بسم الله الرحمن الرحيم

 

مَركزُ المَعارِفِ المُحَمَّديِّة 
لدراسات الاصالة الدينية
القَوْلُ منِّيْ فيْ جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فيما أسَرُّوْا ومَا أعْلَنُوْا فِيْمَا بَلَغَنِيْ عَنْهُمْ وَفِيْمَا لَمْ يَبْلُغْنِيْ
 

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

 

 

مصطلح "الحديث القدسي" بين الصوفية والسلفية والشيعة

نبيل الكرخي

 

مصطلح ليس له ميزة عقائدية او شرعية ، بل هو مصطلح يدل فقط على إنَّ الحديث ينقل كلام او فعل رب العزة تعالى شأنه ، فهو كباقي الاحاديث النبوية الشريفة من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)).

والحديث القدسي لا يجب فيه ان يوصف في نصه انه "حديث قدسي" ، بل يكفي ان يرد فيه تعابير من قبيل (قال الله) او (يقول الله) او (قال ربكم) او(يقول ربكم) او (اوحى الله ...) وهكذا. وسنرى ان مصطلح (الحديث القدسي) هو مصطلح مستحدث من قبل ابن عربي ، وروج له ابن تيمية ، ومن ثم انتشر بين مختلف المذاهب الاسلامية !!

ان مصطلح الحديث القدسي لا ميزة اضافية فيه تختلف عن ميزات الحديث النبوي الشريف. واقصى ما يمكن اعتباره فيه هو انه مصطلح من مصطلحات الحديث ، ولكنه مصطلح لا ينتج اي اثر اكثر من بقية الاحاديث النبوية. فكل ما ينطق به النبي (صلى الله عليه وآله) هو حق ، سواء كان الحديث يحكي قولاً من اقوال الله تبارك وتعالى او يحكي كلاماً من كلام النبي (صلى الله عليه وآله).

يقول عادل ابو المعاطي في مقدمته لكتاب الاحاديث القدسية للشيخ محمد متولي الشعراوي: (والحديث القدسي مبثوث في مدونات السنة ومصنفاتها المختلفة من صحاح ومسانيد وسنن ومعاجم وجوامع وغيرها ، لا يتميز دون سائر أحاديثها في باب مستقل أو موضع محدد. وهو منقول بطريقة الآحاد كعامة الأحاديث النبوية ولذا فإنه يخضع لقواعد علم الحديث وعلل الرجال وما يطرأ على الاسانيد والمتون من صحة وحسن وضعف ووضع ، بل إنه لإقبال العامة عليه كان مجالاً لاختراع الكذابين واختلاق الوضاعين ، مما يستلزم ضرورة النظر في اسانيده وفحص متونه ، ليعرف صحيحه من سقيمه)[1].

وقال بعضهم ان الحديث القدسي يفترق عن القرآن الكريم من وجوه منها أن القرآن الكريم نزل به جبريل (عليه السلام) على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال تعالى: ((نزل به الروح الامين)) ، وكما قال سبحانه: ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق)) ، اما الحديث القدسي فلا يشترط فيه أن يكون الواسطة جبريل (عليه السلام) فقد تكون الواسطة جبريل (عليه السلام) أو يكون بالالهام او غير ذلك[2]. ولا نعرف ما هي حجتهم في ان بقية الاحاديث النبوية الشريفة ليست هي ايضا اما عن طريق جبريل (عليه السلام) او الالهام او غير ذلك ؟! فإنْ كان الامر كذلك فما هي ميزة الحديث القدسي حينئذٍ عن بقية الاحاديث الشريفة؟!

وقال بعضهم ان الفروق بين الحديث القدسي والحديث النبوي فاولها ان الحديث القدسي ينسبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الرب تبارك وتعالى بخلاف الحديث النبوي ، والثاني: أن الاحاديث القدسية أغلبها يتعلق بموضوعات الخوف والرجاء وكلام الرب جل وعلا مع مخلوقاته ، وقليل منها يتعرض للأحكام كأحكام الصلاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك[3]. فاما قولهم ان الحديث القدسي منسوب لله سبحانه وتعالى ، فهو منسوب له سبحانه بالمعنى وليس باللفظ. فهو ليس كالقرآن الكريم المعنى واللفظ منه سبحانه وتعالى. وكذلك هو ليس كالتوراة والانجيل والزبور ، وفيها ايضا اللفظ والمعنى منه عزَّ وجلَّ. فالحديث القدسي لا يخرج عن كونه حديث نبوي يحكي امراً او قضية معينة عن الله تبارك وتعالى.

