً حول الاشتراك اللفظي والمعنوي لمفهوم الوجود: (الاشتراك المعنوي او اللفظي لكل منهما قائل ولكن الظاهر ان النزاع لفظي ، فالوجود بمعنی التحقق الخارجي هو معنوي اذ من الواضح ان الواجب والممكن اشياء خارجية ، وان اريد من الوجود الواجبي ما يكون دخيلا في الذات لا مجرد تحققها فهو يختلف جزما عن الوجود الامكاني العارض علی الذات ، وللشيخ الميلاني بيان آخر فالوجود القابل للعدم يختلف عن الوجود الابي له. فوحدة الوجود مفهوماً لا اشكال فيها علی البيان الذي بينته سابقاً ، ولكن ليس الكلام في وحدة مفهوم الوجود بل مصداقه وهي ترجع الی وحدة الوجود والموجود مهما حاولوا ايجاد الفرق. مثلاً دعواهم الوحدة التشكيكية عجيب اذ مع بساطة الوجود واصالته كيف تتحقق المراتب !)[58].

ونقول: ان هذه النقطة تكشف عن ضعف في الفلسفة نفسها حينما تقيس المخلوق على الخالق جلَّ وعلا. فهي تنظر للوجود على انه تحصل الشيء بينما هذا التحصل للوجود لا يتمكن ان يجمع جميع اطرافه (الواجب والممكن) وهذا ما يكشفه لنا قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء )) الذي نستفيد منه ان وجود الواجب ليس كوجود الممكن. فالفلسفة البشرية تقف مكتوفة الايدي على اعتاب الخالق تبارك وتعالى. ونحن هنا نتحدث من حيث المصداق.

إنَّ قولنا ان الله سبحانه موجود هو تعبير مجازي كقولنا عنه انه سميع بصير ، فحقيقة سمعه وبصره ووجوده لا ندرك كنهها. فالله تعالى هو خالق الوجود ، لا شبيه له ، ليس كمثله شيء ، ولو كان الوجود حقيقة واحدة وتحصل واحد فكيف يكون الوجود المخلوق هو نفس الوجود القديم !! وكيف يمكن ان يُعدم وجودنا فيما لا يمكن على الاطلاق ان يعدم وجود القديم تبارك وتعالى !؟ فمن هذا يتبين ان الوجود ليس حقيقة واحدة ولا تحصل واحد بين الواجب والممكن.

ان الله تبارك وتعالى اعظم من ان يكون موجوداً فقط ، بل هو كما في الرواية الشريفة: (هو الله الثابت الموجود). فالثابت الموجود ربما تعني انه لا نقيض له ، أي ان العدم ليس نقيضاً لوجود الواجب بخلاف كونه نقيضاً لوجود الممكن. فالوجود حقيقتان وتحصلان. ولا صحة لفلسفتهم المتهالكة القائلة بوحدة الوجود. وهذا يثبت تهافت الفلسفة امام عظمة الله تبارك وتعالى ، الفلسفة التي يمكنها ان تعبر فقط عن الفكر البشري والموجودات الممكنة الوجود أي التي خلقها الله سبحانه. اما ما يخص الخالق جلَّ وعلا فلا تتمكن الفلسفة البشرية من ادراك كنهه تبارك وتعالى.

وفي رواية الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام): (وكيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه)[59]. ويعلق علي أكبر الغفاري على كلمة (الكيف) نقلاً عن مرآة العقول للعلامة المجلسي (رض) بقوله: (أي بصفة زائدة على ذاته وكل ما يغاير ذاته فهو مخلوق والله لا يوصف بخلقه لأنه لا يجوز حلول غيره فيه لأنه يوجب استكماله بغيره وكونه في مرتبة ايجاده ناقصاً. وأيضاً لا يتحقق الحلول الا بقوة في المحل وفعلية بالحال وهو سبحانه لا يصح عليه قوة الوجود لأن قوة الوجود عدم وهو بريء في ذاته من كل وجه من العدم)[60].

وذهب الشيخ شريعتمدار (توفي 1263هـ) الى "أنّ الحق تعدد الوجود بمعنى أن الوجود على أقسام منها: الوجود المطلق ، ومنها: الوجود المقيّد الممكن ، ومنها: الوجود الحق الواجبي. وبعبارة اخرى: الوجود وجود عام ووجود خاص واجبي ، ووجود خاص ممكني بالبرهان العقلي والنقلي والوجدان والعيان ، بمعنى أن الوجود الواجبي منشأ للوجود العلمي الممكني وهو منشا للوجود العيني الممكني الذي هو من آثار الوجود الواجبي سواء كان على وجه الابداع غير المسبوق بالمادة والمدّة كالسماوات أو الصنع المسبوق بالمدّة دون المادة ، كالعناصر أو التكوين المسبوق بهما ، كالمواليد المركّبات أو نحو ذلك ، كما يستفاد من النقل ، خلافاً لما ذهب اليه جماعة من الصوفية الذين يسمون انفسهم بالعرفاء. بيان ذلك انّ التحقيق أنّ الصوفية على سبع فِرَقٍ بعدد أبواب جهنّم ، فإنها أيضاً سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ، ومن زاد على هذه السبعة فهو مَن جعل قسم القسم قسماً ، وعدّد الشعب من الاقسام ، لما لا يخفى"[61].

فحتى على فرض صحة المبنى القائل بأصالة الوجود فهذا لا يستلزم صحة مذهب ابن عربي والحكمة المتعالية في وحدة الوجود بإعتبار ان الوجود حقيقة واحدة مشككة ، بل هناك من القائلين بأصالة الوجود كإبن سينا والمشائيين من يذهب الى ان الوجود حقائق متباينة ، وهو ما يتعارض مع وحدة الوجود ويستلزم تهافت تراث ابن عربي ومتبنيات الحكمة المتعالية.

وفي إطار رفض الملازمة غير الموضوعية بين مفهوم الوجود وحقيقته ، فعلى فرض ان مفهوم الوجود واحد فلا ملازمة تجعل مفهوم الوجود الواحد يتحول الى حقيقة واحدة ، وفي هذا السياق يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (واذا كانت حقيقة الوجود واحدة فمعناه ان حقيقة الانسان والشجر والبقر والمَلَك والخالق "استغفر الله" واحدة فلا فرق بين النبي والكافر ، والخالق والمخلوق ، والشيطان والانسان و... بل كلها شيء واحد وهو مما تضحك منه الثكلى)[62].

 

هل هناك وجود لا ماهية له:

يقول العلامة الحلي (رض) عن وجود الله تبارك وتعالى: "ان وجوده نفس حقيقته"[63]. وقال: "فإذن لا ماهية لواجب الوجود إلا انه واجب الوجود"[64].

هناك من يذهب الى ان الله تبارك وتعال وجود ليس له ماهية ، فيقال "ان الوجود الذي لا ماهية له هو الوجود الواجب , اما الوجود الممكن فله ماهية وذلك لانهم قالوا ان الماهية هي "حد الوجود" فالممكن محدود فله ماهية . فاذا امكن تعريف الوجود الممكن عُرف الوجود الواجب لان بينهما اشتراكا معنويا في الوجود , والمصنف اي السيد الطباطبائي في بداية الحكمة - ادعى وحدة معنى الوجود في الواجب والممكن والا لزم التعطيل"[65].

وفي نفس الاطار يقول الفيلسوف المشّائي المير داماد: (إذ الحدّ لشيء هو الصورة المساوية لذاته ، وكلُّ ما يُصوف بحدّ لا بدّ أن يكون له ماهية كُلّية مركبة من جنس وفصل ، والحق تعالى بسيط الحقيقة ، وجوده عين ذاته بلا ماهيّة ، فلا حد له ، كما لا برهان عليه)[66].

إذن يمكن تمييز وجود الخالق جلَّ وعلا عن وجود المخلوق بحسب رؤيتهم الفلسفية تلك بالتالي:

1.    وجود الخالق لا حد له بخلاف وجود المخلوق الذي حدّه الماهية. وهو امر يتفقون به مع علماء الكلام.

2.    وجود الخالق لا ماهية له بخلاف وجود المخلوق. وهو امر مختلف فيه.

حيث ان هناك من المعاصرين من يذهبون الى ان لله تعالى ماهية ، فحين يكون السؤال: (ماهو؟) يمكن ان يكون الجواب: هو الله ، هو الخالق ، هو الباريء. فله ماهية ، وماهيته هي غير محدودة كوجوده غير المحدود. وتكون ماهيته عين وجوده وعين ذاته المقدسة كما هي صفاته الذاتية. واذا كانت ماهيته تعالى عين وجوده بطل بذلك قول الفلاسفة بوحدة الوجود لأنه مستند الى ان وجود الممكنات هو نفس وجود الواجب تعالى ، فإذا ثبت ان وجوده تعالى هو عين ماهيته فلا يمكن القول بأن ماهية الممكنات هي نفس ماهية الله تعالى شأنه لأن الواقع يكذب ذلك فإن لكل ممكن ماهية مختلفة عن ماهية الآخر.

يقول الشيخ عبد الهادي الفضلي وهو يتحدث عن اصطلاح الوحدانية: (هي صفة من صفات الله تعالى ، معناها: ان يمتنع ان يشاركه شيء في ماهيته وصفات كماله ، وانه منفرد بالايجاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة ولا مؤثر سواه في أثرها عموماً)[67]. فصّرح بوجود ماهيّة له تعالى شأنه.

ويؤيد القول بوجود ماهية له سبحانه الحديث في الكافي والمروي عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) انه: (قال له السائل: " فله إنية ومائية؟ " قال: " نعم لا يثبت الشئ إلا بإنية ومائية ")[68]. قال الشيخ الكليني: (أقول ليس المقصود بالانية والمائية في المقام ما اصطلحنا عليه في علم المعقول المطلق على جميع الممكنات في قولنا " كل ممكن زوج تركيبي " بل اللازم بقرينة المعاني المذكورة المثبتة لبساطته وعدم معلوليته جل وعلا أن يراد بهما الحقيقة والوجود ولكن لا بمعنى الماهية المنتزعة عن الجنس والفصل المستلزمين للتركب ونسبتهما أي نسبة الانية والمائية في المقام إليه تعالى نظير نسبة الصفات الذاتية إلى الذات في كونهما مشيرين إلى حقيقة واحدة كما ذكر)[69]. وقال العلامة المجلسي : (واعلم ان للماهية معنيين: أحدهما ما بإزاء الوجود كما يقال وجود الممكن زائد على مهيته والمهية بهذا المعنى مما يعرضه العموم والاشتراك فليست له تعالى مهية بهذا المعنى ، وثانيهما ما به الشيء هو هو  ، وهذا يصح له)[70]. وهو مماثل لما ذهب اليه ملا صدرا في شرحه (العرفاني- الفلسفي) للكافي[71].

وقال ابن ميثم البحراني: (ماهيّة الله تعالى مخالفة لسائر الماهيات لعين ذاتها المخصوصة) ، (ان ماهيته تعالى نفس وجوده ولا شيء من ماهيات الممكنات كذلك ، فماهية الله تعالى غير مشاركة لشيء من ماهيات الممكنات في حقيقتها)[72].

ويقول المولى الشيخ محمد صالح المازندراني ، وهو من اهل العرفان (وإنْ كان من غير اتباع ملا صدرا): (لا يقال فعلى هذا يقع المشابهة بينه وبين خلقه في الوجود المشترك بينهما لأنّا نقول: المراد بالوجود مبدء الآثار ومبدء الآثار فيه جلّ شأنه هو ذاته المقدّسة الحقّة الاحديّة المنزَّهة عن التكثّر والتعدّد مطلقاً  وفي الخلق أمر زايد على ذواتهم عارض لها موجب لحصولها في الاعيان وهو الذي يعبّر عنه بكونهم في الخارج سواء كان متحققاً فيه أو أمر اعتبارياً محضاً منتزعاً من المهيفات على اختلاف القولين اي اصالة الوجود واصالة الماهية فعلى هذا لا تشارك بينه وبين خلقه في الوجود إلا بإعتبار الاسم كما في العالم والقادر وسائر الاسماء المشتركة لا يقال: هذا لا ينفع لوقوع التشابه حينئذِ بينه وبين وجود الاشياء في كون كل منهما مبدء الآثار لأنّا نقول: هو مبدء الآثار بحيث لا يحتاج في صدورها إلى غيره اصلاً ووجودات الاشياء في المبدئيّة لآثارها تحتاج الى غيرها من جهات شتّى كما لا يخفى ، فلا تشارك في المبدء أيضاً إلا بإعتبار الاسم ، لا يقال: ما ذكرته من أنّ وجوده عين ذاته مناف لقوله (عليه السلام) : "نعم" أي نعم فله إنيّة ومائيّة لأنه يفيد أن وجوده مغاير لذاته ، لأنّا نقول: المراد بالمغايرة الاعتبارية فإنّه ذات من حيث هو ووجود من حيث أنّه مبدء كما أنّه ذات وقدرة وعلم بإعتبار الحيثيّات ولا يوجب ذلك التكثّر في الذات وإنّما التكثّر في الامور الخارجة عنها ، وقد يقال: المراد بإنيّة الواجب وإنيّة الممكن الامر المنتزع من الحقيقة العينية الذي يعبّر عنها بحصولها في الاعيان وهذا الامر المنتزع مغاير لجميع الحقايقالعينيّة حتى لحقيقة الواجب أيضاً ولا يلزم ان يكون للواجب صفة زايدة عن ذاته لأن هذا المنتزع أمر اعتباري لا تحقق له في الخارج)[73].

ونجد الميرزا الشيخ ابو الحسن الشعراني (1320-1393)هـ ، وهو من اهل الفلسفة والعرفان، وله ترجمة وشرح لمنظومة السبزواري باللغة الفارسية ، يقول: (قوله "لا يثبت الشيء إلا بإنيّة ومائية" لا ينافي ما يقال من ان وجوده عين ماهيته)[74]، وهذا مؤشر واضح على تهافت فلسفة وحدة الوجود. فالشيخ المازندراني والميرزا الشعراني يذهبون للقول ان وجوده سبحانه هو عين ماهيته وذلك يعني تهافت قولهم بوحدة الوجود؟ باعتبار اذا كان الوجود واحد في الواجب والممكن، وفي الواجب هو عين ماهيته ، فتكون ماهيات الممكنات كلها هي عين وجود الواجب، وهذا يعني وحدة الماهية بين الممكنات والواجب، بمعنى ان الممكنات جميعها هي الله تعالى، وهذه سفسطة مؤكدة !!

قال العلامة الحلي في شرحه لتجريد الاعتقاد: (واعلم ان الناس اختلفوا في ان الوجود هل هو نفس الماهيّة أو زائد عليها؟ فقال ابو الحسن الاشعري[75] وابو الحسين البصري وجماعة تبعوهما: إن وجود كل ماهية نفس تلك الماهية. وقال جماعة من المتكلمين والحكماء: إن وجود كل ماهية مغاير لها إلا واجب الوجود تعالى فإن اكثر الحكماء قالوا: إن وجوده نفس حقيقته)[76].

وقال الشيخ احمد الاحسائي رداً على ملا صدرا: (وقول المصنف اي ملا صدرا تبعاً لغيره: "إلا ان الواجب لا ماهية له" ، غلط ، لأنه شيء بحقيقة الشيئية ، والشيئية هي الماهية ، وفي الادعية: "يا من لا يعلم ما هو إلا هو" فقد اثبت الماهية إلا أن وجوده تعالى ليس على نمط وجود الحادث ، لأن وجود الحادث لا يجد نفسه ولا يجد غيره لنفسه ، وإنما يجده نوراً لغيره وهو حقيقة الشيء من جهة فعل ربّه ، والماهية حقيقته من جهة نفسه) الى أن يقول: (فالواجب تعالى ماهيّته وجوده ووجوده ماهيّته ، لا أنه لا ماهية له ، إذ كل من لا ماهية له لا شيئية له فافهم)[77].

وهناك رواية رواها الشهيد الفتال النيسابوري (توفي 508هـ) بدون ذكر سند لها او مصدر ، فقط قال: (وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال له رجل أين المعبود؟ فقال لا يقال له أين لأنه أين الأينية ، ولا يقال له كيف لأنه كيّف الكيفية ، ولا يقال له ما هو لأنه خلق الماهية ، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيار أمواج عظمته وحصرت الألباب عن ذكر أزليته وتحيّرت العقول في أفلاك ملكوته)[78]. وهي رواية غير ناهضة سنداً. اما من حيث معناها فقد تقدم معنى الماهية التي يمكن نسبتها اليه سبحانه والتي هي عين وجوده تبارك وتعالى.

ومن المعاصرين الذين ذهبوا الى القول بان لله تعالى ماهية السيد محمد باقر الحكيم في حوزة النجف الاشرف والسيد حسين شمس الخراساني في حوزة قم المقدسة[79].

 

وحدة الوجود والموجود:

وقف العرفاء المؤمنون بوحدة الوجود والموجودات، يقولون: إنّ الوجود أمرٌ واحد وشخصي ، ومن هنا يصبح تقسيم الوجود إلى تام وناقص أو واجب وممكن، أمرٌ لا معنى له ؛ لأنّه لا شيء غير الوجود ؛ ولذلك فجميع الموجودات وظواهر عالم الوجود هي تجلّيات وانعكاسات لذلك الوجود الواحد، بمعنى آخر: كل ما في الكون وحدة محضة، ولا توجد أي علاقة ثنائية بين الموجودات وظواهر العالم. وتنسب هذه النظرية العرفانية إلى ابن عربي ، وهو القائل في فصوصه أنّ وجود الحقّ هو وجود مطلق، وقد أخذ القونوي هذه الفكرة في مفتاح الغيب وطوّرها بقوله: إنّما الوجود هو لله وأسمائه وصفاته وكمالاته، وأنّ عالم الخلق أمرٌ اعتباري لا غير. يصف السبزواري في أسرار الحكم هذه المدرسة بقوله: "الطريق الثاني في التوحيد هي طريقة معظم العرفاء القائلين بوحدة الوجود.. وكذلك وحدة الموجودات، والذين لا يرون للوجود مراتب، ويؤكّدون على أن لا وجود في الواقع إلا وجود الله، وما الكثرة إلا وهم وخيال". ويقول العلامة الشعراني في تعليقته، في إشارة لهذا القول: مراد المؤلف هو طريقة المتوسّطين من المتصوفة، وإلاّ فالعرفاء الأجلاء يقولون بمراتب الوجود وبالكثرة في الوحدة. ينظر العرفاء إلى حقيقة الوجود على أنّها واحدة متفرّدة، وجوهر هذه الحقيقة حصرٌ في الله، بينما جميع الممكنات والخلائق تجلّيات وظهورات لذلك الجوهر الواحد ولتلك الحقيقة المتفرّدة. وهذه الشمولية هي موضع اتفاق مشاهير العرفاء من أمثال ابن عربي، إلى درجة تصير معها عبادة الأصنام وباقي الأجسام في المحصّلة النهائية مظهراً ورمزاً لعبادة الحقّ، ذلك أنّه لمّا كانت ظواهر العالم مجالي ومرايا للحقّ تعالى، فالصنم أيضاً ـ شأنه شأن المظاهر كافّة ـ لا يملك حقيقةً لذاته، بل هو مظهرٌ من مظاهر الوجود، وفي هذا المعنى ينشد العارف محمود الشبستري أبياتاً شعرية رائعة راجعها إن شئت. وهذا بالذات ما جعل المتصوّفة في مرمى سهام القدح والطعن من قبل أهل الشريعة. يذكر المرحوم الآملي صاحب التعليقات على منظومة السبزواري ما يلي: وحدة الوجود والموجودات هو مذهب المتصوّفة، وهم في هذا على طائفتين: طائفة تقول بوجود حقيقة واحدة فقط في عالم خارج الذهن مطابقة لمفهوم الوجود، وأنّ سائر المراتب وهمٌ وخيال. وطائفة أخرى في الصوفية ترى أنّ للحقيقة وجوداً مجرّداً ومستقلاً عن المجالي والصور المتعدّدة للظواهر، ولكنّ الوجود ـ بوصفه حقيقةً جامعة ـ واجبٌ، سواء أكان في مرتبة التجرّد عن المجالي أو في غيرها، وهذه المرتبة في جميع الموجودات هي ذلك الوجود الواحد[80].