وقال ابن حجر الهيتمي في شرح الاربعين النووية في شرح الحديث الرابع والعشرين ، قال: (اعلم ان الكلام المضاف اليه سبحانه ثلاثة اقسام: اولها: وهو اشرفها ((القرآن)) لتميزه عن البقية بإعجازه من اوجه كثيرة وكونه معجزة باقية على ممر الدهر محفوظة من التغيير والتبديل. ثانيها: كتب الانبياء عليهم الصلاة والسلام ، قبل تغييرها وتبديلها. ثالثها: الاحاديث القدسية ، وهي ما نُقل إلينا آحاداً عن الله ، مع إسناده لها عن ربه ، فهي من كلامه تعالى ، فتضاف إليه ، وهو الاغلب ، ونسبتها اليه حينئذٍ نسبة إنشاء لأنه المتكلم بها أولاً ، وقد تضاف الى النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه المخبر بها عن الله تعالى ، بخلاف القرآن فإنه لا يُضاف إلا إليه تعالى)[4]. ولكن اين الحجة في كلام ابن حجر هذا بخصوص الاحاديث القدسية ؟! هل قال النبي (صلى الله عليه وآله) على سبيل المثال: (سمعت الله قال) او (حدثني رب العزة) او (اخبرني الله) لكي يكون الحديث القدسي منقول آحاداً عن الله تعالى كما يزعم ابن حجر !! فوصف الآحاد يوصف به الحديث النبوي المعنعن مثلا عن فلان عن فلان الخ او سمعت فلان قال حدثني قلان الخ ، اما الحديث القدسي فهو كسائر الحديث النبوي فيه اخبار عن الله سبحانه وتعالى ، لا أكثر من ذلك ، ولا معنى لتخصيصه بإطار مصطلح خاص كمصطلح (الحديث القدسي) !

وقال الشيخ محمد منير الدمشقي: (الحديث القدسي هو ما اخبر الله تعالى به نبيه بإلهام او منام فأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك بعبارة من نفسه ، والحديث النبوي ما يضاف الى النبي صلى الله عليه وآله سلم لفظاً ومعنى فيقال حديث نبوي ولا يقال له حديث قدسي ، والقرآن هو اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم للاعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته)[5]. فما ادراك ان الحديث القدسي هو عن طريق الالهام او المنام حصراً وليس عن طريق جبريل (عليه السلام) ، هذا تخصيص بلا مخصص ، بل وقول بغير علم ولا حجة.

وقال ملا علي القاري: (الحديث القدسي ما يرويه صدر الرواة وبدر الثقاة عليه افضل الصلوات واكمل التحيات عن الله تبارك وتعالى تارة بواسطة جبرائيل عليه السلام وتارة بالوحي والالهام والمنام مفوضاً اليه التعبير بأي عبارة شاء من انواع الكلام)[6]. وهذه الوسائط جميعها تسمى الوحي أي جبريل (عليه السلام) او الالهام او المنام ، هذه جميعها من طرق الوحي ، فقد يكون الوحي بالالهام او المنام ، وحينما يتحدث النبي (صلى الله عليه وآله) عن امر موحى به إليه فإنه (صلى الله عليه وآله) لا يخصص طريقة الوحي ولا يعلن عنها هل هي عن طريق المنام او الالهام او جبريل (عليه السلام). فكل ما يخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) من الامور الغيبية هي عن طرق الوحي الموحى به إليه عن طريق إحدى طرق الوحي المشار اليها.

 

وحيث ان مصطلح الحديث القدسي لا واقعية دينية له لذلك نجد ان أهل البيت الاطهار (عليهم السلام) لم يرد عنهم هذا المصطلح.

وأيضاً لم يعرف لهذا المصطلح وجود في روايات وكتابات علماء المسلمين (من الشيعة واهل السنة والمعتزلة والخوارج وغيرهم) الى القرن السابع الهجري حيث رصدنا ظهور هذا المصطلح اول ما ظهر عند ابن عربي ! فقد قيل ان اول من ألّف في الاحاديث القدسية هو ابن عربي في القرن السادس الهجري فجمع مائة حديث وحديث في كتاب أسماه (مشكاة الانوار فيما روي عن الله سبحانه من الاخبار) ، ثم تبعه الشيخ عبد الغني النابلسي[7] ، ثم الشيخ ملا علي القاري المتوفى سنة 1014هـ نقل الزركلي أنه ألف أربعين حديثاً مخطوطة في الاحاديث القدسية[8]. الا ان مصطلح (الحديث القدسي) لم يرد في كتاب ابن عربي المذكور وورد في كتابه الفتوحات المكية في موضع واحد[9].

وقد ورد هذا المصطلح في مؤلفات اهل السنة ، واقدم من عثرت انه ورد عنده بعد ابن عربي المتوفى 638هـ ، هو :

 ـ ابن تيمية (متوفى 728هـ) ، في مجموعة الرسائل والمسائل ، وفي مجموعة الفتاوى. الذي يظهر انه تلقف هذا المصطلح من ابن عربي الصوفي ونشره بين السلفية !!

 ـ الفقيه الحنفي علاء الدين علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الشهير بابن بلبان ، (متوفى 739هـ) ، في كتابه (المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية ).

ـ الفقيه الشافعي والاشعري العقيدة ابن حجر العسقلاني (متوفى سنة 852هـ) ، في كتابه فتح الباري.

ـ صفي الدين أحمد بن عبد الله بن أبي الخير بن عبد العليم الخزرجي الأنصاري الساعدي اليمني (متوفى بعد 923هـ) ، في كتابه (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال).

ـ ملا علي القاري (متوفى سنة 1014هـ) ، في كتابه (شرح مسند ابي حنيفة).

ـ المناوي (متوفى 1031هـ) ، في كتابه (فيض القدير شرح الجامع الصغير) ، وكتابه (الاتحافات السنية بالاحاديث القدسية).

ـ العجلوني (متوفى 1162هـ) ، في كتابه (كشف الخفاء).

 

اما عند الشيعة الامامية ، فلم يرد مصطلح (حديث قدسي) عن النبي (صلى الله عليه وآله) ولا عن الائمة الهداة (عليهم السلام). ومع ذلك تسرَّب هذا المصطلح الى الفكر والثقافة الشيعية عن الطريق الثقافة الصوفية خصوصاً والاختلاط مع الثقافة السنّية عموماً !

واول من عثرت عليه من مصادر الشيعة الامامية وقد ذكر مصطلح (الحديث القدسي) في مؤلفاته هو مؤلف لشخص مجهول اسمه عبد الوهاب متوفى في القرن السادس الهجري ، واسم الكتاب (ما نمقه عبد الوهاب في شرح كلمات علي بن ابي طالب عليه السلام)[10].

وذكر هذا المصطلح (الحديث القدسي) السيد حيدر الاملي متوفى 782هـ ،  في كتابه (تفسير المحيط الاعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم)[11]. والمنهج الصوفي لسيد حيدر الآملي واتّباعه لتراث ابن عربي معروف وواضح.

وذكره ايضاً الشهيد الاول الشيخ محمد بن مكي العاملي (رض) متوفى 786هـ ، في كتابه (القواعد والفوائد)[12] ، والشهيد الاول المولود في جزين سنة 734هـ ، هاجر الى الحلة سنة 750هـ ، ورجع الى بلاده وهو في عمر 21 سنة ، (ثم تتابعت رحلاته الى الحلة وكربلاء وبغداد ومكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس ومدينة الخليل ودمشق ومصر ، وقد اتيح له عن طريق هذه الرحلات  مخالطة الكثير من علماء المذاهب الاسلامية المختلفة والتعرف على آرائهم وأفكارهم. كما كان على صلة وثيقة بمشيخة الرواية من علمائهم ، وفي اجازته لأبن الخازن ... خير دليل على ذلك)[13].