ويتحدث الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عن "وحدة الوجود والموجود" بقوله: "فإن المعقول في باديء النظر وحدة الوجود ، وتعدد الموجود المتحصل من الحدود والقيود والتعينات ، ولكن الذي طفح وطغى في كلمات العرفاء الشامخين ومشايخ الصوفية السالكين والواصلين هو وحدة الوجود ووحدة الموجود أيضاً ، وكانت هذه الكلمة العصماء يلوح بها أكابر العرفاء والأساطين في القرون الاولى كالجنيد والشبلي وابا يزيد البسطامي ومعروف الكرخي وامثالهم حتى وصلت الى الحلّاج وأقرانه الى ان نبغ في القرون الوسطى محي الدين العربي وتلميذاه القونوي والقيصري فجعلوها فناً من الفنون والمؤلفات الضخام كالفتوحات المكية وغيرها ، والمتون المختصرة كالفصوص والنصوص التي شرحها ونقحها صدر الدين القونوي ، وانتشرت ، وعند عرفاء القرون الوسطى من العبر كابن الفارض وابن عفيف التلمساني وغيرهما ، ومن الفرس كثير لا يحصى عددهم كالعطار والهاتف والجامي وأضرابهم وأحسن من أبدع فيها نظماً العارف التبريزي الشبستري في كتابه المعروف (كلشن راز) وخلاصة هذه النظرية ان تلك الطائفة لما أرادوا ان يبالغوا ويبلغوا أقصى مراتب التوحيد الذي ما عليه من مزيد ، وأن لا يجعلوا للحق شريكاً لا في الربوبية كما هو المعروف عند أرباب الأديان بل نفوا الشريك له حتى في الوجود فقالوا لا موجود سوى الحق ، وهذه الكائنات من المجردات والماديات من أرضين وسماوات ، وما فيها من الافلاك والانسان والحيوان والنبات بل العوالم بأجمعها كلها تطوراته وظهوراته وليس في الدار غيره ديار ، وكل ما نراه أو نحس به او نتعقله لا وجود له ، وانما الوجود والموجود هو الحق جل شأنه ، ونحن اعدام وليس وجودنا إلا وجوده"... الى ان يقول: "وقد تفنن هؤلاء العرفاء في تقريب هذه النظرية الى الاذهان وسبحوا سبحاً طويلاً في بحر هذا الخيال ، وضربوا له الأمثال (فصوروه) تارة بالبحر وهذه العوالم والكائنات كأمواج البحر فإنها ليست غير البحر وتطوراته ، وليس الأمواج شيء سوى البحر فإذا تحرك ظهرت ، وإذا سكن عدمت واندحرت ، وهو معنى الفناء المشار اليه بقوله تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ] يفنى وجه الممكن ويبقى وجه الواجب"... "ومن هذا القبيل التمثيل بالشعلة الجوّالة التي ترسم دائرة نارية من سرعة حركتها وليست هي إلا تلك الشعلة الصغيرة" ... "والوجود واحد والموجود واحد له ظهورات وتطورات ، يترآئى انها كثرت وليست إلا الذات ومظاهر الاسماء والصفات وشؤون الجمال والجلال والقهر واللطف ، وقد رفع الكثير منهم حجب الاستار عن هذه الاسرار حتى ان محي الدين العربي عبّر عن كل هذا بتغيير كلمة في البيت المشهور: (وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد) فقال: (تدل على انه عينه) ثم تحامل وتقحم الى ما هو أصرح وأعظم حيث قال:

سبحان من حجب ناسوته * نور سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه بارزاً * بصورة الآكل والشارب"

... الى ان يقول: "لأن الوجود لا يقبل العدم وهو منافر له وضد له بطبيعته ، مع غننا نراها بالعيان توجد وتعدم وتظهر وتفنى فلا محيص من الالتزام بأنها غير موجودة وليس الموجود إلا وجود واجب الوجود الزلي الحق الذي يستحيل عليه العدم بطبيعة ذاته المقدسة وكل ما نراه من هذه الكائنات التي نحسبها بالوهم موجودة هي اطواره ومظاهره يفيضها ويقبضها يبقيها ويفنيها وياخذها ويعطيها وهو المانع والمعطي والقابض والباسط وهو على كل شيء قدير وكل شيء هالك الا وجهه ، وكل الاشياء تجلياته وظهوراته وإشراقاته وأنواره وكل الكائنات والممكنات كلها مضافة إليه بالإضافة الاشراقية لا المقولية أطرافها اثنان لا ثلاثة وسواء قلنا بأن هذا البرهان صخرة صماء لا تمسه أظافر الخدشة أو ان للمناقشة فيه مجال فهو برهان منطقي على أصول الحكمة والمنطق هذا عدا ما يدعونه من الشهود والمكاشفة والعيان الذي هو اسمى من الدليل والبرهان" ... "ومع هذا كله فإن علماء الظاهر وأمناء الشرع يقولون ان سالك هذا الطريق كافر زنديق وهذه الطريقة أعني وحدة الوجود والموجود عندهم زندقة والحاد ، تضاد عامة الشرائع والاديان مهما قام عليها الدليل والبرهان ، إذ حينئذٍ اين الرب والمربوب ، أين الخالق والمخلوق ، وما معنى الشرائع والتكاليف ، وما هو الثواب والعقاب ، وما الجنة والنار ، وما المؤمن والكافر ، والشقي والسعيد ، الى آخر ما هنالك من المحاذير واللوازم الفاسدة ، ولعل هذا هو مدرك ما ذكره السيد الاستاذ (رض) في العروة الوثقى ما نصه: (القائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم) وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا تعرف ما في هذا وامثاله من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم ، وإني لا أرى من العدل والأنصاف ، ولا من الورع والسداد ، المبادرة الى تكفير من يريد المبالغة في التوحيد وعدم جعل الشريك لله تعالى في كل كمال والكمال والوجود كله لله وحده لا شريك له ، ومع ذلك فهم يؤمنون بالشرائع والنبوات والحساب والعقاب والثواب والتكاليف بأجمعها على ظواهرها فالحقيقة لا تصح عندهم ولا تنفع بدون الطريقة والطريقة لا تجدي بدون الشريعة والشريعة هي الأساس وبها يتوصل ملازم العبادة ، الى اقصى منازل السعادة وعندهم في هذه المسائل مراحل منازل وتحقيقات انيقة وتطبيقات رشيقة ومعارج يرتقي السالك بها الى اسمى المناهج ومؤلفات مختصرة ومطولة فوق حد الاحصاء نظماً ونثراً وأذكار سراص وجهراً ورياضات ومجاهدات لتهذيب النفس وتصفيتها كي تستعد للحوق بالمل الاعلى والمبدأ الاول وهناك من البهجة والمسرة والجمال والجلال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وههنا اسرار عميقة ومباحث دقيقة لا تحيط بها العبارة ولا تدركها الاشارة فلنتركها لأهلها ، ونساله تعالى ان يفيض علينا من فضله بفضلها ، نعم لا ريب ان كل طائفة اندس فيها من ليس من اهلها من الدخلاء ، وأهل الأهواء حتى يكاد ان يغلبوا على اربابها الاصحاء ، فلا ينبغي ضرب الجميع بسهم واحد واخذهم أو نبذهم على سواء كما ان بعض المتطرفين المتوغلين في الغرام والهيام والشوق الى ذلك المقام الاسمى قد توقدت شعلة المعرفة في قلوبهم فلم يستطيعوا ضبط عقولهم وألسنتهم فصدرت منهم شطحات لا تليق بمقام العبودية مثل قول بعضهم (أنا الحق) (وما في جبتي إلا الحق) وأعظم منها في الجرأة والغلظ والشطط قول بعضهم (سبحاني ما أعظم شأني) وهذه الكلمات قد حملها الثابتون منهم على انها صدرت من البعض حالة المحو لا حالة الصحو ، وفي مقام الفناء في الذات ، لا في مقام الاستقلال والثبات ، ولو صدرت في غير هذه الحال لكانت كفراً ، على ان المنقول عن الحلاج انه قال للذين اجتمعوا على قتله اقتلوني فأن دمي لكم مباح لأني قد تجاوزت الحدود ومن تجاوز الحدود (اقيمت عليه الحدود) ولكن العارف الشبستري التمس العذر لهذه الشطحات وجملها على احسن وجه حيث قال:

انا الحق كشف ان اسرار مطلق * بجز حق كيست تاويد انا الحق

روا باشد أنا الحق از درختي * جرا نبود روا از نيك بختي

 

يقول من ذا يستطيع ان يقول أنا الحق وإذا صح وحسن من الشجرة ان تقول أنا الله فلماذا لا يحسن ذلك من العارف الحسن الحظ وحقاً أقول انَّ من أجال فكره وأمعن النظر في جملة من آيات القرآن العزيز زكلمات النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأدعيتهم وأورادهم سيجد في الكثير منها الإشارة الى تلك النظرية العبقرية ، وقد شاعت كلمة رسول الله (ص) وهي قوله (سلام الله عليه): (أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد): (الا كل شيء ما خلا الله باطل) وقد تضمنت هذه الكلمة في طياتها كل ما قاله العرفاء الشامخون من ان الاشياء اعدام إذ ليس الباطل إلا العدم وليس الحق إلا الوجود فالأشياء كلها باطلة وأعدام وليس الحي والموجود إلا واجب الوجود وهذا كل ما يقوله ويعترض أولئك القوم أفاض الله سبحانه هذه الكلمة على لسان ذلك الشاعر العربي الذي عاش اكثر عمره في الجاهلية وأدرك في أخريات حياته شرف الاسلام فأسلم وقد صدق تلك الجوهرة الثمينة الصادق الامين ومثلها كلمة ولده صادق أهل البيت صلوات الله عليه (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) بل لو امعنت النظر في جملة من مفردات القرآن المجيد تجدها وافية بذلك الغرض واضحة جلية مثل قوله تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ] و[كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ] فان المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ حالاً فكل شيء فان وهالك حالاً لا انه سوف يهلك ويفنى"[81].

وقد نقلنا هذا النص بطوله لأهميته لأنه يكشف عن جانب من فكر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، ذلك الجانب الخفي على الكثير من المؤمنين ، أي جانب اعتقاده لعقيدة وحدة الوجود والموجود ، وكذلك ليتبين للقاريء الكريم الارتباط الوثيق بين مدرسة الحكمة المتعالية وبين التصوّف والصوفية ولاسيما ابن عربي وتراثه.

ولو اردنا تتبع الرد على كل ما ذكره الشيخ في هذا النص الذي نقلنا لطال بنا المقام. ولكن ننبه الى ما ذكرناه في موضع آخر من بحثنا هذا من ان اتباع الحكمة المتعالية والشيخ محمد حسين آل كاشف غطاء منهم ، يعتبرون ان وجود الله سبحانه وتعالى كوجود مخلوقاته مع انه تعالى قد قال باللفظ العربي الصريح في سورة الشورى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) فلا هو كسائر الموجودات ولا وجوده كوجود المخلوقات. وهذه الاية الكريمة تفند كل نظرية وحدة الوجود والموجود.

كما ان استشهاده بشعر لبيد (الا كل شيء ما خلا الله باطل) لم يكن في صالحه في (نظرية وحدة الوجود والموجود) بل هو ضد عقيدته ، فلو كان كل شيء باطل من المخلوقات فكيف يدّعي وحدته مع الحق بنظريتهم البائسة (وحدة الوجود والموجود) !! فالله سبحانه هو الحق ، وهو موجود ومتوحد مع سائر الموجودات التي يدّعي في الشعر انها باطل ، في وحدة واحدة بحسب مزاعمهم ، فكيف تكون تلك الموجودات باطلة !!

ومن جهة اخرى فإن هذا البيت الشعري ايضاً شيء من الاشياء فهل يكون باطلاً أيضاً !! وفي هذا الاطار يقول الشريف المرتضى (رض) بعد ذكره شعر لبيد آنف الذكر: "ولم يرد أن الحق باطل ولا أن شعره هذا الذي قاله باطل ، وقد قال كل شيء وإنما اراد بعض الأشياء ، ويقول القائل (دخلنا السوق فاشترينا كل شيء ورأينا كل شيء حسن) وإنما أراد كل شيء مما اشتروا ، وكل شيء مما رأوا ، وكذا ((خالق كل شيء)) مما خلقه لا مما فعله عباده لأنه لا يجوز أن يفعل العباد خلق رب العالمين"[82].

واما الحديث الذي نسبه للامام الصادق (صلوات الله عليه) على انه قال: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) فهو مروي في كتاب مصباح الشريعة ، وقد بيّنا في الفصل الرابع في بحثنا هذا عدم صحة نسبة هذا الكتاب للأمام الصادق (عليه السلام) وانه ربما كان من كلام شقيق البلخي الصوفي المشهور.

خلق ام صدور ام تجلي:

تحدث ابو العلا عفيفي في شرحه للفص العيسوي من فصوص الحكم لابن عربي ، عن فكر ابن عربي حول  تجلي الله سبحانه وتعالى في كل المخلوقات وليس في المسيح عيسى (عليه السلام) وحده ! فقال: "كذلك الحال في ظهور الحق في صورة عيسى فإنه لا يلزم منه أن تكون الالوهية التي هي صفة ذاتية للحق صفة لهذه الصورة الخاصة. أي أن تجلّي الحق في أية صورة من صور الوجود شيء وكونه عين هذه الصورة شيء آخر ، أو أن الالوهية ليست جزءاً من حد الصورة التي يتجلّى فيها الله ، كما أن النفخ ليس جزءاً من حد الصورة البشرية التي ظهر فيها جبريل. كان النفخ إذن من جبريل الروح لا من الصورة التي ظهر فيها ، ولهذا ينسب النفخ إليه لا إليها ، كما أنّ الالوهية تنسب الى الله لا الى الصورة التي يتجلى فيها"[83].

ويقول الشيخ حسن زادة آملي وهو من علماء الحكمة المتعالية: "المعلول هو المخلوق وقد اعتبر في الخلق التقدير فينبغي أن يفرق ويميز في هذا المقام بين اول ما صدر وبين اول ما خلق. أما الصادر الاول فهو نور مرشوش ورق منشور عليها جميع الكلمات النورية الخلقية من العقل الاول الى آخر الخلق. والبحث عن ذلك بالتفصيل والاستيفاء موكول الى محله ، ولعل ما في رسالتنا بالفارسية الموسومة بالوحدة في نظر الحكيم والعارف يجديك في المقام"[84].

وقال ابو العلاء عفيفي متحدثاً عن الفرضيات الفلسفية والعرفانية بشأن الصدور والتجلّي والاختلاف بين الفلاسفة والعرفاء : "يذهب الفلاسفة المسلمون الذين تأثروا بنظرية أفلوطين في الفيوضات الى ان اول ما فاض عن "الواحد" هو "العقل الفعال" ثم توالت الفيوضات بعد ذلك في نظام تنازلي حتى انتهى الامر بالعقل الفعال آخر العقول ومبدأ الحياة الناطقة في كل ما يحتوي عليه فلك ما تحت القمر. فالعقول البشرية في نظرهم ليست سوى تعينات أو صور للعقل الفعال: تهبط على الاجسام وتبقى بها زمناً محدوداً ، فإذا فارقتها رجعت الى اصلها واتصلت به. أما فلاسفة الصوفية فلم يصوروا المسألة هذا التصوير بالرغم من استعمالهم ألفاظ الفيض والصدور وما إليها. فمذهب ابن عربي على الاقل وهو في مقدمة المذاهب الصوفية الفلسفية في الاسلام يحمل طابع وحدة الوجود التي لا أرى انها تتفق تماماً مع نظرية الفيوضات الافلوطينية. نعم يستعمل كلمة الفيض وما يتصل بها من اصطلاحات ، وقد يذكر فيوضات افلوطين بأسمائها وعلى النحو الذي ذكره هذا الفيلسوف ، ولكن للفيض عنده معنى يختلف عن معنى اصحاب الافلاطونية الحديثة كما اشرنا الى ذلك من قبل. فالوجود فائض عن "الواحد" على مذهبه بمعنى أن "الواحد" متجلّ في صور أعيان الممكنات التي لا تتناهى: كان ذلك منذ الأزل وسيبقى كذلك على الدوام. لم يجد ابن عربي وأصحابه إذت حرجاً كما وجد الفلاسفة المشاؤن من المسلمين في القول بأن الكثرة قد صدرت عن الواحد بالمعنى الذي ذكرناه: أي أن الواحد قد ظهر بصور الاعيان المتكثرة في الوجود الخارجي. ولم يأخذ بالقاعدة التي أخذ بها المشّاؤن وجعلوها أساساً لمذهبهم ، وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، بل قال إن الواحد قد صدر عنه العقل الأول كما صدر عنه الأرواح المهيمة وأرواح الكاملين من الخلق كالأنبياء والأولياء ، بل وروح كل موجود (وليس في الوجود إلا ما له روح). بعبارة اخرى صدر عن الواحد الحق كل شيء لأنه حقيقة كل شيء والمتجلّي في كل شيء"[85].

 

الصادر الاول ، الصادر الوحيد ، الحقيقة المحمدية:

فكرة الصادر الاول هي فكرة فلسفية قديمة افتراها الفلاسفة رجماً بالغيب وتبعهم في ذلك مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التي اسسها "صدر المتألهين" (ملا صدرا) ومفادها ان الله سبحانه لم يصدر عنه الا كائن واحد اطلقوا عليه اسم الصادر الاول أو العقل الاول أو الحقيقة المحمدية ، وانه تعالى شأنه لا يتمكن ان يصدر عنه كائن آخر ، ومن الصادر الاول تم خلق بقية الكائنات !! فنسبوا العجز الى الله تعالى ويتفلسفون في اثبات العجز له وحاشاه.

وممن تحدث عن الصادر الاول من المدرسة الافلاطونية الحديثة والتي ابرز رموزها الفيلسوف اليهودي فيلون الإسكندري (30ق.م- 50م) والفيلسوف المسيحي المصري افلوطين (205م-270م).

كان فيلون الاسكندري يرى أنَّ وعناية الله بالعلم ليست مباشرة ، ولكنها تتخذ وسطاء ،"فالله لا يستطيع أن يتصرف في العالم مباشرة ، وذلك لأن هذا سيتضمن الحط من شأنه بالهيولى ، وتحديد لا تناهيه، ولهذا توجد كائنات روحية وبسيطة تخلق العالم وتديره باعتبارها وراء الله".  وكذلك لا تبلغ النفس إلى الله إلا بوسطاء .والوسيط الأول هو "اللوغوس " أو الكلمة ابن الله نموذج العالم ، ويليه الحكمة فرجل الله أو آدم الأول ، فالملائكة ، فنفس الله ، وأخيرا القوات وهي كثيرة من ملائكة وجن نارية أو هوائية تنفذ الأوامر الإلهية. وكل هذه الوسائط واردة في اللوجوس الذي هو التفكير العقلاني الذي يحكم العالم، وعلاقة الله باللوجوس ، وعلاقة اللوجوس بالعالم هي علاقة فيض ، ولكن فكرة الفيض عنده ، بل وفكرة اللوجوس غير واضحة ،فهناك  في تفسيره "أقوال متعددة متباينة فاللوغوس تارة الوسيط الذي به خلق الله العالم ، كمايصنع الفنان بآلة ، والذي به نعرف الله ، والذي يشفع لنا عند الله ، وهو طورا ملاك الله الذي ظهر للآباء وأعلن إليهم أوامر الله ، على ما تذكر التوراة ، وهو مرة قانون العالم". "وتعتبر فكرة الفيض أو الكلمة logos هي أهم الجوانب التي أضافها فيلون ، تلك الفكرة التي قبلها كثير من فلاسفة المسلمين قبولا مصحوبا بالإعجاب"[86].

وكان أفلوطين يؤمن بأن الله واحد بسيط من كل وجه ، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وكان أفلوطين مشغولا بمشكلة فلسفية وهي كيف صدرت الكثرة عن الواحد البسيط؟ أو كيف وجدت هذه الموجودات المتكثرة عن الواحد ". فمذهب أفلوطين هو عبارة عن تسلسل مراتب الوجود ابتداء من المركز الأول ، وامتدادا حتى أكثر درجات الوجود تفرقا وتبددا .فهو يشرح سير موكب الوجود من الواحد تدريجيا حتى ينتهي إلى المادة التي تعد عنده أحط الموجودات مرتبة[87].

ولمعالجة اشكالية كيف ان الكثرة صدرت عن الواحد ، يقول "ابن رشد (ت 595هـ) الى أن الواحد الاول صدر عنه مباشرة وبلا واسطة جميع الموجودات المتغايرة ، ويعلل ابن رشد ذلك بأن الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق ، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول[88].

ورغم ان ابن عربي كان يرفض فرضية (الواحد لا يصدر منه الا واحد) وهو قول فلسفي لا عرفاني ، الا انه كان يرى ان "المفعول الابداعي الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا والعقل الاول عند غيرنا وهو القلم الاعلى الذي أبدعه الله تعالى من غير شيء ، هو اعجز وامنع عن ادراك فاعله من كل مفعول تقدم ذكره"[89].