وذكره أيضاً الحافظ رجب البرسي متوفى حوالي 813هـ ، في الكتاب المنسوب اليه (مشارق انوار اليقين)[14]. وقيل انه لم تثبت نسبة هذا الكتاب لمؤلفه.

وذكر هذا المصطلح ايضاً المقداد السيوري (متوفى 826هـ) ، في كتابه (كنز العرفان في فقه القرآن)[15].

وذكره ايضا الشيخ ابن فهد الحلي متوفى 841هـ ، في كتابه (عدة الداعي ونجاح المساعي)[16].

وذكره ايضاً الشيخ علي بن علي بن محمد بن طي الفقعاني المعروف بإبن طي ، (متوفى 855هـ) ، في كتابه (الدر المنضود في معرفة صيغ النيات والايقاعات والعقود)[17].

وذكره ايضا المتصوف ابن ابي جمهور الاحسائي متوفى نحو 880هـ ، في كتابه (عوالي الئالي)[18].

وايضاً ذكره المحقق الكركي (رضوان الله عليه) (متوفى 940هـ) في رسائله[19]. والظاهر ان المحقق الكركي قد تأثر بمذاهب اهل السنة حيث انه درس عند علماء المذاهب السنية الاربعة في مصر في فترة من حياته وسمع في دمشق معظم مسند الشافعي وصحيح مسلم. ولذلك فانه اول عالم من كبار علماء الشيعة ممن ذكر مصطلح (الحديث القدسي) في مؤلفاته ، ومن الجدير بالذكر انه اول من ذكر الحديث الذي يتداوله الصوفية: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأن اعرف)[20]!!

وذكر هذا المصطلح (الحديث القدسي) الشهيد الثاني زين الدين بن علي (رض) متوفى سنة 965هـ في كتابه (المقاصد العليه في شرح الرسالة الالفية)[21] ، وكذلك ذكره في كتابه (منية المريد)[22].

وذكر هذا المصطلح ابو الفتح الجرجاني (متوفى 976هـ) ، في كتابه بالفارسية "تفسير شاهي" (توضيح آيات الاحكام)[23].

وذكره ايضا الشيخ الملا فتح الله الكاشاني ، (متوفى 988هـ) ، في كتابه بالفارسية (تفسير كبير منهج صادقين في الزام المخالفين)[24].

ايضاً ذكره المولى محمد ابراهيم الاسترابادي (متوفى 1028هـ) ، في كتابه (آيات الاحكام)[25].

ايضاً ذكره الشيخ البهائي العاملي (متوفى 1031هـ) ، في كتابه (زبدة الاصول)[26].

وذكره الشيخ صدر الدين محمد الشيرازي الشهير بأسم ملا صدرا (متوفى 1050هـ) ، في كتابه (اسرار الآيات)[27].

وذكر هذا المصطلح الشيخ محمد تقي المجلسي (توفي 1070هـ) ، وهو والد العلامة المجلسي (رض) ، في كتابه (روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه)[28] ، وكان معروفاً بميوله للصوفية.

وايضاً ذكره الفيض الكاشاني (متوفى 1091هـ) ، في كتابه (التفسير الاصفى)[29] ، وكذلك ذكره في كتابه (التفسير الصافي)[30].

وايضاً ذكره السيد هاشم البحراني متوفى 1107هـ ، في كتابه (البرهان في تفسير القرآن)[31].

وذكره العلامة المجلسي (رض) (متوفى 1111هـ) ، الذي ذكر هذا المصطلح في كتابه بحار الانوار في حوالي (16) موضعاً. وكذلك في كتابه (مرآة العقول) في مواضع عديدة.

وذكر هذا المصطلح (الحديث القدسي) الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد العاملي (والد الشيخ البهائي) متوفى سنة 984هـ ، في كتابه العقد الحسيني (الطهماسبي)[32].

وذكره الصوفي القاضي سعيد القمي متوفى 1103هـ ، في كتابه (التعليقة على الفوائد الرضوية).

وذكره ايضا المتصوف المولى محمد صالح المازندراني متوفى 1081هـ ، في كتابه (شرح اصول الكافي)[33].