يقول الاستاذ يحيى محمد[90]: " وحول الاستدلال على قاعدة الصدور، يقال انه لو جاز صدور اكثر من واحد عن الواحد البسيط الحقيقي فانه يبعث على التناقض، اذ تعتبر الذات في المبدأ الحق علة واحدة لبساطتها، وهي لكونها علة واحدة فان لها جهة واحدة للعلية، وبالتالي فانه لا يمكن ان يصدر عنها معلولان، والا لتعددت الجهة واصبحت اثنتين وقد فرضناهما واحدة، فاذا كانت احدى الجهتين تمثل ذات المبدأ الحق فان الجهة الاخرى ستكون غيرها، فيحصل التناقض. لكن مع هذا فان الذين يجيزون صدور الكثير عن الواحد لا يعدون المبدأ الحق يحمل تلك البساطة المطلقة التي تخلو من جميع الاعتبارات والتعددات، الى الدرجة التي لا تكون فيها غير الجهة الواحدة التي تبرر صدور الواحد فقط. وبالتالي فان مشكلة الاستدلال على قاعدة الصدور تعتمد على كيفية فهمنا لخصوصية المبدأ الحق وماهية الوحدة فيه. يضاف الى ان هناك نقداً اخر وهو ان من الممكن الجواب على مقولة كون صدور الكثرة عن الواحد يقتضي كثرة الجهات فيه، بان يقال انه لو كان الصدور حقيقياً، وذلك باخراج الشيء من الامكان والعدم الى الفعل والوجود عبر الارادة، فان كثرة الجهات مما يقتضيه، لكنه لا يخلّ بوحدة الذات، فحال ذلك كحال الكثرة الصورية في الذات الواحدة. أما لو كان الصدور مجازياً، كالذي عليه الرؤية الفلسفية، وهو ان يكون الصادر لازماً قديماً بقدم مبدئه، فان كثرته جائزة مع وحدة الذات، اذ يصبح المبدأ الاول مع لوازمه المتعددة على غرار العلاقة الخاصة بالذات الاحدية مع الصفات الذاتية الموجودة بوجودها. وهو امر شبيه بالانسان النفساني على ما صرح به صدر المتألهين؛ فرغم ما له من ابصار وشم وذوق ولمس وسمع فان ذلك لا يقتضي التخالف في الجهات والاوضاع، فكيف الحال مع ذات الحق. لكن مع هذا فقد اضطر الفلاسفة الى اعتبار الصفات الذاتية بعضها عين البعض الاخر كي لا تتكثر اللوازم الموجودة بالوجود الواحد البسيط.. ومن ثم لجأوا الى تطبيق القاعدة على الصفات الاضافية الفعلية المعبر عنها بالصور المفارقة او العقول التي ليست هي من العالم ولا خارجة عن ذاته المقدسة، لانها تمثل صور اسمائه وكلماته التامات وصور علمه التفصيلي بما عداه ؛ القديمة بقدمه والثابتة من دون جعل وايجاد، باعتبارها من لوازمه الموجودة بوجوده البسيط ، وهي المعبر عنها بالخزائن في قوله تعالى: {وإن من شيء الا عندنا خزائنه} الحجر/12.27"[91].

وتحدث يحيى محمد من وجهة نظر عرفانية فقال: "قد ظهر لابن عربي تصورات مختلفة وعديدة ازاء موقفه من نظرية الصدور. فهو احياناً يستدل على خطأ التعميم القائل (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) بدليل هندسي مفاده ان النقطة رغم انها تعد واحدة الا ان من الممكن ان ينشأ منها خطوط متعددة، فاذا كانت النقطة مفترضة في مركز الدائرة فان من الجائز ان يرسم عليها خطوط تنتهي الى نقط متعددة في المحيط، بحيث ان جميعها يقابل تلك النقطة وجهاً لوجه. والواقع انه يمكن انشاء ما لا نهاية له من الخطوط المنبعثة من نقطة المركز والتي تفضي الى رسم ما لا نهاية له من النقط على المحيط. لكن انما يصح ذلك باعتبار ان نقطة المركز لم تعد نقطة بسيطة، بل هي مركبة الى ما لا نهاية له من النقط الجزئية، وهو امر لا يتنافى مع قاعدة الصدور، مثلما اشار الى ذلك صدر المتألهين وهو في معرض ردّه على ذلك الاستدلال الذي نسبه الى بعض الأذكياء. وحيث رفض ابن عربي مفاد نظرية (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) حاول ان يفسر علة الكثرة من خلال فكرة التثليث[92] التي اناط بها الايجاد والتنزيل. فالثلاثة عنده هي ابسط الكثرة ، او انها اول الافراد وعنها وجد العالم. فهي في الحضرة الالهية عبارة عن علم وعالم ومعلوم، وان هذه العلاقة الثلاثية اقتضت العلاقة بين الحق والاعيان الثابتة. فالواحد بمفرده لا ينتج، وكذا الاثنان لا ينتجان ما لم يقم بينهما حركة الجماع وهي الفردية، وبالتالي فبالاحدية ظهرت الاشياء عن الله الواحد من جميع الوجوه، فالموجود الذي صدر انما صدر بثلاثة اعتبارات، هي اصل النتائج كلها، وهي وجود الذات وكونها قادرة وكونها متوجهة. فبهذه الاعتبارات والوجوه ظهرت الاعيان"[93].

وقال ايضاً: "لا يختلف العرفاء كثيراً عن زملائهم الفلاسفة حول طبيعة التنزيل والصدور لدى المفارقات العلوية. فعندهم ان ما صدر عن المبدأ الحق انما هو جملة العالم بأسره دفعة واحدة، وهو المطلق عليه الوجود المنبسط العام، والذي يفيض على كل موجود من الموجودات الخاصة. لكن مع ذلك فان اول تعين لهذا الصدور ضمن الوجود المنبسط العام هو العقل الاول1. وعليه ذهب صدر المتألهين الى التوفيق بين المذهبين الفلسفي والعرفاني، وذلك لان العرفاء وإن قالوا بالصدور الجملي والكلي للعالم دفعة واحدة عبر ذلك الوجود المنبسط، فانهم لا ينكرون التسلسل والترتيب في التعينات الخاصة، وبالتالي فقد اعتبر ان ما ذكره العرفاء حول الوجود المنبسط هو ذاته عبارة عن العقل الاول من حيث التفصيل، أما من حيث تعينه الخاص فهو ايضاً عبارة عن جميع ما في العالم من موجودات؛ ولكن على نحو الكمال والاجمال. وهنا ان مقالة العرفاء لا تبتعد عن مقالة ابن رشد المشائية، وهي ذاتها التي نحا اليها صدر المتألهين كما هو واضح"[94].

ثم اضاف: "مع هذا فهناك موقف اخر لابن عربي ازاء قاعدة الصدور الانفة الذكر، حيث عدّها صحيحة تماماً من الناحية العقلية، بل وتنطبق على جميع الموجودات باستثناء احدية الحق، حيث الكثرة تصدر عنها، وذلك لان احديته خارجة عن حكم العقل وطوره فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها الا واحد، واحدية الحق لا تدخل تحت الحكم. كذلك فلو صدر عن الحق جميع العالم فانه لا يصدر عنه الا واحد، حيث انه مع كل واحد من حيث احديته، لكن الامر يختلف عما يقوله الفلاسفة كما اشار الى ذلك. وهو في محل اخر رأى ان التعدد الصادر عن الواحد ممكن باعتبار القوابل لا باعتبار ذات الواحد. والمسألة عنده مفسرة بحسب ظهور الحقيقة الواحدة في المرايا المتعددة والمختلفة، حيث تتعدد الصور وتختلف في هذه المرايا مع ان الحقيقة واحدة، وكذا في علاقة المبدأ الحق مع تجلياته المختلفة. فهو لا يرى غير الذات الالهية وهي متجلية في كل شيء، كأمر واحد يظهر بمظاهر مختلفة كلها تبدي كونها مرايا لحقيقة واحدة، او انها اسماء وصفات هذه الحقيقة المطلقة، وان تجلي الواحد في المقامات والمراتب تظهر الوحدات المتعددة، تعدد الوجه الواحد في المرايا المتعددة، وليست هناك كثرة دالة على الاختلاف، حيث العدد لا يولد كثرة في العين، فالعالم كله وحدات ينضاف بعضها الى بعض فتسمى مركبات. وكما قيل في الشعر:

وما الوجه الا واحد غير انهاذا انت عددت المرايا تعددا

او يمكن القول ان صدور الكثرة او التعدد عن الواحد هو باعتبار ما عليه الاعيان الثابتة التي هي قوابل متعددة وغير متناهية، وعليه صحّ ما يقوله العرفاء بأن المبدأ الحق هو الواحد الكثير فكيف لا تصدر عنه كثرة؟!

مع هذا فان رؤية ابن عربي في علاقة المبدأ الحق بالكائنات هي رؤية مبتنية الى حد بعيد على تلك القاعدة. فاستناداً الى تصويره الرمزي تبعاً للالفاظ الدينية، اعتبر ان للتجلي مراتب، وان اول هذه المراتب هي الروح الكلي او العقل الاول الموصوف بالقلم، ومنه تشتق سائر العقول، ثم النفس الكلية الموصوفة باللوح المحفوظ ، حيث انها اول موجود انبعاثي، فقد طلب القلم موضع اثر لكتابته فانبعث من هذا الطلب اللوح، كانبعاث حواء من ادم، اي كان بين القلم واللوح اول نكاح معنوي معقول وله اثر حسي مشهود، ومنه عملنا بالحروف المرقومة عندنا. ومن عملية النكاح بينهما ولد توأمان، حيث اول ما القت النفس علم الطبيعة الكلية، والتي ظهرت عنها العناصر الاربعة، ثم بعدها الهباء او الهيولى الكلية، ومن نكاح هذين التوأمين ولدت صورة الجسم الكلي، وهكذا استمر التوالد ونزل الى العالم السفلي. وفي محل اخر اشار ابن عربي الى ان الله اوجد بعد تكون علم الطبيعة - وهي من عالم النور - الظلمة المحضة ، ومن ثم فاض عليها النور فظهر الجسم المعبر عنه بالعرش، وهو اول ما ظهر من عالم الخلق، ثم اوجد الكرسي في جوف العرش وجعل فيه الملائكة من جنس طبيعته، ثم خلق في جوف الكرسي فلكاً في جوف فلك، وخلق في كل فلك عالماً يعمرونه هم الملائكة، الى ان خلق المولدات الطبيعية ، حيث تصدر عن حركات السماوات والارض اعيان المولدات والتكوينات"[95].

وقال يحيى محمد في مقال آخر: (على الرغم من الاتهام الذي وجهه إبن رشد للفلاسفة المسلمين في تأثرهم بالكلاميين ومنهجهم المفضل (قياس الغائب على الشاهد)، الا انه أقر بأن تاريخ القول بتلك النظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) قديم يرجع حتى إلى ما قبل أرسطو، إذ اعترف بأنها قضية اتفق عليها القدماء حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني، فاستقر رأي الجميع منهم على أن المبدأ واحد للجميع، وأن الواحد يجب ألا يصدر عنه إلا واحد. فلما استقر عندهم هذان الأصلان طلبوا من أين جاءت الكثرة، فهناك ثلاثة أجوبة: فبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل الهيولى، وهو انكساغورس وآله، وبعض آخر قال بأنها جاءت من قبل كثرة الآلات، أما الثالث فقد قال إنها جاءت من قبل المتوسطات، وأول من وضع هذا افلاطون. وهو أقنعها رأياً)... وقال ايضاً: (كذلك انطلق إبن رشد من الموقع ذاته الذي انطلق منه الصوفية وبعض المتكلمين، فهم جميعاً سلّموا بصحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) نظرياً، لكنهم نفوا أن يكون لها مصداق في الوجود. فالمبدأ الأول عندهم عبارة عن (الواحد الكثير) ولو اعتباراً. فقد اثبت الصوفية للمبدأ الأول صفات ونسباً مغايرة لذاته عقلاً لا خارجاً، وبالتالي جاز عندهم صدور الكثير عن الواحد. وعلى هذه الشاكلة أثبت بعض المتكلمين الكثرة الاعتبارية في ذاته. ومع ذلك فانهم يتفقون جميعاً على صدق القاعدة نظرياً)[96].

وقال يحيى محمد في مقال بعنوان (إبن رشد ووحدة الوجود النوعية): (كذلك فطبقاً لمبدأ السنخية تمكّن إبن رشد من حل مشكلة الصدور بما يقترب من مآل طريقة المتأخرين من الإشراقيين الذين وفّقوا بين السلوكين الفلسفي والعرفاني. إذ لم يتقبّل الإتجاه العرفاني تلك النظرية بصورتها القائلة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد). فعلى الرغم من إعتقاده بصدق المقالة نظرياً، لكنه لم يجد لها تطبيقاً على أرض الوجود. فالمبدأ الأول عنده ليس مجرد واحد بسيط، بل له نسب متكثرة تجعله واحداً وكثيراً في الوقت ذاته، الأمر الذي يبرر على أساسه صدور الكثرة عنه).

وقال في هامش رقم (7) في نفس المقال المذكور في الفقرة السابقة: (رغم أن إبن عربي استدل بدليل رياضي ذهني على خطأ النظرية، حيث أشار إلى قضية خروج خطوط متعددة من مركز الدائرة إلى محيطها، فبرغم أن نقطة المركز واحدة غير متعددة، إلا أن هناك خطوطاً عديدة تخرج منها لتنتهي إلى نقط متعددة على المحيط، كلها تكون في مقابل تلـك الـنقطة وجهاً لوجه (ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1، ص260. كذلك: حيدر الآملي: المقدمات من نص النصوص، طبعة طهران، 1975م، ص115و116). إلا أن صدر المتألهين سخّف الاستدلال المذكور، فردّ عليه من جهة إعتبار النقطة مركبة من أمور غير متناهية، لهذا يصح عنها الصدور المتكثر، وبالتالي فإنها لا تتعارض مع مقالة الواحد لا يصدر عنه إلا واحد (الأسفار، ج2، ص206). علماً بأن إبن عربي أقرّ في محل آخر من كتابه الفتوحات - الذي ضمّن فيه دليله السابق - بعدم صحة تبرير صدور الكثرة عن طريق تلك المقالة، لذلك فقد فسّر الكثرة إستناداً إلى فكرة العدد (3) المقتبس عن الفيثاغوريين لكونه يمثل عندهم الأصل في الأعداد الفردية، معتبراً أن أبسط الكثرة في داخل العدد هو الثلاثة (أستين بلاثيوس: إبن عربي حياته ومذهبه، ترجمه عن الاسبانية عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، وكالة المطبوعات بالكويت، 1979م، ص268).

وقال يحيى محمد في نفس المقال: (كذلك انطلق إبن رشد من الموقع ذاته الذي انطلق منه الصوفية وبعض المتكلمين. فهم جميعاً قد سلّموا بصحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) نظرياً، لكنهم نفوا أن يكون لها مصداق في الوجود. فالمبدأ الأول عندهم عبارة عن الواحد الكثير ولو إعتباراً. فقد اثبت الصوفية للمبدأ الأول صفات ونسباً مغايرة لذاته عقلاً لا خارجاً، وبالتالي جاز عندهم صدور الـكثير عن الـواحد، وعلى هذه الشاكلة أثبت بعض الـمتكلمين الكثرة الإعتبارية في ذاته. ومع ذلك فإنهم يتفقون جميعاً على صدق القاعدة نظرياً. وكذا هو الحال مع إبن رشد، فهو لا ينفي المقولة نظرياً، بل على العكس أن تحليله لها يجعله يؤكدها. فإعتقاده بجواز صدور الكثرة عن الواحد مستمد من منطق إعتقاده بأن هذا الواحد البسيط فيه كـثـرة صوريـة مختلفة لا تتنافى مع كونه واحداً بسيطاً. ومن هذا الموقع فهو يصحح جواز صدور الكثرة عنه إلى درجة أنه يقول: ليس يمتنع في ما هو بذاته عقل ومعقول أن يكون علة لموجودات شتى من جهة ما يعقل منه أنحاء شتى، وذلك إذا كانت تلك العقول - أي المعلولات الفلكية المفارقة - منه أنحاء مختلفة من الصور. ويتوغل فيلسوفنا إلى أكثر من هذا، فهو لا يعترف بقاعدة الصدور نظرياً فحسب، بل يقيم مذهبه انطلاقاً منها دون تجاوزها، فيرى أن الكثرة التي تصدر عن الواحد البسيط هي كثرة مجملة في الواحد، فكما أن المبدأ الأول هو مطلق لأنه كل الأشياء، فكذا أن ما يصدر عنه من فعل لا بد من أن يكون مطلقاً بحمله للكثرة، وذلك على شاكلة الأول طبقاً للسنخية، فيكون الصادر واحداً وكثيراً، مثلما أن الأول هو الواحد الكثير. لذا اعتبر قضية صدور الواحد عن الأول صادقة، مثلما أن قضية صدور الكثرة عنه صادقة أيضاً. وهو بهذا ينحو منحى قريباً جداً من المنحى الذي سلكه الإشراقيون، سيما صدر المتألهين، وهو المسلك الذي جمع بين رأي الفلاسفة كالفارابيين وأتباعهما من جهة، ورأي العرفاء من جهة ثانية. فهو وإن كان يقول بصدور الفعل المطلق دفعة واحدة، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر تسلسل مضامين هذا الفعل طبقاً لقاعدة الإمكان الأشرف القائمة على السنخية. وكما يرى بأن ما من صفة ناقصة إلا ويسبقها وجود صفة كاملة على شاكلتها، فمثلاً أن ما وجدت فيه حرارة ناقصة فهي موجودة له من قبل شيء حار بحرارة كاملة، وكذلك ما وجد حياً بحياة ناقصة... وكذلك ما وجد عاقلاً بعقل ناقص فهو موجود له من قبل شيء هو عقل بعقل كامل، وكذلك كل ما وجد له فعل عقلي كامل فهو موجود له من قبل عقل كامل. وينطبق هذا الحال على عالم العقول المفارقة الموصوفة بالبساطة والكمال، فهي ليست متغايرة تغاير النوع ولا تغاير الشخص، بل تتغاير بمراتب البساطة في الشدة، بإعتبارها لا تحمل مرتبة واحدة من الإضافة أو المعلولية إلى المبدأ الأول، بل تتفاضل بحسب حالها من القرب والبعد منه، فكلما كانت متقدمة في رتبة الوجود وقريبة من الأول كانت أكثر كمالاً وبساطة، وبالتالي فإن المعلول الأول هو أكمل وأبسط من المعلول الثاني، وهذا أكمل وأبسط من الثالث، وهكذا. وهي وإن كانت بسيطة لأنها وحدات تامة بالفعل دون مادة ولا قوة، إلا أن لها نوعاً من الكثرة والتركيب، إذ تتفاوت في ما بينها بحسب القرب والبعد من المبدأ الأول، فهي تعقل من ذواتها معنى مضافاً إلى عللها، خلافاً لما هو الحال مع المبدأ الأول الذي نفى عنه مثل تلك الكثرة والتركيب، إذ أنه يعقل من ذاته معنى موجوداً لا معنى ما مضافاً إلى علة. على أن الجمع بين الدفعة الواحدة للفعل المطلق، وبين التسلسل الذي يقتضيه التفكير الفلسفي، جعل إبن رشد يعتقد بوجود قوة روحية واحدة تربط بين أجزاء ذلك التسلسل وتجعل من الكثرة أمراً واحداً، فهي تسري في الكل سرياناً واحداً. وإذا لم يصح وجود الأشياء إلا بإرتباط بعضها ببعض، لإفتقار كل منها للآخر كما تقتضيه علاقة العلة والمعلول؛ فإن وجودها يصبح تابعاً لإرتباطها، مما يعني أن معطي الرباط هو معطي الوجود، إذ الأشياء تفتقر بوجودها إلى المبدأ الأول من حيث إرتباطها وعالقيتها به، وحيث أن هذا المبدأ واحد، فما يعطيه يجب أن يكون واحداً طبقاً لقاعدة الصدور (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، لكن هذه الوحدة تتنوّع على جميع الموجودات بحسب طبائعها، ويحصل من تلك الوحدة المعطاة في موجود موجود وجود ذلك الموجود، وتترقى كلها إلى الوحدة الأولى. وعلى هذا الأساس قام إبن رشد بتصوير فيض هذه القوة السارية في الكل وتشبيهها بجسم الحيوان، مشيراً إلى أن الفلاسفة القدماء أجمعوا على ذلك، وهو يعوّل في هذه النظرية على كلام الاسكندر الذي يقول: إنه لا بد أن تكون هنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة ترتبط أجزاءه بعضها ببعض. فقد صرح إبن رشد قائلاً: وأما كون جميع المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحداً وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلاً واحداً كالحال في بدن الحيوان الواحد المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحداً وموجوداً بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول، فأمر أجمعوا عليه لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد.. وقد قام عندهم البرهان على أن في الحيوان قوة واحدة بها صار واحداً وبها صارت جميع القوى التي فيه تؤم فعلاً واحداً وهو سلامة الحيوان، وهذه القوى مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول.. فإن كان واجباً أن يكون في الحيوان الواحد قوة واحدة روحانية سارية في جميع أجزائه بها صارت الكثرة الموجودة فيه من القوى والأجسام واحدة، حتى قيل في الأجسام الموجودة فيه أنها جسم واحد، وقيل في القوى الموجودة فيه أنها قوة واحدة، وكانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحيوان الواحد من الحيوان الواحد، فباضطرار أن يكون حالها في أجزائه الحيوانية وفي قواها المحركة النفسانية والعقلية هذه الحال، أعني أن فيها قوة واحدة روحانية بها ارتبطت جميع القوى الروحانية والجسمانية وهي سارية في الكل سرياناً واحداً. وهذا التصور لعلاقة الكثرة بالوحدة من خلال الفعل الساري الفائض عن المبدأ الأول؛ يتفق تماماً مع ما يقوله الإشراقيون في المشرق العربي والإسلامي، فهم يعبّرون عن هذا الفعل المطلق بأنه وجود منبسط مطلق يرتبط بالمبدأ الأول إرتباط الفعل بالذات، فهو فعل الله الساري في كل شيء، وهو واحد وكثير ومجمل ومفصّل.

فالفيلسوف المشرقي صدر المتألهين يقسّم الوجود إلى مراتب ثلاث: الأولى عبارة عن مبدأ الكل، وهو الواجب الأول. والثانية عبارة عن الوجود المتعلق بغيره، كالعقول والنفوس والطبائع والأجرام والمواد. أما المرتبة الثالثة فهي الوجود المنبسط على هياكل الأعيان والماهيات، وهو المسمّى بالنفس الرحماني وبالحق المخلوق به، حيث أنه الصادر الأول وأصل وجود العالم وحياته ونوره الساري في جميع ما في السماوات والأرضين؛ كل بحسب رتبته. وهذا هو وجه إختلاف الإشراقيين عن الصوفية، فكلا الفريقين يعتقد بأصالة وثبوت الوجود الواحد البسيط ذي المراتب المتنزلة، إلا أن الإشراقيين يعتبرون المبدأ الأول تمام الأشياء وعينها - كلها - من حيث جمعه لكمالاتها، وغيره يعد من المتعلقات المرتبطة به ، وهي ما تمثل أطواره وشؤونه. أما الصوفية فتجعل من المبدأ الأول عين هذا الوجود المنبسط، إذ سريانه كسريان النفس في البدن، بل الكل واحد بمراتبه من التجرد والتجسّد، كما هو الحال مع النفس حيث تحتفظ بمرتبة لها في نفسها ومراتب أخرى تجامع فيها سائر الأعضاء. مما يعني أن الخلاف بين الفريقين ينحصر في موضوع السريان إن كان يخص الذات الإلهية أم فعلها، إذ الصوفية تقول بسريان الذات، والإشراقيون يقولون بسريان الفعل الواجب مع حفظ الذات في عزّ مرتبتها وعلوّها. أما المشّاؤون فهم وإن اعتقدوا بأن الوجود يمثل حقائق متخالفة، لكن إقرارهم بأنه عبارة عن معنى بسيط لجميع الكائنات يجعلهم يقتربون من المعنى الإشراقي الآنف الذكر، بل ربما لهذا السبب كان صدر المتألهين يرى طريقته لا تختلف عن طريقتهم عند التدقيق والتفتيش. ولعل أعظم إتفاق للمشّائين مع الإشراقيين يتمثل بما نقله إبن رشد عن القدماء حول الفعل المطلق الواحد الساري في سلسلة الوجودات، إذ نقل أنهم أجمعوا عليه، كما نصّ عليه شارح أرسطو الاسكندر. فهذا المنقول هو نفس ما قصده الإشراقيون من العقل الأول، فهو صادر أول تستمد منه سائر السلسلة الوجودية وجودها وإرتباطها وحياتها، لأنها تمثل تنزلات هذا الفعل. وبعبارة أخرى، إن هذا الفعل المطلق الساري كما يسميه المشّاؤون، أو الوجود المطلق المنبسط كما يسميه الإشراقيون، هو ذات العقل الأول الفائض عن المبدأ الواجب بإعتبارين مختلفين، إذ يمثل هذا العقل من جهة صدارة وكمال ذلك الفعل أو الوجود وتمامه، كما يعتبر من جهة أخرى سارياً في جميع أرجاء ما دونه، أي أنه مفارق مع كل مفارق، وملابس للمادة مع كل مادة، فهو مفارق وملابس؛ كل بحسب رتبته الخاصة في سلسلة الوجود، ولولا حضوره فيها بنحو ما من الأنحاء ما كان لها أثر ولا وجود)[97].

وانبرى احد اساطين الحكمة المتعالية لتصحيح فرضية الصادر الاول والوحيد (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) وهو السيد محمد حسين الطباطبائي فنجده يقول في بداية الحكمة: (لما كان الواجب تعالى واحداً بسيطاً من جميع الجهات امتنع ان يصدر منه الكثير سواء كان الصادر مجرداً كالعقول العرضية أو مادياً كالانواع المادية ، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فأول صادر منه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الواحد الظلّي ، وجود الواجب تعالى في وحدته ... لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل ، بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الاول ، فلابد من صدور عقلٍ ثانٍ ، ثم ثالث ، وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة وإن لم يكن لنا طريق الى إحصاء عددها)[98].

ويقول السيد الخميني مؤيداً فرضية الصادر الاول والوحيد: (ومنها أنه تعالى لما كان بسيطا في غاية البساطة وجميع صفاته وشـئونه الذاتية يرجع إلى الوجود الصرف البسيط فلا يتـصور فـي ذاتـه وصـفاته التجدد والتصرم والتغير وإلا لانقلب البسيط مركبا والفعليـة الـصرف قـوة والوجوب بالذات إمكان ولازم بساطة الذات والصفات أن ما يصدر منـه يكون صادرا من حاق ذاتـه وتمـام هويتـه وصـرف حقيقـة فلـو صـدر المتجددات والمتصرمات عنه تعالى من غير وسط وبالمباشـرة والمزاولـة يلزم منه التصرم والتغير في ذاته وصفاته التي هي ذاته وقد تقـدم فـساد كون الإرادة من صفات الفعل لا الذات فما صدر عنه تعالى لا يمكـن أن يصدر من إرادته لا من ذاته أومن ذاته دونها فأنها عين ذاته فـإذا صـدور المتغير و المنصرم منه تعالى مستلزم لحـدوث القـديم أو قـدم الحـادث بالذات)[99].

وقال الشيخ حسن حسن زاده الآملي: "إن هذه المسالة اي الواحد الاحدي لا يصدر عنه إلا واحد من اُمهات المسائل الفلسفية وقد تعاضد العقل والنقل فيها فإنه تحقق عن الشرع اول ما خلق الله العقل ، ثم إن لهذه المسالة الرصينة شأناً آخر أجلّ وأدقّ مما ذكر في هذا الكتاب واترابه ، وقد برهن في الحكمة المتعالية والصحف العرفانية والوصول الى ادراك حقيقته يحتاج الى تلطيف سرّ وتدقيق فكر وتجريد نظر. وذلك الشأن هو الفرق بين أوّل ما صدر وبين أوّل ما خلق ، فإنّ أوّل ما خلق هو العقل والخلق هو التقدير فالعقل هو تعيّن تقديري في التعينات التقديرية ، وهذا التعين شأن من شؤون الصادر الاوّل ونقش من نقوشه وكلمة من كلماته العليا ، وبتعبير آخر على نحو توسع في التعبير أنّ هذا التعين عارض على مادة الممكنات وتلك المادة هو الوجود المطلق بمعنى نفس الرحمن لا الوجود المطلق الحق الاحدي المنزّه عن هذا الاطلاق. والصادر الاول هو الوجود المنبسط الساري في الممكنات ومنها العقل. فأول ما خلقه الله تعالى هو العقل ، وامّا أوّل ما صدر عنه تعالى فهو الوجود المنبسط الذي هو مادة العقل ومادة جميع الممكنات"[100].

ويظهر التدليس واضحاً في كلامه فهو ادعى في بدء كلامه ان فرضية (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد) يعاضدها النقل الى جانب العقل ، ثم استشهد بحديث (اول ما خلق الله العقل) ثم تراجع في موضع آخر ليميز بين الصدور والخلق فجعل خلق العقل من باب الخلق وليس من باب الصادر الاول ، فكيف زعم معاضدة تلكم الفرضية بالنقل ؟!!

ويشير في مكان آخر الى التمييز بين الصادر الاول والمخلوق الاول فيقول: "فينبغي ان يفرّق ويميّز في هذا المقام بين أول ما صدر وبين أول ما خلق. أما الصادر الاول فهو نور مرشوش ورق منشور عليها جميع الكلمات النورية الخلقية من العقل الاول الى آخر الخلق"[101].

وقال الشيخ القونوي: "والحقّ سبحانه وتعالى من حيث وحدة وجوده لم يصدر عنه الا واحد لاستحالة اظهار الواحد وايجاده من حيث كونه واحداً ما هو أكثر من واحد. لكن ذلك الواحد عندنا هو الوجود العام المفاض على أعيان المكوّنات وما وجد منها وما لم يوجد مما سبق العلم بوجوده ، وهذا الوجود مشترك بين القلم الاعلى الذي هو أوّل موجود المسمّى أيضاً بالعقل الاول وبين سائر الوجودات ، إلخ[102].

فما معنى قولهم انه لم يصدر منه سبحانه الا واحد وان ذلك الواحد هو كل شيء ! سوى السفسطة التي بها يريدون انقاذ ماء وجههم ! ثم يزعمون ان الصادر الاول هو الذي خلق المخلوقات !! بينما الله سبحانه وتعالى يقول انه هو ((خالق كل شيء)) ، وهؤلاء يقولون بل الصادر الاول الذي هو كل شيء قد خلق كل شيء !!

ولِمَ يتمكن الصادر الاول والوحيد من خلق كل شيء بينما لا يتمكن الله تعالى من خلق كل شيء مع ان الصادر الاول والوحيد هو فيضه تعالى بحسب عقيدتهم الفلسفية الفاسدة ؟!! نعم هم ربما لديهم تعليل فلسفي جواباً على سؤالنا بل اعتراضنا ، ولكن جوابهم قد يكشف عن تهافت الفلسفة عن بلوغ تفسير فعل المقام الالهي تعالى عمّا يصفون.

ومن العلماء الذين عثرنا على تأييدهم لنظرية الصادر الوحيد (الواحد لا يصدر منه الا واحد): الشيخ محمد مهدي النراقي صاحب "جامع السعادات" في كتابه "شرح الالهيات من كتاب الشفاء"[103]، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه "الفردوس الاعلى"[104] .

فقد قال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء منظّراً لـ (الحقيقة المحمدية): "اوجد عز شأنه ذلك الصادر الاول الجامع لجميع الكائنات والوجودات الممكنات ، اوجده بمحض المشيئة ، وصرف الارادة في أزل الآزال الى ابد الآباد [وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ] والتشبيه من ضيق نطاق الالفاظ ، وإلا فالحقيقة أدق وارق من ذلك وهو المثل الأعلى الحاكي بنوع من الحكاية عن تلك الذات المقدّسة المحتجبة بسرادق العظمة وجبروت وغيب الغيوب (يا من لا يعلم ما هو الا هو) وذلك العقل الكلي أو الصادر الاول (ما شئت فعبّر) أو الحقيقة المحمدية متصلة بمبتدئها غير منفصلة عنه ، لا فرق بينك وبينها ألا انهم عبادك وخلقك ، بدؤها منك وعودها إليك ، (أنا اصغر من ربي بسنتين) والكل وجود واحد ممتد بلا مدة ولا مادة ، من صبح الأزل الى عشية الأبد بلا حد ولا عد ، ولا بداية ولا نهاية ، ومن المجاز البعيد ، وضيق خناق الألفاظ قولنا: هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وجوده قبل القبل في أزل الآزال ، وبقائه بعد البعد من غير انتقال ولا زوال"[105].

وقال الشيخ جعفر سبحاني متحدثا عن اصالة الوجود وإنّه مما يترتب عليها امور منها: "توحيد الافعال قد أثبت البرهان على أنّه لا يصدر من الواحد إلا الواحد ، فالله سبحانه هو الواحد لا يصدر منه إلا واحد)[106] !

 

وقال سيد كمال الحيدري وقد سُئِلَ عن القاعدة الفلسفية الواحد لا يصدر عنه الا واحد: (القاعدة ليس للمتكلمين وإنما هذه القاعدة للفلاسفة هذه القاعدة أعزائي من القواعد الاساسية والمهمة في المعارف الفلسفية ومنظومة الفكر الفلسفي وخصوصاً طبعا هذه موروثة من ارسطوا منذ الفين وخمسة مئة عام والى يومنا هذا وهي أيضا من القواعد المعروفة في كلمات العرفاء وخصوصا في موروثات شيخ العرفاء ابن عربي وتلامذة الشيخ ابن عربي وهذه القاعدة أعزائي وان وردت في كلمات الفلاسفة وأهل الحقيقة وأهل الصوفية بأنها الواحد لا يصدر منها إلا واحد أو الواحد لم يصدر منه إلا واحد إلا انه بحسب النصوص الروائية عندنا تطبقها ومصداقها هذا الواحد الصادر هو من؟ هو نور نبينا لأنه من الخاتم بأنه البعد المادي المقصود الحقيقة فهناك واقعا تشابك حقيقي بين الروايات التي قالت أول ما خلق نور نبيكم التي إن شاء الله سنقف عندها أين قاعدة الواحد يعني من حاول ان ينكر قاعدة الواحد على الفلاسفة والعرفاء والصوفية واقعا لم يلتفت إلى ان الروايات التي قالت أول ما خلق نور نبيكم بيان لمصداق قاعدة الواحد وهذا هو الذي أنا ادعوا إليه أقول ان عالم الدين انظروا إذا لم يكن واقفاً على مباني الفلسفية لم يكن واقفاً على مباني الصوفية العرفاية عندما يأتي إلى هذه الروايات لا يستطيع ان يفهمها جيداً والعكس كذلك إذن اعزائي الفقهية القرآني يختلف عن الفقهية الاصطلاحي وعندما أقول اصطلاحي يعني الذي يحاول الاقتصار على جزء معين من الدين العالم الديني أو الفقيه القرني هو الذي يستوعب هذه الحقيقة نعم هناك ترابط وثيق بين قاعدة الواحد وبين أول ما خلق نور نبينا)[107].

وقال سيد حسين نصر: "ان انتشار عقائد ابن عربي في الشرق يرجع اغلب ما يرجع الى صدر الدين القونوي .. احد تلامذة الشيخ وشارحي عقائده" ... "وقد طرح ابن عربي التطابق بين (الحقيقة المحمدية) التي اشارت اليها الاحاديث: (اول ما خلق الله نوري) او ما يسمى بــ (النور المحمدي) وبين العقل الكلي او الفيض الاول ، وهذا هو رأي كبار المتصوفة أيضاً"[108].

والملفت للنظر ان الربط بين احاديث اول ما خلق الله نور نبينا وبين "الواحد لا يصدر عنه الا واحد" هو ربط ساذج والاستدلال على صحة هذه القاعدة الفلسفية بتلك الاحاديث الشريفة لا يصح لأن معنى الصدور في القاعدة المذكورة يختلف عن معنى الخلق. فالفلاسفة لا يقولون بأن الواحد لا يمكنه ان يخلق الا واحد بل يتحدثون عن صدور عن الواحد وذلك الصدور يحمل معاني اخرى غير الخلق كما هو واضح من كلام الفلاسفة ! ومن جهة اخرى فإنه اذا كان اول ما خلق الله هو نور النبي (صلى الله عليه وآله) فإن ذلك لا يمنع من وجود ثاني ما خلق وثالث ما خلق الخ ... فالاحاديث الشريفة لا تتحدث عن خلق وحيد بل عن اول المخلوقات وهو نور النبي (صلى الله عليه وآله) والعقيدة الاسلامية لا تمنع من خلق كائنات اخرى بعده بخلاف القاعدة الفلسفية المذكورة. ولا ادري هل فات ذلك سيد كمال الحيدري ام أغفله انتصاراً لمذهبه (الفلسفي- الصوفي) !؟

ولقيت نظرية الصادر الوحيد (الواحد لا يصدر منه الا واحد) رفضاً من كبار مراجع واساطين علماء الشيعة الامامية ، فهذا السيد الخوئي (رض) وقد وُجِّهَ له السؤال التالي:"هل ان قاعدة (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد) ثابتة لديكم ن واذا كانت ثابتة أو غير ثابتة فهل ان الصادر الاول هو النبي محمد صلى الله عليه وآله"؟ فكان جوابه قُدّسَ سرّه: (هذه القاعدة اسسها اهل المعقول لاثبات وحدة الصادر الاول وهي غير تامة عندنا ، وعلى تقدير تماميتها لا تجري في خلق الله سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه فاعل بالاختيار وتلك القاعدة موردها الفاعل بالجبر ، والمقام لا يتسع التفصيل ، والله العالم) [109].

ولقد اجاد السيد الخوئي (قدس سره) في مباحثه الاصولية حيث قال: إن ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة ويشترك معه في نقطة ، اما نقطة الافتراق فهي: أن المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة وينبثق من صميم كيانها ووجودها ، ومن هنا قلنا ان تأثير العلة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب. واما المعلول في الفواعل الارادية فلا يرتبط بذات الفاعل والعلة ولا ينبثق من صميم وجودها ، ومن هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسالة التناسب ، نعم يرتبط المعلول فيها بمشية الفاعل وإعمال قدرته ارتباطاً ذاتياً يعني يستحيل انفكاكه عنها حدوثاً وبقاءاً ، ومتى تحققت المشية تحقق الفعل ومتى انعدمت انعدم. وعلى ذلك فمرد ارتباط الاشياء الكونية بالمبدأ الازلي وتعلقها به ذاتاً الى ارتباط تلك الاشياء بمشيته وإعمال قدرته ، وإنها خاضعة لها خضوعاً ذاتياً ، وتتعلق بها حدوثاً وبقاءاً فمتى تحققت المشية اللإلهية بإيجاد شيء وجد ، ومتى انعدمت انعدم ، فلا يعقل بقاؤه مع انعدامها ، ولا تتعلق بالذات الازلية ولا تنبثق من صميم كيانها ووجودها كما عليه الفلاسفة[110].

وكذلك جواب للسيد ابو القاسم الخوئي (رض) فنّد فيه نظرية الصادر الاول ، حيث تم توجيه السؤال التالي اليه: "أرجو بيان ماهيّة الحقيقة المحمدية والعلوية والفاطمية على الترتيب وهل هي موجودة أم من الامور التي تدخل في الشرك ؟" فكان جوابه (قدّس سره الشريف): (لا نعلم من حقيقتهم إلا أنّ انوارهم مخلوقة من الاول وأجسادهم باقية على حالها مفارقة لأرواحهم ، والله العالم)[111]. وفيه تصريح بان انوارهم (صلوات الله عليهم) مخلوقة ، وليست صادرة عن الله تبارك وتعالى كما يظن اتباع الحكمة المتعالية صدور افاضة بلا خلق !!

وقال الميرزا جواد التبريزي (رض): (ولا يخفى أنّ القاعدة المشار اليها بأصلها وعكسها (أصل القاعدة: "الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد" ، وعكس القاعدة: "الواحدلا يصدر الا عن الواحد") أسسها أهل المعقول لإثبات وحدة الصادر الاول من المبدأ الاعلى. وقد ذكر في محله أنها على تقدير تماميّتها لا تجري في الفعل بالإرادة ، بل موردها الفعل بالايجاب ، لإمكان صدور فعلين عن فاعل بالارادة مع كونهما من مقولتين ، وبما ان الصادر من المبدأ الاعلى يعدُّ من الفعل بالارادة قلا شهادة لها بوحدة الصادر الاول)[112].

وقال (رض) في موضع آخر: (ان ما اشتهر من "أنّ الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد" وهي القاعدة التي أسسها أهل المعمول لإثبات وحدة الصادر الاول عنه (سبحانه وتعالى) لا تجري في الفاعل المختار من ممكن الوجود فضلاً عن الفاعل الغني القادر العالم بالذات فهذه القاعدة لا ترتبط بالمقام)[113].

 

وممن انتقد نظرية الصادر الاول والوحيد على المستوى العقائدي: العلامة الحلي (قدس سره) في كتاب "كشف المراد"[114] ، وكذلك في كتابه (مناهج اليقين في اصول الدين)[115] ، والمولى محمد صالح المازندراني في شرحه للكافي[116] رغم انه من اهل العرفان ولكنه لا يتبع تراث ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية فيما يبدو. والعلامة المجلسي (رض) في بحار الانوار[117] ، والشيخ البهائي العاملي في كتابه "الحبل المتين"[118].