وقيل ان هناك كتاب اسمه (شرح الحديث القدسي) وهو مشكوك النسبة الى العلامة الحلي (رض) كما اشار الى ذلك الشيخ محمد الحسون في مقدمة تحقيقه لكتاب (ارشاد الاذهان) للعلامة الحلي (رض)[34]. ولم نعثر على من رأى هذا الكتاب سواء كان مطبوع او مخطوط. ولذلك لا يمكن ان يحتج احد بان هذا المصطلح مستعمل من قبل العلامة الحلي (رض).

 

وذكرنا في بداية البحث آراء بعض علماء أهل السنة في مصطلح (الحديث القدسي) ، والان ننقل رأي أحد علماء الشيعة ، حيث قال الفيلسوف المحقق الداماد (متوفى 1041هـ) في كتابه (الرواشح السماوية): (في الفرق بين الحديث القدسي والقرآن ، وبينه وبين الاحاديث النبوية. سبيل رهط في الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن ، وبين الاحاديث النبوية ، ان القرآن هو الكلام المنزل بألفاظه المعيّنة في ترتيبها المعيّن للإعجاز بسورة منه. والحديث القدسي هو الكلام المنزل بألفاظه بعينها في ترتيبها بعينه ، لا لغرض الاعجاز. والحديث النبوي هو الكلام الموحى اليه (صلى الله عليه وآله) بمعناه ، لا بألفاظه. فما أتانا به عليه وآله صلوات الله وتسليماته فهو جميعاً من تلقاء إيحاء الله سبحانه إليه (وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى). لكن الوحي على انحاء ثلاثة. وقال فِرقٌ: الحديث القدسي ما أخبر الله نبيه معناه بالالهام ، او المنام فأخبر النبي امته بعبارة عن ذلك المعنى فلا يكون معجزاً ولا متواتراً كالقرآن. قال الطيبي: فضل القرآن على الحديث القدسي أنه نص إلهي في الدرجة الثانية وإن كان من غير واسطة الملك غالباً ، لأن المنظور فيه المعنى دون اللفظ ، وفي التنزيل اللفظ والمعنى منظوران ، فعلم من هذا مرتبة بقية الاحاديث. قلت: ويُشبه أن يكون حق التحقيق أنّ القرآن كلام يوجبه الله سبحانه الى النبي (صلى الله عليه وآله) معنى ولفظاً ، فيتلقاه النبي من روح القدس مرتباً ويسمعه من العالم العلويّ منظّماً. والحديث القدسي كلام يوحى الى النبي معناه فيجري الله على لسانه في العبارة عنه الفاظاً مخصوصة في ترتيب مخصوص ، ليس للنبي ان يبدلها ألفاظاً غيرها ، أو ترتيباً غيره. والحديث النبوي كلام معناه ممّا يوحى الى النبي فيعبّر عنه بـ : "حيث يشاء" " كيف يشاء")[35].  

فالمحقق الداماد ذكر رأيين وتبنى رأياً ثالثاً ، فأما الرأي الاول الذي يفيد بأن (الحديث القدسي هو الكلام المنزل بألفاظه بعينها في ترتيبها بعينه ، لا لغرض الاعجاز) فيرد عليه اولاً انه لا دليل عليه ، وثانياً ان هذا الرأي يجعل التوراة والانجيل من الاحاديث القدسية لأنها كلام الله سبحانه وتعالى وانها ليست كلاماً معجزاً ، وهذا ما لم يقل به أحد من المسلمين.

واما الرأي الثاني الذي ذكره المحقق الداماد والذي يفيد بأن (الحديث القدسي ما أخبر الله نبيه معناه بالالهام ، او المنام فأخبر النبي امته بعبارة عن ذلك المعنى فلا يكون معجزاً ولا متواتراً كالقرآن) ويرد عليه أيضاً انه ما لا دليل عليه ، ولا دليل على استثناء الوحي من خلال جبريل (عليه السلام) بخصوص الحديث القدسي.