ويبدو ان الشيخ نصير الدين الطوسي (قدس سره) هو اول فيلسوف شيعي يعارض هذه الفرضية[119] ، حيث نجده يقول: (قالت الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه الا واحد. وكل شبهة لهم على هذه الدعوى (هي) في غاية الركاكة ولذلك قالوا: لا يصدر عن الباريء تعالى بلا واسطة الا عقل واحد والعقل فيه كثرة ، هي الوجوب والامكان وتعقّل الواجب وتعقّل ذاته ونفس وفلك مركب من الهيولي والصورة ويلزمهم أن أيّ موجودين فرضنا (وجودهما) في العالم ، كان احدهما (ضرورة) علّة للآخر بواسطة أو بغيرها. وأيضاً: التكثرات التي في العقل ، ان كانت موجودة صادرة عن الباريء لزم صدورها عن الواحد وان صدرت عن غيره لزم تعدد الواجب وإنْ لم تكن موجودة لم يكن تأثيرها في الموجودات معقولاً)[120].

وفي كتابه "قواعد العقائد" يقول المحقق الشيخ نصير الدين الطوسي ما نصّه: (فصل: قالت الحكمـاء: الواحد لايصدر عنه من حيث هو واحد إلاّ شيء واحد، وذلك لأنّه إن صدر عنه شيئان، فمن حيث [انه] صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر، وبالعكس، فإذن صدرا عنه من حيثيتين، والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كل الوجوه ، فأوّل ما يصدر عنه لايكون إلاّ واحداً. ثمّ إنّ ذلك الواحد يلزمه أشياء، إذ له اعتبار من حيث ذاته، واعتبار بقياسه إلى مبدئه، واعتبار للمبدأ بالقياس إليه، وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة، وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء واحد ، وعلى هذا الوجه تكثّرت الموجودات الصادرة عنه تعالى. واما المتكلمون فبعضهم يقولون إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات، أمّا [في] القادر أعني الفاعل المختار، فيجوز أن يفعل اشياء من غير تكثر الاعتبارات ومن غير ترجيح بعضها على بعض. وبعضهم ينكرون وجود العلل والمعلولات أصلاً ، فيقولون بأنّ لامؤثّر إلاّ اللّه [تعالى] ، وأنّه تعالى إذا فعل شيئاً، [كالإحراق] مقارناً لشيء كالنار على سبيل العادة، ظنّ الخلق أنّ النّار علّة ، والإحراق أثره ومعلوله، وذلك الظنّ باطل)[121].

وقال الشيخ عبد الله نعمة: (ومن آثارهم البارزة ان بعض فلاسفتهم ومنهم (نصير الدين الطوسي) قد اتى على نظرية الصدور والعقول العشرة يهدمها من اساسها. ونظرية العقول العشر لتعليل كيفية صدور الكثير من الواحد البسيط وتفسير صدور المخلوقات الكثيرة المتضادة عن المبدأ الاول ، كانت هي النظرية البارزة التي اخذ بها الفلاسفة الاسلاميون امثال الفارابي وابن سينا. وهي نظرية اغريقية نمت في احضان الصابئة الحرانيين ، وتلقفها عنهم الاسلاميون باعجاب وتقدير. اما فيلسوفنا الطوسي فقد اثبت بالبرهان المنطقي انها غير صحيحة وخاصة في "الفاعل المختار")[122].

وبيّن الشيخ ماجد الكاظمي بقوله: (فما عليه المحقق نصير الدين الطوسي (ره) في تجريده من بطلان قاعدة "الواحد لا يصدر منه إلا واحد" ، هو الحق الذي لا محيص عنه)[123].

وقال الشيخ الكاظمي ايضاً في معرض جوابه عن سؤال: (هل ان الواحد لايصدر منه الا واحد): (والجواب عن السؤال الاخير وهو هل ان الواحد لايصدر منه الا واحد؟ فنکتفي بجواب المحقق البهبهاني قدس سره حيث قال: (ان قاعدة الواحد لايصدر منه الا واحد تبتني على مسألة السنخيّة بين العلة والمعلول وهي باطلة من وجوه ثلاثة:

     الاول: انها لو صحت فموردها العلة الموجبة لا الفاعل المختار والله جل‌ وعلا فاعل مختار وعلى هذا الاساس فلا تحقق للسنخيّة اصلاً. ومن جهة اخرى ان الله جل‌ وعلا لا شبيه ولا نظير له والسنخيّة تحتاج الى شبيه ولذا فهي محالة في حقه جل ‌وعلا.

      الثاني: ان وحدة الباري تختلف عن وحدة الممكنات فان وحدته غير عددية بمعنى انه لا شبيه له ولانظير في حين ان وحدة العالم من قبيل الوحدة العدديّة فلا سنخيّة ولا تناسب بين الوحدتين.

     الثالث: اصلاً واساساً لايوجد موجود له وحدة حقيقّية الا الله جل وعلا وذلك فان كل ممكن فهو مركب من الوجود والماهيّة ولذا قالوا كل ممكن زوج تركيبي وكل زوج تركيبي ممكن وذلك فان كل وجود لوكان وجوداً فقط فلا امتياز له مع باقي الموجودات، وامتياز كل موجود عن سائر الموجودات دليل على تركبه من الوجودِ والماهية ) انتهى ما افاده قدس‌ سره.

    و لا يخفی ان رؤية الاسلام حول هذه القاعدة المزعومة واضحة حيث يقول تعالی: في سورة الرعد ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار. و ان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً  انما هو کن فيکون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نکتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا (ع) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه (ص) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال (ع) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) فان قوله (ان الله خالق کل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي  واسطة في البين  لخالقتيه تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة عليهم السلام لم يکن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد (ره) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً { والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته عليهم السلام الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار  و ان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً  انما هو کن فيکون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نکتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا (ع) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه (ص) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال (ع) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) فان قوله (ان الله خالق کل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي  واسطة في البين  لخالقتيه تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة عليهم السلام لم يکن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد (ره) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً {والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته عليهم السلام الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم اميرامؤمنين(ع) بالقتل والتحريق بالنار وقضت الائمة (ع) عليهم بالاكفار والخروج عن الاسلام}: والمفوضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة وخلقهم ونفي القدم عنهم واضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم ودعواهم ان الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة وانه فوّض اليهم خلق العالم بمافيه وجميع الافعال)[124].

وقال الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني في رد فرضية الصادر الاول والوحيد: (ان من كمال الابداع التكويني صدور الكثرة من الواحد ولا يستلزم الاشكال اصلاً في خصوص ذات الواجب وإنما الاشكال يمكن تصويره بالقياس الى الممكنات التي في واقعها الفقر الذاتي دون الغناء الذاتي. وبهذا العرض يتنور لديك حقيقة الامر بأنه لسنا في حاجة الى التمسك بأن المعلول الصادر من قبل مبدأ العلة الاولى ان يكون المعلول واحداً لكفاءة العلة وصلاحيتها ان توجد عدة معاليل في عرض واحد من غير حاجة الى الطولية بالقياس الى المطلق وإنْ كان الاشكال محققاً في جانب الممكنات)[125].

وقال السيد قاسم علي الاحمدي في رد فرضية الصادر الاول والوحيد: (حيث ان فاعليته تعالى ليست على نحو الفيضان والتنزل بل هي على نحو الابداع لا من شيء ، فلا يمتنع منه ايجاد المركب أو الاشياء الكثيرة كائنة ما كانت في رتبة واحدة. فإن الفطرة والعقل كما أشرنا يحكمان بأن الموجود القادر على إبداع الحقائق والاشياء لا من شيء أشرف وأكمل من الموجود الذي تكون فاعليته وقادريته بفياضيته من ذاته. وهذا النحو من الفاعلية هو من كمالاته وخصائص ذاته تعالى شأنه وليس كمثله شيء ، والذين ذهبوا الى خلاف ذلك ما قدروا الله حق قدره)[126].

قال الشيخ محمد الخالصي: (روّج مذهب التفويض في العصر الاخير ثلاثة نفر: الشيخ احمد الاحسائي والسيد كاظم الرشتي والحاج كريم خان الكرماني ، وزادوا فيه واوغلوا في الغلو حتى زعموا استحالة ان يكون الله خالقاً ورازقاً وانما الخلق والرزق للحقيقة المحمدية)[127]. فأين انت يا شيخ محمد الخالصي (رحمك الله) من مدرسة الحكمة المتعالية التي التزمت فرضية الحقيقة المحمدية وروّجت لها بأشد مما روجت له الشيخية ؟!!

وقال السيد محمد حسن آل الطالقاني: (والحقيقة ان الغلو ليس مما ابتليت بع بعض فرق الشيعة وحدها ، فهو صفة عامة لكل من حاول أن يجمع بين الدين والفلسفة الافلاطونية الحديثة)[128]. وقد وردت عدة احاديث عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) في النهي عن الغلو ، منها قول الصادق (عليه السلام): (اللهم لا تليق الربــوبـيــة إلا بـك ولا تـصـلـــح الالوهيــــة إلا لك) ، (والتفـويـض مـن اقـســـام الغلـو ، وهـو الاعتقاد بأن محمداً (صلى الله عليه وآله) أو علياً (عليه السلام) أو احـد الائمة المعصومين (عليهـم السـلام) يخلــق أو يــرزق أو يحيي او يميـت بالاستقـلال عـن الله أو التفويض إليه او الشراكة معه او نحو ذلك. قال الشيخ المفيد: "والمفوضة صنف من الغلاة ، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة (عليهم السلام) وخلقهم ونفي القدم عنهم وغضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم. ودعواهم ان الله تفرّد بخلقهم خاصة وانه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الفعال" ...)[129].

قال المولى محمد صالح المازندراني: ( (وهو جل وعز لا يشبه جسما) وكذا لا يشبه جسمانيا (ولا روحا) لتنزهه عن الجسمية ولواحقها وعن التشبه بالخلق المحتاج (وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب ، هو المتفرد بخلق الأرواح) السماوية والحيوانية (والأجسام) الأرضية والفلكية ، وفيه رد على من نسب خلقها إلى العقول المردة والمبادي العالية زعما منهم أنه تعالى واحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وتنبيه على استحالة مشابهته بمخلوقاته الحادثة (فإذا نفي عنه الشبهين : شبه الأبدان وشبه الأرواح) يمكن إدراج الأجسام والجسمانيات كلها في الأبدان وإدراج المجردات ولواحقها كلها في الأرواح للاشتراك في علة النفي فيكون المراد حينئذ نفي مشابهته عن جميع ما سواه)[130].

وحول "الحقيقة المحمدية" يقول الشيخ محمد جواد مغنية: "(( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)) ، ابداً لا احد يملك مع الله شيئاً حتى الانبياء ، ((وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ)) ، إنما الغيب لله ، ((وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) ، وهكذا يحدد محمد (ص) نفسه في انه يقف مع كل الناس أمام سلطان الله وقدرته على قدم المساواة ، فأين مكان الحقيقة المحمدية في كتاب الله ، وانها الروح الذي سرى في جميع الكائنات والنور الذي خلق الله منه جميع الموجودات؟ وأعظم ما في محمد وآل محمد الاطهار أنهم بلغوا من كمال البشرية وجلالها الغاية والنهاية بحيث لا موجود فوقهم إلا خالق الوجود وخالقهم وكفاهم بذلك عظمة ، ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)) ، ابداً لا أحد يقاس بمحمد وآل محمد ، فهم المطهرون من الرجس والدنس تطهيراً بإرادة الله ، ومودتهم حق وفرض على الناس في كتاب الله"[131].

 

علم الله تعالى:

وسنناقش فيما يخص علمه تعالى الذي هو عين ذاته المقدسة القضايا التالية:

الاولى: علم الله سبحانه بذاته:

يناقش الفلاسفة والعرفاء مفادها هل يعلم الله تعالى ذاته ! وهي قضية سخيفة مليئة بالسفسطة لانها تناقش الخالق الذي تعجز العقول البشرية عن ادراك كنهه. ومن سخافة هذه القضية ان بعض الفلاسفة والعرفاء يرفضون (علم الحق بذاته) ومنهم شُرّاح كتب ابن عربي كالجندي وعبد الرحمن الجامي ، بينما ابن عربي نفسه يقول بغير ذلك فيذهب الى صحة القول بـ (علم الحق بذاته)[132] ، والحق هو ما علمنا اياه الأئمة الاطهار (عليهم السلام) من أن علم الله سبحانه هو عين ذاته. لا اكثر من ذلك ولا اقل. فلا يصح ان نقول هل يعلم الله ذاته لان علمه هو ذاته فكيف لا يعلم ذاته !!

الثانية: علم الله سبحانه وتعالى بالمخلوقات:

وسفسطة اخرى خاض بها اهل الفلسفة والعرفان مفادها: (ان الله لا علم له بالموجودات الاخرى)[133] ويناقشون هذه القضية رغم ان كبارهم لم يحفلوا بهذا الاعتقاد او الراي ويقيمون الدليل على بطلانه ، الا انهم انطلقوا منه الى سفسطة اخرى وهي اثباتهم كيفية علم الله تعالى بالمخلوقات !! فانقسموا في ذلك الى:

ـ هناك من يقول بأن علمه تعالى بالاشياء علم حصولي ! وهذا القول لأبي نصر الفارابي (توفي 338هـ) ، وابن سينا (توفي 428هـ) ، وبهمنيار (توفي 458هـ) ، وابي العباس اللوكري (تلميذ بهمنيار). حيث يقولون بأن علم الحق التفصيلي بالاشياء يتم عن طريق الصور المرتسمة حيث تحصل صور الممكنات في ذاته بوجه كلي ، ولا يغيب اي امر جزئي عن علمه ، أي ان علمه بالجزئيات عن طريق الكليات  ، وعلمه بهذه الصور علم حضوري مثل علمه بذاته ، إلا ان علمه بالاشياء الخارجية يحصل عن طريق هذه الصور فيُعدّ علمه حصولياً في هذه الحالة[134]!

ـ وهناك من يقول بالعلم الحضوري التفصيلي في مقام الفعل ، وبالعلم الحضوري الاجمالي في مقام الذات. وهذا قول شيخ الاشراق شهاب الدين السهروردي (توفي 586هـ) ، والشيخ نصير الدين الطوسي (توفي 672هـ) ، وقطب الدين الشيرازي (توفي 710هـ) ، ومحمد الشهرزوري (توفي في القرن السابع الهجري) ، وسعد او سعيد بن منصور اليهودي المعروف بابن كمونة (توفي 676هـ)[135].

ـ وهناك من يقول بتعلق علم الله تعالى بالثابتات الازلية ، وهو قول المعتزلة[136].

ـ وهناك من يقول بالعلم الحضوري الاجمالي قبل الايجاد في عين الكشف التفصيلي ، وهو قول الشيخ صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) المتوفي 1050هـ.

ـ وهناك من يقول بأن علم الحق بالاشياء في مقام الاحدية - والذي هو مقام تجلي الذات للذات وقبل ظهور الاسماء والصفات عبارة عن ظهور المفصّل مجملاً ، وفي مقام الواحدية والذي هو مقام ظهور الاسماء والصفات ومظاهرها ، أي الاعيان الثابتة وذوات الاشياء وماهياتها عبارة عن ظهور المجمل مفصلاً. وهو قول بعض العرفاء وأصحاب الكشف والشهود[137] !

ـ وهناك من يقول إنّ الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات بالتفصيل وفي جميع المراتب قبل الوجود الخارجي للاشياء وبعده ظاهراً ، ويؤكدون انّ علمه بالاشياء تفصيلي حتى قبل حتى قبل ايجادها في الخارج في جميع المراتب أحدية كانت او واحدية ، لأن الاعيان الثابتة والتي هي في الحقيقة لوازم الذات والصور العلمية للاشياء العينية معلومة للحق تعالى بشكل متمايز ومفصّل من أزل الآزال. وهو قول ابن عربي واتباعه[138].

الثالثة: العلم الموهوب لله (تعالى عما يصفون):

يقول ابن عربي: "(حضرة العلم وهي للاسم العليم والعالم والعلّام)" ... "يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العليم ، والعلماء في هذه الحضرة على ثلاث مراتب: عالم علم ذاته ، وعالم علمه موهوب ، وعالم علمه مكتسب. وله حكم في الإلهيات وله حكم في الكون ، ففي الله علمه بكل شيء لذاته وعموم تعلقها بكل معلوم ، وقد بيّنا من أين تعلق علمه بالعالم ، والمكتسب في الله قوله (حتى نعلم) والموهوب في الله ما اعطاه العبد من تصرفه في المباح فإنه لا يتعين تقييده تعين الواجب والمحظور والمندوب والمكروه فحصول العلم بالتصريف في المباح علم وهب يعلمه الحق من العبد بطريق إلهية لأنه لا يجب عليه الإتيان به كما يجب عليه اعتقاده فيه إنه مباح والايمان به واجب واما مراتب هذه العلوم في الكون فهينة الخطب فإن الكون قابل للعلم بالذات فالعلم الذاتي له هو ما يدركه من العلم بعين وجوده خاصة لا يفتقر في تحصيله الى امر آخر إلا بمجرد كونه فإذا ورد عليه ما لا يقبله إلا بكونه موجوداً على مزاج خاص هو علمه الذاتي له. والمكتسب ما له في تحصيله تعمل من أي نوع كان من العلوم المكتسبة. والموهوب هو ما لم يخطر بالبال ولا له فيه اكتساب كعلم الافراد وهو علم الخضر فعلّمه من لدنه علماً رحمة من عند الله به حتى كان مثل موسى ع الذي كلمه ربه يستفيد منه ما لم يكن عنده ولا أحاط به خبراً يقول لم نذق له طعماً فيما علمه الله من العلم بالله"[139].

هذا هو ابن عربي الذي يقول السيد محمد حسين الطباطبائي عنه انه لم يستطع أحد في الاسلام أن يأتي بسطر واحد مما كتبه ابن عربي[140].

وعلى نفس المنوال يقول الحكيم مولى علي نوري: "سر عظيم عجيب غريب محصله انه (صلى الله عليه وآله) في عين كونه متعلماً من جبرائيل يكون معلماً لمن كان يتعلم منه جبرائيل وهو العلوية المسماة بذات الله العليا ، فاحتفظ بهذا"[141].

فأي شرك اعظم من هذا ؟!!

الرابعة: العلم الذاتي والعلم الفعلي:

تتناول مدرسة الحكمة المتعالية علم الله تعالى بالاشياء قبل ايجادها وعلمه بالاشياء بعد الايجاد. يقول سيد كمال الحيدري: (علمه تعالى بالموجودات قبل ايجادها وبعده علم حضوري)[142]. اما علمه بالاشياء بعد ايجادها فهو الذي يسمونه (العلم الفعلي) ، يقول سيد كمال الحيدري: (العلم الفعلي هو عين الفعل وهو غير الله سبحانه)[143].

ويقول سيد كمال الحيدري: (كما يوصف فعل الله بأنّه مخلوق له سبحانه ، كذلك يوصف بأنّه معلوم له ، وهذا هو العلم الفعلي)[144]. ويضيف: (كما أن الفعل الالهي هو خلقه فكذلك هو علمه. عند هذه النقطة تبرز ملاحظة مهمة تفيد أن هذا العلم ليس في مقام الذات ، بل هو خارج عن ذلك)[145]. ثم ذكر ان من الآيات التي تدل على العلم الفعلي هي قوله تعالى: (( الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفاً ))[146] وقال: (وجه الدلالة على الاية على العلم الفعلي أنها تتحدث عن علمٍ حادثٍ لم يكن ثم كان. من الواضح أن مثل هذا العلم لا يمكن ان يكون ذاتياً لأنه حادث ، والعلم الذاتي عين الذات قديم بقدمها)[147]. وهنا يقع سيد كمال في التناقض فهو اولاً قال ان العلم الفعلي هو عين الفعل ثم عاد ليستشهد بالآية الكريمة ويقول انها تدل على علم لم يكن ثم كان مع انها لا تتحدث عن فعل لله تعالى !! علماً ان تفسيره للآية الكريمة بانها تخص "العلم الفعلي" هو تفسير بالرأي لا يخضع للقواعد التفسيرية المعتبرة. والتفسير بالرأي حرام بإتفاق المذاهب الاسلامية جميعها.

كما ان هناك إثارات اخرى يمكن تلخيصها بالتالي:

1.      العلم الذاتي لله تعالى هو علم حضوري فهو يعلم كل شيء مسبقاً حتى علمه الفعلي قبل ان يخلقه.

2.      الفعل الالهي هو إرادة الله وهو في نفس الوقت علمه الفعلي.

3.      العلم الفعلي لم يكن ثم كان.