واما الرأي الثالث الذي تبناه المحقق الداماد والذي يفيد بأن (الحديث القدسي كلام يوحى الى النبي معناه فيجري الله على لسانه في العبارة عنه الفاظاً مخصوصة في ترتيب مخصوص ، ليس للنبي ان يبدلها ألفاظاً غيرها ، أو ترتيباً غيره) ويرد عليه بأنه اولاً لا دليل عليه ، وثانياً قوله ان الله سبحانه وتعالى يجري الكلام على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) فهذا معناه ان النبي (صلى الله عليه وآله) حينما يتلفظ بالحديث القدسي فانه يكون مسيّراً في الفاظه وليس مخيراً وهذا خلاف عقيدتنا في ان افعال الانسان هي امر بين امرين ، وان الانسان مسؤول عن افعاله وكلامه ولذلك يحاسبه الله سبحانه وتعالى. وثالثاً اذا كان الله سبحانه يجري الكلام على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) فما فائدة العصمة حينئذٍ ، بل وقد ينسحب ذلك على القرآن الكريم ايضا فقد يقول احدهم ان الله تعالى يجري على لسانه الكلام فلا حاجة للعصمة من اجل التبليغ حينئذٍ.  وهذا كله كلام تعوزه الحجة ، وهو خلاف العقل والتكليف.

خاتمة القول: ان مصطلح (الحديث القدسي) ليس له واقع شرعي ولا أثر عقائدي ولا تكليف مغاير لما هي عليه بقية الاحاديث النبوية. وان هذا المصطلح اخترعه صوفي وتبناه سلفي ونشره اهل السنة وتلقاه الشيعة بالقبول رغم انه ليس له اصل في الدين.


 

[1]  الاحاديث القدسية لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي / اعداد وتقديم عادل ابو المعاطي / دار الروضة في الازبكية ، القاهرة / الطبعة الاولى ، 2002م ص5 و6.

[2]  الصحيح المسند من الاحاديث القدسية / مصطفى بن العدوي / دار الصحابة للتراث ص4.

[3]  المصدر السابق ص5.

[4]  الاحاديث القدسية ، فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي / اعداد وتقديم عادل ابو المعاطي / دار الروضة في الازبكية ، القاهرة / الطبعة الاولى ، 2002م ص7.

[5]  الاتحافات السنية بالاحاديث القدسية / الشيخ عبد الرؤوف المناوي / عليه شرح الشيخ محمد منير الدمشقي الازهري / دار المعرفة في بيروت خطبة الشارح ص2.

[6]  المصدر السابق خطبة الشارح ص3.

[7]  ولد الشيخ عبد الغني النابلسي سنة 1050هـ وتوفي 1143هـ ، اي انه يجب ان يكون تالياً للشيخ ملا علي القاري وليس سابقاً له !

[8]  جامع الاحاديث القدسية / ابو عبد الرحمن عصام الدين الصبابطي / دار الريان للتراث في القاهرة المجلد الاول ص20.

[9]  الفتوحات المكية / ابن عربي / تحقيق د. عثمان يحيى ن تصدير ومراجعة د. ابراهيم مدكور / سنة الطبع 1974م ج3 ص35.

[10]  الكتاب مطبوع وهو تصحيح مير جلال الدين الحسيني الأرموي ، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة.

[11]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق السيد محسن الموسوي التبريزي ، مؤسسة فرهنگي ونشر نور علي نور ، مطبعة الأسوة ، الطبعة الثالثة ، 1428هـ.

[12]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق السيد عبد الهادي الحكيم ، منشورات مكتبة المفيد في قم المقدسة.

[13]  مقدمة التحقيق بقلم السيد عبد الهادي الحكيم ، على كتاب (القواعد والفوائد) المشار اليه ج1 ص15.

[14]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق السيد علي عاشور ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات في بيروت ، الطبعة الاولى 1999م.

[15]  الكتاب مطبوع وهو تصحيح محمد باقر البهبودي ، نشر المكتبة الرضوية في طهران ، مطبعة حيدري - طهران ، 1384هـ.

[16]  الكتاب مطبوع وهو تصحيح احمد الموحدي القمي ، مكتبة وجداني في قم المقدسة.

[17]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق محمد بركت ، الناشر: مكتبة مدرسة إمام العصر (عج) العلمية في شيراز ، مطبعة امير في قم المقدسة ، الطبعة الاولى ، 1418هـ. ص7.