فهذه الإثارات تكشف عن خلل واضح في فرضية "العلم الفعلي" عند مدرسة الحكمة المتعالية التي اطلقت على إرادة الله اسم "العلم الفعلي" ثم افترضت ان علم الله تعالى يتغير تبعاً للزمن !! متناسيةً ان الله تعالى هو الذي خلق الزمن فكيف يخضع له بزعم حدوث "علم فعلي" لم يكن ثم كان !!

كما إنّ فرضية "العلم الفعلي" لم تتمكن من تفسير المقصود بعلم الله سبحانه في الاية الكريمة المذكورة آنفاً والتي تظن مدرسة الحكمة المتعالية انها وضعت تفسيراً لها ولكنه مبني على التفسير بالرأي وهو امر محرّم !!؟

ومن جهة اخرى فإنَّ قول سيد كمال الحيدري بتفسيره الآية الكريمة المشار اليها ما نصه: " وجه الدلالة على الاية على العلم الفعلي أنها تتحدث عن علمٍ حادثٍ لم يكن ثم كان. من الواضح أن مثل هذا العلم لا يمكن ان يكون ذاتياً لأنه حادث" هو يناغم مزاعم ابن عربي بالعلم الموهوب الذي تحدثنا عن بطلانه بالفقرة (ثالثاً) الماضية ، فإن قول الحكمة المتعالية بالعلم الفعلي هو نفس قول ابن عربي بالعلم الموهوب لله تعالى. فأي باطل اوضح من قولهما هذا ؟!

 

 

الارادة والمشيئة صفة فعل ام صفة ذات:

لكلمة الارادة ثلاث معانٍ:

الاول: معنى عام يرادف تقريباً الحب والرغبة وهي بهذا المعنى تستعمل في مورد الله تعالى وفي مورد الانسان أيضاً بوصفها كيفية نفسانية (في مقابل الكراهية) ، فهي من هذه الجهة كالعلم الذي يشمل العلم الذاتي الالهي ، كما يشمل العلم الحصولي للانسان الذي الذي يعتبر من قبيل الكيفيات النفسانية. ولا بد من الاشارة الى ان (الارادة التشريعية) التي تتعلق بالفعل الاختياري لفاعل آخر ، هي أيضاً من مصاديق الارادة بمعناها العام.

الثاني: معنى خاص هو: العزم على انجاز فعل ، وتتوقف على تصور ذلك الفعل وللتصديق بلون من الفائدة (ومن جملتها اللذة) له ، وهي الفصل الحقيقي للحيوان ، كما انها من مشخِّصات (الفاعل بالقصد) أيضاً.

الثالث: معنى أخصّ ، ينحصر في الموجود العاقل ، وهو: العزمُ على الفعل الناشيء من الترجيح العقلي ، وهي لا تستعمل بهذا المعنى في الحيوانات ، وحسب هذا المعنى يكون الفعل الارادي مرادفاً للفعل التدبيري ، ومقابلاً للفعل الغريزي والالتذاذي الخالص[148].

فكلمة الارادة تستعمل في الاقل في معنيين ، احدهما: الرغبة والمحبة ، والآخر: التصميم على انجاز الفعل[149].

يقول ملا صدرا بان العلم والارادة بمعنى واحد فيما يتعلق بالله سبحانه ولا يوجد بينهما تغاير لا ذاتاً ولا اعتباراً ، وإرادته هي عين علمه بالنظام الاتم[150]. ويرى الشيخ نصير الدين الطوسي إنَّ الارادة نفس داعي الفعل[151]. بينما إرادة الحق تعالى في عرفان ابن عربي هي الميل نحو المراد الخاص ، وتختلف عن العلم طبقاً لبعض عباراته وشروح المعتبرين من شرّاحه. والمشيئة من حيث الاحدية عين الارادة الذاتية ، إلا انها تغايرها من حيث الالهية. والمشيئة تابعة ومترتبة على العلم والارادة مترتبة على المشيئة . والمشيئة عناية إلهية تتعلق بالكليات ولهذا لا يزيد متعلقه ولا ينقص ، لأن الكلّي لا يقبل الزيادة والنقصان ، في حين تتعلق الارادة بالجزئيات ولهذا يزداد متعلقها وينقص ويتغير لأن الجزئي يتعرض للتغيير. أضف الى ذلك أنّ المشيئة العامة قد تتعلق بايجاد المعدوم أحياناً واعدام الموجود في احيان اخرى ، بينما الارادة تقتصر على ايجاد المعدوم ، وهي التجلي الذاتي للحق لإيجاد المعدوم[152].

 

ويذهب ابن عربي بالرغم من اعتقاده بأنّ الله تعالى متصف بصفتي المشيئة والارادة معاً ، فهو "يذهب الى ان الامر الالهي واحد ، وتعارض احدية المشيئة مع الاختيار: (فإنّ الاختيار يعارضه أحدية المشيئة) ، وأن الله مريد غير مختار. فقد اورد في إنشاء الدوائر بأنّ الله سبحانه مريد غير مختار ولا وجود لممكن في الكون لأن الوجود منحصر في الوجوب والاستحالة. والموارد التي وردت فيها بالقرآن عبارات مثل ((ولو شئنا)) ، ((ولو شاء)) واقترنت فيها المشيئة بحرف الامتناع لكونها موجوداً قديماً مستحيل العدم ، إنما تدل على استحالة ما هو ضد لمشيئته"[153].

فابن عربي يناقش ويدحض بحسب فهمه الرأي القائل "ان الارادة هي صفة فعل وليس صفة ذات" ثم بعد ان يثبت لله تعالى ارادة يعود فيقول بأن الله مريد ولكنه غير مختار كما في النص السابق !!

وعلى الرغم من اعتقاد ابن عربي بأنّ الله تعالى متصف بصفتي المشيئة والارادة معاً بالمعنى الذي اشرنا اليه ، يذهب الى ان الامر الالهي الواحد ، وتعارض احدية المشيئة مع الاختيار: "فان الاختيار يعارضه احدية المشيئة" وان الله مريد غير مختار. فقد اورد في "انشاء الدوائر" بأن الله سبحانه مريد غير مختار ولا وجود لممكن في الكون لأنّ الوجود منحصر في الوجوب والاستحالة. والموارد التي وردت فيها بالقرآن عبارات مثل ((ولو شئنا)) ، ((ولو شاء)) ، واقترنت فيها المشيئة بحرف الامتناع لكونها موجوداً قديماً مستحيل العدم ، انما تدل على استحالة ما هو ضد لمشيئته[154].

وضمن اطار القول بأن الارادة صفة ذات وليست صفة فعل ، يقول السيد الخميني: (وما قرع سمعك من بعض أصحاب الحديث واغتـرارا بظـواهر بعـض  الأحاديث من غير الغور إلى مغزاها من كون إرادته تعالى حادثة مع الفعل  ومن صفات الفعل مما يدفعه البرهان المتين جل جنابه تعالى أن يكون في ذاته خلوا عن الإرادة التي هي من صفات الكمال للموجـودات بمـا أنـه موجود وكون كالطبايع في فعله الصادر من ذاته للزوم التركيب في ذاتـه و تصور ما هو الأكمل منه تعالى قدسه : قلت لأبي عبد االله ـ عليه السلام ـ علم االله ومـشيته همـا مختلفـان أو متفقان ؟ فقال : العلم ليس ألا ترى أنك تقول سأفعل كذا إن شـاء االله ولا تقول : سأفعل كذا إن علم االله فقولك إن شاء االله دليل على انه لم يشأ فإذا  شاء كان ا لذي شاء كما شاء وعلم االله السابق .  شك ودفع ربما يقال أن إرادته تعالى لا يمكن أن تكـون عـين علمـه  تعالى فإنه يعلم كل شيء ولا يريد شرا ولا ظلما ولا شيئا من القبائح فعله متعلق بكل شيء دون إرادته فعلمه غير إرادته وعلمه عين ذاته فيجب أن يكون إرادته غير ذاته فهو مر يد لا بإرادة ذاتية وعالم بعلم ذاتي. فيدفع بما في مسفورات أئمة الفلسفة بأن إفاضة الخيرات غيـر منافيـة لذات الجواد المنطلق بل اختيارها لازم ذاته وكون إفاضة الخيرات مرضيا لها بحسب ذاته هو معنى إرادته ووزان الإرادة المتعلقة بالخيرات بالإضافة إلى العلم وزان السمع والبصر فإنهما عين ذاته تعالى مع أنهما . متعلقان بالمسموعات والمبصرات فذاته تعالى علم بكل معلوم وسـمع بكل مسموع وبصر بكل مب صر وكذلك الإرادة الحقـة مـع كونهـا متعلقـة بالخيرات عين ذاته : ولنا مسلك آخر في دفعه نش ير إليه إجمالا والتفـصيل كالبرهـان عليـه موكول إلى محله وهو أن العلم الذي هو عـين ذاتـه تعـال وهـو كـشف تفصيلي في عين البساطة حقيقته حقيقة الوجود الصرف الجامع لكل وجود بنحو الوحدة و الكشف التام المتعلق بتبع كشفه عن الأشياء إنما هو كشف الوجد بما هو وجود بالذات وجهـات الـشرور والنقـائص الراجعـة إلـى الأعدام لا يمكن أن يتعلق بذاتها العلم بالذات لنقص فيهـا لا فـي العلـم وإنما يتعلق العلم بها بوجه على جهة التبعية وبالعرض كما أن الإرادة أيضا متعلقة بها كذلك فـوزان الإرادة بعينهـا وزان العلـم فـي التعلـق الـذاتي والعرضي فما قيل من أن العلم يتعلق بكل شئ دون الإرادة غير تـام بـل كلما يتعلق به العلم بالذات تتعلق به العلم بالذات تتعلق به الإرادة كذلك وكلما يتعلق به بالعرض تتعلق هي أيضا به بالعرض. فتحصل مما ذكر أن الإرادة فيه تعالى من صفات الذات)[155].

والارادة عند صدر الدين الشيرازي (الملا صدرا) والفلاسفة تعد من الصفات الذاتية للواجب تعالى[156]، بينما هي عند السيد محمد حسين الطباطبائي هي صفة فعلية للواجب تعالى منتزعة من مقام الفعل[157].

ومن المعلوم ان الارادة تكوينية هي التي يدور حولها الخلاف بين علماء الشيعة الامامية (الذين يقولون انها من صفات الفعل) وعلماء الحكمة المتعالية (الذين يقولون انها من صفات الذات) ، أمّا الارادة التشريعية فهي خارج النزاع بين المذاهب لأنها تتعلق بما يريده الله سبحانه من عباده. بينما نجد السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه (الشيعة في الاسلام) يدلّس فتارة يتحدث عن الارادة التشريعية بدلا من التكوينية وينسبها للشيعة على انها جزء من عقيدتهم وفي المقابل يتحدث عن الارادة التكوينية عند اهل السنة ويقول انها من صفات الذات !! فيقول ما نصّه: (تعتبر الشيعة صفتي الارادة والكلام (الارادة بمعنى الطلب ، والكلام بمعنى الكشف اللفظي عن المعنى) من صفات الفعل والغالبية من اهل السنة يعتبرونها بمعنى العلم وصفات لذاته تعالى"[158]. وهو بهذا التدليس يغطي على وجود خلاف بين علماء الشيعة الامامية وبين علماء الحكمة المتعالية في موضوع الارادة الالهية ! دفعاً للحرج من اعلان مخالفة الحكمة المتعالية للعقيدة الشيعية الامامية الراسخة عبر قرون عديدة.

ويقول الشيخ المفيد (رض): " لا يخلو تعالى جدّه أن يكون مريداً لنفسه او بإرادة ، ولا يجوز أن يكون مريداً لنفسه لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون مريداً للحسن والقبيح ، وقد دلّ الدليل على أنه لا يريد القبيح ولا يفعله. ولا يجوز أن يكون مريداً بارادة لانها لا تخلو من ان تكون موجودة او معدومة ، ولايجوز ان تكون معدومة لأن المعدوم ليس بشيء [ولا] يوجب لغيره حكماً. وإن كانت موجودة لم تخل من أن تكون قديمة أو محدثة ، فإن كانت قديمة وجب تماثلها للقديم تعالى ، وكذلك السوادان والبياضان ، فيجب تماثل القديمين كذلك. وأيضاً فلو كان مريداً بارادة قديمة لوجب قدم المرادات بأدلّة قد ذكرت في مواضعها. فلم يبق إلا أن يكون تعالى مريداً بإرادة محدثة ، وهذا باطل ، من حيث كانت الارادة عند مثبتيها عرض ، والاعراض لا تقوم بانفسها ولا بد لها من محال ، ولم تخلّ محلّ هذه من ان يكون هو أو غيره ، ومحال كونه تعالى محلّ شيء من الاعراض لقدمه. ولا يجوز ان يكون مريداً بارادة محدثة تحلّ في غيره لوجوب رجوع حكمها الى المحلّ ، ولا يصح أن يكون حكمها راجعاً الى محلها ، ويكون تعالى مريداً بها ، ووجودها لا في محل غير معقول ، واثبات ما ليس بمعقول يؤدي الى الجهالات ، فثبت أنّه مريد مجازاً لا حقيقة ، فتأمل ذلك"[159].

وقال الشيخ ابو الصلاح تقي بن نجم الحلبي ت 447هـ: (وهو سبحانه مريد، لوقوع أفعاله على وجه دون وجه، وفي حال دون أخرى، وافتقار وقوع الافعال على ذلك الى كون فاعلها مريداً. لتعلّق كونه قادراً عالماً بجميعها على حد سواء، فلا يجوز اسناد وقوعها على الوجوه وفي الاوقات المخصوصة الى كون فاعلها قادراً عالماً. وإرادته فعله. لاستحالة كونه مريداً لنفسه مع كونه كارهاً، لأن ذلك يقتضي كونه مريداً كارهاً لكل ما يصح كونه مراداً، وذلك محال. ولأن ذلك يوجب كونه مريداً لكل ما تصح ارادته من الحسن والقبح، وسنبين فساد ذلك. أو بإرادة قديمة، لفساد قديم ثانٍ، ولأن ذلك يقتضي قدم المرادات، أو كون إرادته عزماً، وكلا الامرين مستحيل، وكونها من فعل غيره من المحدَثين محال، لأن المحدَث لا يقدر على فعل الارادة في غيره، لاختصاص إحداثها بالابتداء، وتعذر الابتداء من المحدَث في غيره، ويستحيل وجود قديم ثان على ما نبينه، فلا يمكن تقدير إحداثها به. وهي موجودة لا في محل، لإستحالة حلولها فيه تعالى، لكونه قديماً يستحيل كونه بصفة المحالّ، وحلولها في غيره في حيّ أو جماد يقتضي اختصاص حكمها بما حلّته، ويحيل تعلّقها به تعالى، فثبت وجودها لا في محلّ، ولوجودها على هذا الوجه الذي له انقطعت عن كلّ حيّ ما وجب اختصاصه به تعالى)[160].

 

وقال العلامة الحلي (رض): "والاوائل نفوا الارادة عنه تعالى لأن القاصد الى ايجاد شيء يكون مستكملاً بذلك الشيء من حيث انه اذا فعله حصل ما هو اولى به ان يفعله فإن القاصد لإيجاد شيء لو لم يكن له ذلك اولى به لما توجه القصدُ نحوه"[161].

وقال في (مناهج اليقين): "الحق عندي أن الارادة ليست بزائدة على الداعي"[162].

وقال في (الاسرار الخفية في العلوم العقلية): "انها العلم الخاص بما في المخلوقات من المصالح الراجعة اليهم وهو الداعي الى الايجاد ، والحكماء عبّروا عنها بالعناية وهو قريب من هذا ، فإنهم فسّروها بالعلم بنظام الكلّ على الوجه الاكمل الموجب لصدور الفعل ، والارادة والقدرة والعلم متغايرة بالاعتبار وإن كانت واحدة بالذات"[163].

وبخصوص قول العلامة الحلي (رض): "ويجب ان يعتقد أنّه تعالى مريد لأن نسبة الحدوث الى جميع الاوقات بالسويّة فلا بد من مخصّص هو: الارادة". يشرحه المقداد السيوري بقوله: "أقول لمّا ثبت أنّ العالم محدث ، فتخصيص وجود المحدثات بوقت دون وقت مع تساوي الاوقات بالنسبة اليها لا بد له من مخصّص خصّص وجوده بذلك الوقت دون غيره من الاوقات ، وإلا لزم التخصيص من غير مخصص ، وهو محال. وذلك المخصّص هو الارادة ، وهو علمه بما في وجود ذلك الحادث في هذا الوقت من المصلحة دون غيره من الاوقات ، فلهذا اختصّ وجود بذلك الوقت. هذا معنى كونه مريداً لما يفعله ، كما تقول: انّه تعالى اراد خلق العالم لما علم في وجوده من المصلحة. واما معنى كونه مريداً لأفعال عباده ، فإذا قلنا: انّه تعالى اراد من العبد الايمان ، فمعناه: انه اراد: امر به ، لأن كل من امر بشيء لا بد أن يكون مريداً [له] ، وقد أمر العبد بالايمان ، فيكون مريداً له"[164].

وقال العلامة الحلي (رض) في كتابه (شرح الباب الحادي عشر): (انه تعالى مُريد وكاره، لأن تخصيص الافعال بايجادها في وقت دون آخر، لابدّ له من مُخصص وهو الارادة، ولأنه تعالى أمَرَ ونهى، وهما يستلزمان الارادة والكراهة بالضرورة). وقد شرح المقداد السيوري هذا النص بقوله: (اتفق المسلمون على وصفه بالارادة، واختلفوا في معناها. فقال ابو الحسين البصري هي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعي الى ايجاده) ، الى ان يقول: (فإذن الحق ما قاله ابو الحسين البصري. والدليل على ثبوت الارادة من وجهين الاول ان تخصيص الافعال بالايجاد في وقت دون وقت آخر، وعلى وجه دون آخر، مع تساوي الاوقات والاحوال بالنسبة الى الفاعل والقابل، لا بد له من مخصص، فذلك المخصص إما القدرة الذاتية، فهي متساوية النسبة، فليست صالحة للتخصيص، ولأن من شأنها التأثير والايجاد من غير ترجيح، وأما العلم المطلق فذلك تابع لتعيين الممكن وتقدير صدوره، فليس مخصصاً والا لكان متبوعاً. واما في باقي الصفات فظاهر انها ليست صالحة للتخصيص. فإذن المخصص هو علم خاص مقتضي التعيين الممكن ووجوب صدوره عنه، وهو العلم باشتماله على مصلحة لا تحصل الا في ذلك الوقت او على ذلك الوجه، وذلك المخصص هو الارادة. الثاني: أنّه تعالى أمر بقوله ((اقيموا الصلاة)) ونهى بقوله ((ولا تقربوا الزنا)) فالامر بالشيء يستلزم ارادته ضرورة والنهي عن الشيء يستلزم كراهته ضرورة، فالباري تعالى مريد وكاره وهو المطلوب)[165].

وقال السيد الخوئي (رض): (الارادة منه تعالى عبارة عن المشيّة التي هي فعل من أفعاله سبحانه ، فيوجد الافعال بإعمال القدرة ويوجد إعمال القدرة بنفسه ، وهذا المعنى هو المراد في صحيحة عمر بن أذينة ، من قوله (عليه السلام): ((خلق الله المشيّة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيّة)) ، وقرأ بعض الفلاسفة واظن انه المير داماد المشيّة بالرفع مع حذف لفظ خلق، أي المشيّة ثابتة بنفسها ، مع أنّ الموجود في الرواية ذكر لفظ خلق قبل المشيّة وتكراره بعدها ، فراجع. فتحصّل أنّ إرادته تعالى لا تكون من صفاته الذاتيّة بل من صفاته الفعليّة ، [وأنّه] قد عبّر عنها في الروايات تارة بالمشيّة كما في صحيحة محمد بن مسلم ، وكما في صحيحة عمر بن اُينة التي تقدّمت الاشارة اليها واخرى بالإحداث ، وثالثة بالفعل ، كما في صحيحة صفوان بن يحيى. فالمتعيّن هو الاخذ بهذه الروايات الدالّة على أنّ إرادته تعالى هي مشيّته وإعمال قدرته ، وهي فعله فقط ، وإما الإرادة الذاتية وقد يعبّر عنها بالإرادة الازليّة التي هي الأساس لمذهب الجبر وما يرجع إليه من أنّ أفعال العباد منتهية إليها ممّا لا حقيقة له)[166].

وقال السيد عبد الاعلى السبزواري (رض): (والائمّة الهداة (عليهم السلام) جعلوا إرادته تعالى عين فعله)[167].

ويقول الشيخ حيدر الوكيل: "الارادة وهي من صفاته الفعلية ، وهي بمعنى فعله ، فارادته هي فعله ، والمراد بارادته هنا هي التكوينية ، اما التشريعية فهي المرتبطة بفعل العبد بمعنى انه يريد صدور الفعل من العبد بارادة العبد ، فيأمره وينهاه"[168].

وفي معرض ابطال مذهب ابن عربي هذا في ان (الله مريد غير مختار) آنف الذكر - يقول الشيخ ماجد الكاظمي: (هل ان ارادة الله جلّ وعلا ذاتية فلا يتخلف المراد عن الارادة؟ ام ان ارادته صفة من صفات الافعال لا من صفات الذات وانه فاعل بالاختيار؟ اقول: هذه احدى نقاط الخلاف بين الفلاسفة والاخرين حيث ان الفلاسفة تبنّوا ان ارادته تعالى عين ذاته وعليه فلا ينفك المراد عن الارادة وحاصله قدم العالم لقدم الذات المقدسة الالهية) ، وقال: (ويلاحظ عليه: ان الله جل وعلا مريد مضافاً لكونه مختاراً فليست ارادته منفكة عن اختياره فلا يمتنع ان تكون الارادة "بالمعنى الاتي من العلم" عين الذات وقديمة لكن متعلقها "يعني المراد" يحصل في وقت خاص فكون الارادة عين الذات لا ينافي تعلقها بمراد منفك زمناً عن الارادة فالذات الالهية حسب ما تقدم من الدليل العقلي القاطع قاهرة لا مقهورية ولا مغلوبية فيها. واما اعتبار ان المراد لا ينفك عن الارادة زماناً ووجوداً فمعناه حذف الاختيار عن الذات المقدسة وهو باطل عقلاً وهل يصح ان يكون لنا اختيار ونحن لا نملك من امرنا شيئاً الا ما ملّكنا الله اياه وربنا لا يملك قدرة الاختيار. ! والحاصل فسواء قلنا ان الارادة من صفات الذات ام من صفات الافعال فذلك لا يستلزم صدور الخلائق عنه تعالى بالايجاب لا بالاختيار ولذا ارجع العلماء ارادته تعالى الى صفة العلم وقالوا: "ارادته لأفعال ذاته عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية الى الايجاد في ذلك الوقت دون غيره". هذا الى ان الفاعل بالايجاب لا يسمى مريداً وذلك لأنه مضطر ومقهور على صدور الفعل منه[169].

وفرّق السيد محمد جعفر المروّج الجزائري بين الفاعل بالايجاب فخصه بأسم العلّة وبين الفاعل بالاختيار حيث قال في ضمن كلام له : (لعدم كونه تعالى علة للكائنات بل هو موجد لها بالارادة والاختيار ولا سنخية بين الواجب والممكن حتى يكون وجود الممكن من مراتب وجوده جلّ وعلا)[170].

وقال القاضي الفيلسوف محمد سعيد القمي: (اعلم ان حدوث الارادة والمشيئة من مقررات طريقة أهل البيت ، بل من ضروريات مذهبهم صلوات الله عليهم)[171].

 

الأعيـان الثابتـة:

نفس الإخفاق الفكري دائما يصاحب ابن عربي حيث يقيس الخالق تعالى شأنه بالمخلوق !  فيظن انه حيث إنَّ علم الله تعالى قديم فيكون علمه بالممكنات قديم ايضاً ، ولذلك ذهب الى اعتبار ان هناك اعيان ثابتة هي اعيان الممكنات وانها قديمة ومعدومة في نفس الوقت !! وفاته انه حيث لم يأخذ معرفته عن طريق آل البيت (عليهم السلام) فهو لا يؤمن بأن علم الله تعالى عين ذاته ، والخالق تبارك وتعالى لا يقاس على المخلوق ، فلا يُقال ان علم الله تعالى الذي هو ذاته المقدسة حيث انه قديم فعلمه بالممكنات قديم ايضاً ، حيث لا يجوز ان يكون علمه محدث او متغير لان ذلك من صفات الممكنات لا من صفات القديم. ولذلك ذهب ابن عربي الى القول بوجود اعيان ثابتة هي اعيان الممكنات جميعها وهي اعيان معدومة وازلية في نفس الوقت !! والحق هو ان يتوقف عند العلم الالهي ولا يفكر بعقله البشري القاصر عن كيفية تكوّن العلم الالهي وعدم تغيره بوجود الممكنات ، فهذا شيء لا يمكن ان يدركه عقل ابن عربي ولا غيره من العقول البشرية القاصرة. ولا يُقال عن هذا انه تعطيل عن معرفة الله تبارك وتعالى حيث ان المعرفة البشرية لهذا حدود تقف عندها فيما يخص عظمة الخالق جلَّ وعلا.

فلنلق نظرة على فكرة الاعيان الثابتة وفق تصور ابن عربي ، حيث يشرحها الدكتور محسن جهانگيري فيقول: "يبدو ان ابن عربي اول مفكر اسلامي واضع اصطلاح الاعيان الثابتة"[172] ، وقال: "الاعيان الثابتة في عرفان ابن عربي وأتباعه عبارة عن حقائق وذوات وماهيات الأشياء في علم الحق. او هي بتعبير آخر الصور العلمية للأشياء والتي هي ثابتة في علم الحق منذ أزل الآزال وتبقى ثابتة حتى أبد الآباد"[173]... "ان الاعيان ثابتة في علم الحق بالتجلي الذاتي والفيض الاقدس ، وهي موجودة بوجوده ، إلا انها معدومة في نفس الوقت ، أي غير مجعولة وليس لديها وجود خارج ومستقل عن ذاته ، وتبقى في حالة العدم والاختفاء الى الابد. وأن ما يظهر بالتجلي الشهودي للحق تعالى ويصبح ذا وجود عيني وخارجي بفيضه المقدس ، هي أحكام الأعيان وآثارها وليست الأعيان"[174].

"بل يصل الامر عند العارف حيدر الآملي الى ان يعد العلم المتمثل بالاعيان الثابتة هو ذاته  الخالق. فالاعيان من حيث إنها موجودة في العلم ومعدومة في الخارج فإنها مجعولة من حيث هي هي ، او انه لا يصدق عليها انها مخلوقة في العلم والخارج ، لذلك تكون عبارة عن الخالق بالضرورة ، حيث لا واسطة بين الخالق والمخلوق ، فالخالق واحد ومن ثم فإن الفاعل والقابل واحد لا غير ، وهو ذات هذه الاعيان"[175].

ويرى سيد كمال الحيدري وهو من اعلام الحكمة المتعالية: "ذهب الباحثون المحققون الى ان صفحة الاعيان الى الله سبحانه كصفحة الاذهان الى الانسان"[176].

ويشرح يحيى محمد فرضية الاعيان الثابتة فيقول: "لفظ الاعيان الثابتة هو لفظ عرفاني اريد به معنى الماهية الامكانية قبل ان يفيض عليها الوجود. وهو يصدق على الاشياء الكلية والجزئية ، بينما يطلق الفلاسفة على الكليات عادة مصطلح الماهيات والحقائق، وعلى الجزئيات مصطلح الهويات. ويُقصد بالاعيان الثابتة انها صور الاشياء الكامنة في العالم الالهي ، او انها صور الوجودات الامكانية. لكن اذا كنا قد علمنا ان الماهيات هي اظلال الوجود وان لها خصوصية محاكاته في الشبه، فان الامر في العلاقة بين الاعيان الثابتة والوجودات الممكنة لا يستقيم الا بان يتخذ صورة العكس، حيث يكون الوجود الامكاني تابعاً وظلاً حاكياً لما عليه تلك الاعيان. فهذه الاخيرة تسبق الوجود وتتقدمه رتبة باعتبارها كائنة في محل الجمع الالهي. والاعيان مع هذا السبق والتقدم والاصالة فانها ليست معدودة في لوح الوجود، وعلى حد قول الفلاسفة والعرفاء انها ما شمت رائحة الوجود ولا كانت موضعاً للجعل والتأثير، بخلاف الحال مع نظيرها الوجود. لكن من جانب اخر انها بهيئتها الجمعية تعبر عن ذات الوجود الالهي الذي يمثل صور الاشياء جميعاً ضمن قاعدة (بسيط الحقيقة كل الاشياء). وهنا ان الفارق بين الوجود والماهية يتحدد بحسب اعتبارات الحدود، حيث تتصف الماهية بكونها محدودة، أما الوجود المحض فهو عبارة عن مجموع الماهيات من غير ان يكون محدوداً بحد خاص، مثلما صوره صدر المتألهين. فها نحن امام مشاكلة ومطابقة اخرى بين الوجود والماهية، او الاشياء والاعيان الثابتة. فالمشاكلة والسنخية بين الوجود والماهية على الصعيد المعرفي الانساني ما هي الا نتاج تلك المشاكلة السابقة بين الاعيان الثابتة والاشياء، وبالتالي بين المبدأ الاول والوجودات الفائضة عنه. ورغم ان صدر المتألهين انكر وجود سنخية بين المبدأ الاول والماهيات الكلية ، الا ان اعتبار الماهية شبحاً وصورة للوجود، لا بد ان يحتم وجود نوع من التناسب بينها وبين الاول. نعم انه عند اخذ الوجود بمعناه الفعلي فانه لا مجال للقول بوجود اي شبه ومشاكلة بين الطرفين، لكن اخذ الوجود بمعناه الذاتي يقيم هذه العلاقة، وهو المعنى الذي صرح به ذلك الحكيم في العديد من المرات، واعترف بوجود المشاكلة والمحاكاة بين الوجود والماهية، وبالتالي يتحتم ان يكون بين المبدأ الاول والماهيات نوع من الشبه والمشاكلة مهما بدا ضعيفاً، فمن المقرر وجود هذه المشاكلة بينه وبين الوجودات الفائضة عنه، وانه مع وجود المحاكاة بين هذه الوجودات وماهياتها، فانه لا محالة ان تكون هناك مشاكلة ومحاكاة بين ذلك المبدأ والماهيات المجعولة عرضاً بجعل الوجود. بل نجد في بعض المواضع ان كلام صدر المتألهين يتضمن هذه المسانخة والمحاكاة، كالذي صرح به تعويلاً على اثولوجيا افلوطين، اذ قال: ان جميع الماهيات والممكنات مرائي لوجود الحق تعالى، ومجالي لحقيقته المقدسة، لكن المحسوسات لكثرة قشورها لا يمكن فيها حكاية الحق. ورغم اننا لا نجد اتحاداً نوعياً بين الماهيات المجردة او المفاهيم النوعية الكلية باعتبارها مفاهيم مبهمة، لكن فيما يخص الماهيات الجزئية يلاحظ انها تعكس ما عليه رتب الوجود الخاصة، وبالتالي فان تكثر الماهيات واختلافها انما يأتي من حيث كونها مفاهيم كلية غير مجعولة. وسواء اعتبرنا الماهية المجعولة هي نفس الذات المشخصة أو أنها ظل الوجود وتابعه، ففي كلا الحالتين يقتضي الامر ان تكون هناك وحدة للماهيات يسود بين مراتبها التشابه والتشكيك. الامر الذي يفسر لنا علة مشابهة محض الوجود للوجودات من حيث كونهما وجوداً، في الوقت الذي يشابه الماهيات من حيث كونه جامعاً لكل الأشياء الماهوية، او باعتبار كونه جسماً اشرف من سائر الانواع الجسمية، او انه نور الانوار جميعاً، وهو تعبير اخر عن الكيفية الماهوية وليس الوجود. هكذا حين يكون الوجود أصلاً والماهية فرعاً فانه لا يمنع من وجود سنخ وتشكيك فيما بين الفروع كما هو حاصل مع الاصول. بل اذا كانت الفروع على شاكلة الاصول، وكانت الاصول ذاتها محكومة بمنطق المشاكلة، فان الفروع ستكون هي الاخرى محكومة بهذا المنطق بالعرض والتبعية. وكل ذلك من مقتضيات قانون السنخية. كما بحسب هذا المنطق ان سريان الوجود وتنزلاته يجر معه تنزلات ما يتبعه من الماهيات. فالسريان مختص بالوجود، فهو يسري على الماهيات فيجعلها موجودة، وهو بهذا السريان الذي يحفظ للماهيات مقام التبعية يتنزل فيكون بعضه اضعف من البعض الاخر وفقاً لمقدار البعد عن المبدأ الاول، لكن ذلك يفضي الى ان تكون الماهيات التي يسري عليها الوجود هي الاخرى متنزلة بالتبع، فيكون بعضها اضعف من البعض الاخر وفقاً لما هي عليه من الرتب التابعة للوجود. مع هذا يمكن القول ان الماهيات من حيث كونها اعياناً ثابتة فانها تكون الاصل في نشأة الوجودات الفائضة، فهي لا تتقدم على وجود الممكنات فحسب، وانما ايضاً لها ارتباط سنخي معه. وهنا تنشأ المشكلة، اذ كيف يمكن تصور انها الاصل الذي تعود اليه نشأة الوجودات الممكنة مع انها لا توصف بالوجود؟ وبعبارة اخرى كيف نصف الاعيان الثابتة قبل سريان الوجود عليها، وما سر هذا السريان وعلاقة ذلك بمولد التفكير الوجودي (السنخية)؟ مشكلة تقدم الاعيان الثابتة على الوجود: لقد افترض الفلاسفة الذين قالوا باصالة الوجود في الممكنات ان هذا الوجود تسبقه الماهيات المعبر عنها بالاعيان الثابتة، لكن السؤال المطروح، هو كيف يجوز ان تتقدم الماهية على وجودها، مع ان التقدم يعطي لها بعداً من الكمال؟ باعتبار ان الاخس لا يمكنه ان يكون قبل الاشرف بحسب منطق السنخية، وبالتالي فان الاشرف هو اولى بالوجود من غيره. وقد يبدو لأول وهلة ان الفلاسفة لا يترددون في وصفها بالوجود الذي يصحح مسألة تقدمها وكمالها، وكما وصفها صدر المتألهين بانها وإن لم تكن موجودة برأسها لكنها مستهلكة في عين الجمع، وهذا الاستهلاك هو نحو موجوديتها. كما وصفها ايضاً بانها وإن لم تكن في الازل موجودة بوجوداتها الخاصة الا انها كلها متحدة بالوجود الواجبي، واعتبرها بهذا القدر قد خرجت عن كونها معدومة في الازل، دون ان يلزم شيئية المعدوم كما زعمته المعتزلة. لهذا كانت بنظره عبارة عن صور كمالات الحق تعالى ومظاهر اسمائه وصفاته ، او انها تمثل المجالي والمظاهر التي تتجلى فيها صفات الرب وظهور اسمائه. او هي كما عرفها حيدر الآملي من شئونه الذاتية التي هي عبارة عن كمالاتها الغير المتناهية الكامنة في ذاته المسماة بالصفات والاسماء والكمالات والشئون. وهي من هذه الناحية تمثل معلومات الله الازلية وصوره العلمية التي لا يجوز ان توصف بكونها مجعولة لكونها معدومة في الخارج. او باعتبارها قوابل للتجليات الالهية والاسمائية، بالتالي فانها ليست بجعل جاعل. فبهذه الاعتبارات يمكن ان يقال: كيف لا يكون للاعيان الثابتة وجود، وهي التي تمثل موضع الشهود العلمي المعبر عنه بالفيض الاقدس والمخاطبة بخطاب (كن)، فهي منتسبة بهذه الجهة الى حضرة الوجود، ومستفيضة منه الوجود الآخر العيني المعبر عنه بالفيض المقدس، والذي يعتبر محض الاضافة الاشراقية، فكيف لا يكون لها وجود اعظم من الوجود الخارجي الذي تظهر به في فيضها الآخر المقدس ؟ وهي قد سميت بالفيض الاقدس بمعنى الاقدس من شوائب الكثرة الاسمائية ونقائص الحقائق الامكانية ، خاصة انها تمثل صوراً علمية، والصور لدى الفلاسفة من طبقة صدر المتألهين احق بالوجود من غيرها. كيف لا وقد اقر هذا الحكيم بان للاشياء وجوداً الهياً كما لها وجود عقلي ومثالي وطبيعي، فذلك الوجود هو عين صور الاشياء كلها؛ كلّيها وجزئيها وقديمها وحادثها، وهو الذي اعتبره اولى ان يكون نفس الامر دون ان يلزم ثبوت المعدومات، فالمعدوم المحال لديه هو انفكاك الشيئية عن الوجود مطلقاً، لا انفكاكها عن الثبوت الخارجي مع تحققها بالوجود الرباني وظهورها فيه. بل كما سنرى ان الاعيان الثابتة تكون في رتبة الذات الالهية الاحدية هي الفاعل والقابل للموجودات، وهي خالقة كل شيء، كالذي ذهب اليه العارف حيدر الاملي والذي يتفق مع مذاق صدر المتألهين. وواقع الامر ان الفلاسفة تارة يضفون على الاعيان نوعاً من الوجود يصحح كمالها وتقدمها، واخرى ينفون ذلك عنها. فهي من حيث الاعتبار الاول لا تخرج عن الوجود الالهي، بل انها ذات الشهود العلمي الالهي وفيضه الاقدس، وبكلها تمثل عينه وان كانت غيره من حيث التعين والتقيد. لكنها من ناحية اخرى عُدت في حيز الامكان العدمي ما شمت رائحة الوجود ازلاً وابداً. وكما قرر صدر المتألهين بأن الماهيات قبل الوجود لا يمكن الحكم عليها بشيء من الاشياء، ولا حتى الحكم عليها بثبوت نفسها لها، اذ لا ظهور لها ولا امتياز فيما بينها قبل الوجود، انما بالوجود تظهر الماهيات المظلمة الذوات على البصائر والعقول، وبسبب الوجود المعقول او المحسوس يمكن الحكم عليها انها هي هي او ليست الا هي، أما هي لذاتها فليست موجودة ولا معدومة ولا ظاهرة ولا باطنة، ولا قديمة ولا حادثة. فجميع السلوب صادقة في حقها ازلاً وابداً، فلا لا ذات لها حتى يثبت لها شيء من الاشياء، وبالتالي فان ارتفاع النقيضين انما يستحيل عن الشيء الموجود من حيث كونه موجوداً لا من حيث كونه غير موجود. ومن ثم فالحكم على الماهيات ولو كان باحكامها الذاتية واوصافها الاعتبارية السابقة الازلية من الامكان والبطون والظلمة والخفاء والكمون واشباهها انما يتوقف على انصباغها بصفة الوجود واستنارتها به. لذلك يقول بعض اهل الكشف بان الماهيات لم تظهر ذواتها ولن تظهر ابداً، بل يظهر احكامها واوصافها، وما شمت رائحة الوجود اصلاً. ويوضح صدر المتألهين مراده من امر حقيقة هذه الاعيان تارة فلسفياً بعلاقتها بالوجود، واخرى عرفانياً بعلاقتها باسماء الله. ومن حيث العلاقة الاولى اعتبر ان لشيئية الممكن وجهين، هما شيئية الوجود وشيئية الماهية، وتمثل الشيئية الاولى ظهور الممكن في مرتبة من المراتب وعالم من العوالم. في حين تمثل شيئية الماهية نفس معلومية الماهية بنور الوجود، وانتزاعها من دون تعلق الجعل والتأثير بها، وكذا من غير انفكاك هذه الشيئية عن الوجود، فلا تعني موجودية الماهيات ان الوجود يصير صفة لها، بل ما يحصل هو انها تصير معقولة من الوجود ومعلومة منه، فيكون المشهود هو الوجود والمفهوم هو الماهية، وبذا تمتاز شيئية الممكن عن الممتنع، وتتقبل الفيض الربوبي وتستمع أمر (كن) فتدخل في الوجود بامر ربها. فالاعيان الثابتة مستعدة في ذواتها وحال عدمها لقبول الامر الالهي اذا ورد عليها الوجود عبر تلك الكلمة، كما في قوله تعالى: {انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون} النحل/40، حيث بها تكونت وظهرت في الاعيان الخارجية. هكذا ان شيئية الماهية للممكن وثبوتها للامر الواجبي والفيض الالهي هو ظهور احكامها بنور الوجود لا اتصافها به. ويؤيد هذا الذي ذكره صدر المتألهين هو ان الممكنات عند العرفاء والصوفية ليس لها الا الشيئية الثبوتية، لا الشيئية الوجودية الا مجازاً، ولاجل ذلك لما سمع ابو القاسم الجنيد حديث كان الله ولم يكن معه شيء قال: والآن كما كان. فالماهيات او الاعيان من هذه الناحية لا تتصف بالوجود، انما لها شيئية وسطية بين الوجود والعدم التام، هي تلك المطلق عليها الشيئية الثبوتية. ومن حيث العلاقة الثانية، اي علاقة الاعيان باسماء الله كما يصورها العرفاء ويتابعهم فيها صدر المتألهين، فهي ان هذه الاعيان تُعد لوازم تلك الاسماء، وعند القيصري ان الاعيان تارة تكون عين الاسماء بحكم اتحاد الظاهر والمظهر، وتارة اخرى غيرها ، وهي من حيث كونها من لوازم الاسماء فذلك يعني ان تكثرها مستند الى تكثر الاسماء او الصفات، وكما يشير القيصري واتبعه في ذلك صدر المتألهين، انها من حيث كونها في غيب الحق وحضرته العلمية تعد شؤون الحق واسماءه الداخلة في الاسم الباطن، ولما اراد الحق ايجادهم ليتصفوا بالوجود في الظاهر كما اتصفوا بالثبوت في الباطن اوجدهم باسمائه الحسنى، فاول مراتب ايجادهم اجمالاً هو في الحضرة العلمية التي هي الروح الاول ، وبه دخلوا تحت الاسم الظاهرالذي هو مظهر العلم الالهي، كما انه مظهر القدرة الالهية. والاعيان الثابتة هي التي تعلق بها علم الله، فادركها على ما هي عليه مع لوازمها واحكامها. فالعلم في المرتبة الاحدية عين الذات مطلقاً ، وفي المرتبة الواحدية التي هي حضرة الاسماء والصفات صور مغايرة للذات حيث فيها الاعيان ، وذلك نظير ما ذهب اليه المشاؤون من ان علمه تعالى بالاشياء عبارة عن صور موجودة بعد وجوده وعلمه بذاته، وهي قائمة بذاته قيام الاعراض بموضوعاتها. لكن لدى صدر المتألهين ان الامر ليس كذلك، فقد اعتبر الاعيان الثابتة معان متكثرة انسحب عليها حكم الوجود الواجبي بالعرض، والتغاير بينهما ليس بحسب الوجود، بل بحسب المعنى والمفهوم. فعلم الله بالاشياء علماً تفصيلياً عبارة عن المعاني والنسب اللازمة لاسمائه وصفاته، وهذه الاسماء والصفات ليست متأخرة في وجودها عن وجود الذات الاحدية تأخر الصفات الزائدة على الشيء عن وجوده، بل هي موجودة بوجود الذات، فتكون صفات الله عين ذاته وجوداً وغيرها معنى، وكذا الاعيان والمظاهر قياساً بالاسماء والصفات. فهذا هو معنى كون الاعيان قبل وجودها في الخارج موجودة في علم الله، وليس كما يفهم من ظاهر كلمات العرفاء من ان ثبوتها يجعلها منفكة عن الوجود. فهي اذن موجودة قبل وجودها في الخارج بوجود الاسماء والصفات، بل بوجود الحق، لكنها هناك غير مجعولة الوجود، كما انها غير مجعولة العين، وهي في الخارج مجعولة الوجود، فجعلها هنا تابع لجعل الوجودات الامكانية كما ان لا مجعوليتها هناك تابع للا مجعولية الوجود الواجبي. وبالتالي جاز القول ان العلم تابع للمعلوم، كما جاز القول ان المعلوم تابع للعلم، لاختلاف الجهتين، فثبوت الاعيان من حيث هي هي هو غير وجودها في علم الله بوجود الذات، غيرية الماهية من حيث هي لوجودها، والاول معلوم والثاني علم، فيكون العلم تابعاً للمعلوم. ثم ان وجودها في العلم الاحدي مقدم على وجودها في الخارج، فيكون المعلوم تابعاً للعلم. اذن ان ثبوت هذه الاعيان انما بحسب صفاته واسمائه، فهو مشيء الاشياء، مثلما انه بحسب فعله وجوده موجد الموجودات ومظهر الهويات. فشيئية الاشياء انما هي برحمة الصفة لا برحمة الفعل، وصفات الله لا تعلل. وواضح هنا ان صدر المتألهين لا ينفي عن الاعيان الثابتة وجودها، انما ينفي عنها ذلك الوجود الجعلي، وبالتالي انه بحسب هذا المفهوم لا تكون الاعيان وسطاً بين الوجود والعدم التام، فهي موجودة بوجود غيرها من غير جعل. اذ الجعل لا يكون للقابل او الماهيات، بل يصدق على الوجود الخارجي، فهي من حيث هي هي ليست مجعولة. ومن المفترض ان تكون في وجودها اللا جعلي هذا اكمل واتم مما هي عليه في وجودها الجعلي اللاحق، خاصة وانها تعد من لوازم الاسماء والصفات الالهية، وبالتالي لا مبرر لاعتبارها تمثل ذلك الثبوت المظلم. حتى استدل العرفاء والاشراقيون على هذا النوع من الثبوت المظلم للماهيات بالحديث النبوي القائل: خلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليه من نوره؛ اشارة الى ثبوتها في العلم قبل ان تظهر بالوجود، او المعبر عنه بالشيئية دون الوجود. وكذا استدلوا عليها بقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} الانعام/ 1، حيث اعتبروا تقدم الظلمات على النور للاشعار بثبوت الاعيان او الماهيات في الثبوت العلمي. وكان ابن عربي يرى ان الظلمة هي غيب الغيب وحضرة الهية لا تُسلك ابداً الا بنور السالك. وعلى ما يبدو انه هنا يراد لها من الكمال الذي هو كمال الباطن ما يفوق كمال الظاهر او الوجود الخارجي. مع ان هناك مشكلة تتعلق بتفسير الحديث النبوي والآية القرآنية الانفي الذكر. فلفظة (خَلَقَ) في الحديث لا يمكن تفسيرها بمعنى جعل واوجد وما شاكل ذلك، اذ الاعيان الثابتة ليست مجعولة، لهذا فسرت بـ (قدّر)، فيصبح المعنى ان الله تعالى قدّر الخلائق في عالم الظلمة لكونها لم تتنور بعد ولم تتعلق بالايجاد والجعل من قبل الاسماء الالهية. والواقع ان هذا المعنى حتى لو كان يطابق الحديث تماماً من حيث كون (خلق) بمعنى (قدّر)، فانه لا يطابق مقام ما هو عليه الماهيات الا مجازاً، فهي لا تخضع لتقدير مقدر بمعنى القياس والتدبير، فهي مقدرة بذاتها دون حاجة الى من يقدرها، لكونها تمثل جمعاً عين ذات المبدأ الحق. أما ما جاء في الآية من كون الجعل شاملاً لكل من الظلمات والنور حيث يقول تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، فقد فُسّر الجعل ايضاً على معنى التقدير من حيث هو متعلق بالظلمات، فيكون معنى جعل انه (قدّر)، في الوقت الذي لا يخرج معناه عن الجعل والايجاد، فيكون بمعنى (قدّر) بخصوص الظلمات، وبمعنى (جعل واوجد) بخصوص النور، وهو تأويل وتفكيك لسياق الآية كما هو واضح. وفي جميع الاحوال يلاحظ ان الاستدلال المذكور حول اسبقية الظلمة على النور يواجه اعتراضاً، وهو ان الماهيات في العالم الجمعي الالهي ينبغي ان تكون اكمل مما هي في هذا العالم لاعتبارات تتعلق بانها في عالم السبق والجمع والصورة والاله، مما هو مفضل على عالم الخلق والمادة. فكان الاولى ان لا يصرح بأنها في محل التقدير، فهي في عالم يفيض عليها بالوجود ضمن ما يعرف بالفيض الاقدس، وان كان باعتبار آخر يمكن القول بانها غير موجودة بالوجود الجعلي لعدم تنزلها الى عالم الخلق. فهي اشبه بقطة شرودنجر التي أُعتبرت قبل الرصد والكشف وانهيار الدالة الموجية بان حقيقتها ليست حية ولا ميتة، بل بين بين، ضمن عالم الامكان والاحتمال، كالذي صرح به نيلز بور. وهو ما جعل اينشتاين يعتبر هذه القصة غير مكتملة ولا مفهومة. بل لا ينفع ما قد يطرح للتوجيه من ان الاعيان لو اُخذت مقيدة منفصلة عن بعضها البعض فهي ماهية بلا وجود لاستهلاكها في عين الجمع، ولو اُخذت كلها مطلقة فهي وجود عبارة عن ذات الحق نفسها. فيصبح هذا العالم وجوداً من حيث الكل، وليس وجوداً من حيث التقييد، وهو حق بالاعتبار الاول، وخلق بالاعتبار الثاني، وكذا مطلق ومقيد. فهذا التوجيه الذي يجعلنا نقترب من المفهوم الصوفي لوحدة الوجود، لا يسعه ان ينكر كثرة تلك الصور في عين الوحدة الجمعية، وهو الامر الذي يصحح وجودها قاطبة. وعليه لو اعتبرنا أن للاعيان وجوداً، هو الوجود غير المجعول، فستصبح الماهيات في ذلك العالم هي عين الوجود بلا فرق، رغم انه بالوجود الجعلي تتمايز الماهية عن الوجود. ومن ثم سيتصحح المعنى فيكون سريان الوجود وفيضانه على الوجود بالذات، اي اضافة الوجود الجعلي على الوجود غير المجعول. اما علة نفي الوجود عن تلك الاعيان لدى الفلاسفة، او ترددهم في ذلك، انما يرجع على ما يبدو الى ان الاقرار بوجود الاعيان يفضي بثبوت موجودات كثيرة متمايزة في عين الذات الواحدة. ولا شك ان الفلاسفة يخشون من مثل هذه الكثرة للوجود في المبدأ الاول، وهو ما جعلهم يتحاشون اثبات وجودها، الا بنحو استهلاكيتها وجمعها، فعبروا عن ذلك بتعبيرات اخرى هي اقرب للتوسط بين الوجود والعدم. رغم ان الفلاسفة والعرفاء يعولون على هذه الاعيان في تفسير العديد من المظاهر التي تخص العلاقة الجارية بين الحق والخلق. ومن ذلك انها منبع للخير والشر كما يراها العرفاء. اذ ليس للحق سوى ان يفيض عليها وجودها الخارجي الآخر. فالسريان هو اظهار الاعيان وابراز احكامها من عالم الظلمة والخفاء الى عالم النور والظهور، فهي اظلال النور، حيث ظهورها به وعدميتها في نفسها. وان هذا الاظهار يجعل من علاقة الحق بالخلق علاقة تكاملية، فاحدهما يحتاج للاخر ويفتقر اليه، كالذي يصوره لنا ابن عربي في التقابلات التي يقيمها بين الحق ووجودنا، ومن ذلك قوله: فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون اليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر الينا من حيث ظهوره لنفسه. وكذا قوله في بيت له من الشعر: (فأنى بالغنى وأناأساعده وأسعده) ، والمعنى هو ان الحق ليس غنياً الغنى المطلق، فنحن نساعده باعياننا الثابتة في ظهور اسمائه وتجلياته وجميع كمالاته فينا، فالقابل مساعد للفاعل في فعله، وذلك بقبوله هذا الفعل34. وعلى حد قول الجندي بان هذا البيت يشير الى توقف النسب الاسمائية على الاعيان الكونية، فان الالهية متوقفة على العبودية، فهو من حيث انيتي العبدانية يساعده بي ويسعده، كما قال تعالى: {ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم} محمد/ 7، والنصر المساعدة والاسعاد في تحقيق الربوبية والالوهية، وحسن تأتي القابل في كمال مظهريته لربه اسعاده له، فان سعادة الحقايق والنسب الاسمائية ان يظهر اثارها في مظاهرها. مهما يكن فان للوجود مراتب وتعينات مختلفة، هي الذات ثم اسمائها وصفاتها التابعة لها، ثم ما يلزم عنها من الاعيان الثابتة المسماة بالفيض الاقدس، وبعد ذلك الوجود الخارجي المجعول المعبر عنه بالفيض المقدس. فالفيض المقدس - كما يقول الاملي - مرتب على الفيض الاقدس، وهذا الاخير مرتب على الاسماء الالهية، وهذه الاسماء مرتبة على الذات الازلية. او يمكن القول ان هناك الذات الحقة التي تتضمن اسماءها وتوابعها، ومن بعدها الوجودات الخاصة الخارجية الموجودة بسبب التجليات الحاصلة من الذات بحسب شؤونها واسمائها على الاعيان. لكن سؤالنا هو: كيف امكن لهذا التجلي ان يتم؟ وبعبارة ثانية ما هو مبرر انبساط الوجود من الذات الحقة على غيرها؟ ثم ما هي طبيعة العلاقة بين هذه الوجودات؟ كما ان تفسير ظاهرة السريان والنقص والتعدد والاختلاف بحسب تفاوت الماهيات يثير مشكلة كتلك التي طرحها النراقي، وهو ان الماهيات اعتبارية بحسب القائلين باصالة الوجود، فكيف يجوز ان تكون هي السبب للتعدد والاختلاف مع انها من العدميات؟ كذلك هناك مشكلة اخرى تجعل القول بالوجود الجعلي ينافي القول بالوجود الواحد المنبسط، فالاخير لا يدع مجالاً للجعل والتأثير باعتباره واحداً غير متكثر حتى يؤثر بعضه في البعض الاخر، فصفته الثابتة من الوحدة والانبساط لا تدع مجالاً لتلك المقالة، والا تضمن شيئاً من التغير والانقلاب، وكما قال العارف الخميني انه بحسب ذوق العرفاء فان الماهية هي المجعولة باعتبارها مفتقرة وليس في الوجود جعل ابداً، بل له الاصالة والحقيقة والظهور والبطون والاولوية والاخرية، وليس هذا عنده من الجعل38. وبالتالي فالقول بالسريان هو قول مجازي، فليس من شيء يسري على شيء اخر، اذ ليس في العين غير الوجود الواحد المنبسط بذاته اصلاً. هكذا فان الجعل والتأثير لا يلوح الاعيان الثابتة التي تمثل القابلية للوجود، بل كذلك يصدق الامر على الوجود ذاته باعتباره واحداً غير متكثر"[177].

ويقول ملا صدرا في احد اوجه تفسيره لحديث (كنت كنزا مخفياً) الخ ، قال: "ان للاشياء وجودين، وجودا علمياً ، ووجوداً خارجياً ، فالوجود العلمى هو المسمى بالاعيان الثابتة ، و هى ازلية قديمة ؛ و الوجود الخارجى محدث، فخفاء اللّه تعالى بالنسبة الى الاعيان الثابتة في الازل ، فان الاعيان الثابتة موجودة مع اللّه لكن لا علم لها به ، فيكون اللّه مخفيا بالنسبة إليه. فلما اراد ان يعرفه الاعيان الثابتة اخرجها من الوجود العلمى الى الوجود الخارجى ليعرف اللّه تعالى، اذ لا يعلم اللّه تعالى الّا بالوجود الخارجى"[178].

سفسطة ، ويا لها من سفسطة !!

 

موقف الفلاسفة والعرفاء من النبوة:

هذا البحث من اخطر البحوث التي تكشف عن حقيقة رؤية الفلاسفة والعرفاء للنبوة والانبياء ولذلك سوف نتوسع بنقل اجزاء كبيرة من مقال الاستاذ يحيى محمد الذي يكشف عن فكر خطير عند الفلاسفة واهل العرفان.

قال الاستاذ يحيى محمد: "ان الفلاسفة والعرفاء يفهمون من النبوة بعداً اخر يترتب على العلم الشمولي، وهو البعد المتمثل بالولاية والحاكمية. فلدى الفلاسفة ان النبي او الفيلسوف مفوض بحسب ما له من العقل الفلسفي لأن يحكم العالم على صورة ما يحكم المبدأ الحق الموجودات، بتكميل النفوس البشرية وايصالها الى غاياتها المتمثلة بالمفارقات السماوية، او على شاكلة ما يسمى المدينة الفاضلة كما لدى الفارابي. فيشترط في رئيس هذه المدينة ان يكون حكيماً فيلسوفاً نظير المبدأ الاول الذي يرأس مملكة الوجود. والفيلسوف يطرح نفسه هنا - كاعلم من في الارض لاصلاح المملكة الاجتماعية مثلما هو الحال مع المبدأ الاول باعتباره اعلم من في الوجود، اذ بعلمه تتحدد العناية بالوجود، حيث العناية عين العلم، والعلم عين الوجود. أما لدى العرفاء فالامر اكثر بعداً وعمقاً، فعندهم ان سلطة النبي او الولي العارف لا تنحصر بالسلطة الظاهرة التي يحكم بها النبي الناس، بل تتقدم عليها سلطة اخرى تفوقها وتكون علة لها، فهي تشكل نيابة عظمى عن الحق لصنع العالم وتكوينه. وهذه هي احدى اسقاطات المنظومة الوجودية، فكما سنرى ان العرفاء اسقطوا كلاً من العلم الالهي وكيفية التنزلات الحقية او الخلقية على العلاقة التي تخص النبي والعارف بالوجود. فهذه العلاقة هي ايضاً عبارة عن علم وصنع وايجاد، او انها علاقة الوهة. ان ما يثير الاهتمام في الموقف الوجودي من النبوة، هو انه رغم الاتفاق المبدئي بين الفلاسفة والعرفاء حول ما تمثله هذه المرتبة من حقيقة علمية او ادراكية، الا ان الملاحظ هو ان كلاً من الفريقين لم يولها حظاً يفوق المرتبتين التين يتمتعان بهما، كلاً على حدة، واعني بذلك مرتبة الفلسفة والعرفان. فالفلاسفة جعلوا النبوة اقل مكانة وقدرة علمية مقارنة بالفلسفة. وكذا ان العرفاء فعلوا نفس الشيء في المقارنة بينها وبين العرفان. لكن مع الاخذ بعين الاعتبار ان النبي له اكثر من درجة ومقام، فهو لدى الفلاسفة نبي وفيلسوف، وهو لدى العرفاء نبي وولي عارف، وهو تخريج يبعد عنهم التهمة التي يعدون فيها انفسهم افضل من الانبياء وارقى درجة منهم. وعليه كان لا بد ان نلقي ضوءاً على طبيعة المرتبتين اللتين يمتثلهما النبي بحسب رؤية كلا الفريقين، وهما النبوة والفلسفة، وكذا النبوة والولاية العرفانية، تبعاً لما سبق ان بحثناه حول كل من العلم الالهي وتجلياته في العقول المفارقة، وقضية التنزيل وما لها من علاقة بالالوهة وصنع العالم".

ويضيف: "لدى الفلاسفة ان عقل الانسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعال، فليس لهذا العقل الاخير تأثير مباشر على الجسم، انما يتحقق تأثيره لما هو على شاكلته من العقل الانساني. فكما يقرر الفارابي ان العقل الفعال مختص بكمالات الانسان العقلية، فهو يمنح الانسان قوة ومبدءاً يمكّنه من ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات. وعليه لما كان الانسان مرتبطاً بالوهة العقل الفعال؛ لذا تتعين حركته الكمالية بالاتصال بهذا العقل الكلي، بل والاتحاد به. فالادراك انما يكون لما هو شبيه له كما يقول الفلاسفة من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، او انها تفضي الى حالة الاتحاد التي هي اعظم واشد من حالة الشبه؛ كالذي عليه صدر المتألهين. لذا فالاتصال او الاتحاد بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنبي كما سنرى. وبحسب الرؤية الفلسفية فان حقيقة النبوة هي نفس جامعة لعوالم علم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل، وقد قُدّر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعال4، واقتضى هذا التقدير ان يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. فكلاهما يتصل بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الافضلية باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفقاً لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والاخلاقية كالذي يراه النظام المعياري. وما يميز القوى الثلاث فيما بينها، هو ان القوة الاولى (العقلية) تمكّن النبي من ادراك الحد الاول دفعة واحدة، فيتحول من المعقولات الاولى الى المعقولات الثانية في اقصر الازمنة لشدة الاتصال بالعقل الفعال، حيث يفيض على النفس العلوم، فتصبح نفس النبي عقلاً مستفاداً أقل رتبة من العقل الفعال باعتباره علة هذه النفس النبوية. فالنبي يخضع هنا - لسلطة الالوهة المتمثلة بالعقل الفعال جبريل. أما القوة الثانية (التخيل) او الحس الباطني، فهي تحاكي القوة الاولى وتكون مثالاً لها بحسب منطق السنخية، اذ تقوم بتصوير العلوم العقلية بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام، بحيث يتمثل للنبي ما يعلمه من نفسه فيراه ويسمعه، فيرى في نفسه صوراً نورانية هي الملائكة ويسمع اصواتاً هي كلام الله او وحيه، وهي من جنس ما يحصل للبعض الذين يمارسون الرياضات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين، وكذلك من جنس ما يحصل للنائم في منامه، حتى عُدّ النوم جزءاً من اجزاء النبوة. او كما قال ابن سينا: ان الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزءاً من النبوة. وخاصية هذه القوة في النبوة هي للدلالة على المغيبات والانذار. في حين ان القوة الثالثة (الحسية) تتيح لنفس النبي تغيير الطبيعة، والتأثير في مادة العالم، كما تؤثر النفس في بدنها، ومن ذلك تحدث الخوارق والمعجزات، بالتأثير في هيولى العالم بازالة صورة وايجاد صورة اخرى، كإن تؤثر