[18]  الكتاب مطبوع وهو  تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي ، مطبعة سيد الشهداء عليه السلام في قم المقدسة ، الطبعة الاولى 1983م.

[19]  رسائل الكركي م المحقق الكركي (رض) / تحقيق الشيخ محمد الحسون / مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة الاولى 1412هـ - ج3 ص158.

[20]  ورد في رسائله  تحت عنوان (المسألة الثانية عشرة: في اثبات الغرض في أفعال الله تعالى) ، حيث قال: (اعلم ان أهل الملل قاطبة قالوا باختياره ، وبأن فعله معلل بالغرض ، إذ لو لم يفعل للعلم بالفائدة لكان فعله عبثاً ، والفطرة الصحيحة تحكم بذلك وتشهد بذلك الروايات. غيران الاشاعرة وافقوا الحكماء في ان افعاله ليست معللة بالغرض لوجهين على ما سيجيء. وإنما قلنا أنهم وافقوا الحكماء ، فإن الحكماء وإن قالوا بأن أفعال الله تعالى معللة بالغرض ، صرحوا بأن غرض فعله وغايته إنما هو ذاته تعالى ، والمتأخرون من الحكماء قالوا: إن ما اشتهر ان الغاية مترتبة على الفعل في الوجود العيني بالغايات المتكونة ، واما غاية فعل يكون أعلى من الكون ليس بترتب على الفعل)... الى ان يقول: (ويمكن ان يقال: ان الحكماء يثبتون الغرض في فعله تعالى ، فانه كما لا يقال: انهم ينكرون علمه تعالى وسائر صفاته ، لا يقال بإنكارهم الغرض. وكيف يصح ذلك من المعتزلة القائلين بعينية الصفات ، فيحتمل القول بموافقة الحكماء للمعتزلة في اثبات الغرض ، لكن هذا المعنى لا ينكره الاشاعرة ، فعلم ان النزاع في الغرض الزائد. واما الصوفية قالوا بإثبات الغرض في أفعاله تعالى. إذا علمت ذلك فنرجع الى ما كنا فيه: قال السيد الشريف قدس سره في رسالة ألفها في نفي الغرض عن فعله تعالى: أفعاله تعالى ليست معللة بالغرض)إلخ. ثم يناقش كلام السيد المرتضى (قده) الى ان يقول: (انا نختار ان الغرض الذي هو سبب اقدام فاعلية الفاعل هو فعليته الرازقية مثلا ، فان الله تعالى كان رازقاً بالقوة ، فخلق الخلق ليرزقهم بالفعل ، والرازقية صفة اعتبارية لا يلزم من فعليته وكونه غرضاً الاستكمال. ولو سلم فهو لازم على كل حال ، ويؤيد ذلك الحديث القدسي (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأن اعرف).

أنظر: رسائل الكركي م المحقق الكركي (رض) / تحقيق الشيخ محمد الحسون / مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة الاولى 1412هـ - ج3 ص158 و159.

[21]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق مركز الابحاث والدراسات الاسلامية ، الشيخ محمد الحسون ، قسم احياء التراث الاسلامي ، مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي ، الطبعة الاولى ، 1420هـ .

[22]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق رضا المختاري ، مكتب الاعلام الاسلامي ، الطبعة الاولى 1409هـ.

[23]  الكتاب مطبوع وهو تصحيح الميرزا ولي الله الاشراقي ، انتشارات نويد في طهران ، مطبعة آرمان ، خرداد 1362 ش.

[24]  الكتاب مطبوع في مطبعة چايخانة محمد حسن علمي ، الناشر كتابفروشى و چايخانه محمد حسن علمي ، سنة الطبع اردبيهشت 1333ش. وايضا ذكره في كتابه (زبدة التفاسير) ، تحقيق مؤسسة المعارف في قم المقدسة ، مطبعة عترت ، الطبعة الاولى 1423هـ.

[25]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق الشيخ محمد باقر شريف زاده ، مكتبة المعراجي في طهران.

[26]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق فارس حسون كريم ، مطبعة زيتون ، الناشر مرصاد ، الطبعة الاولى 1423هـ.

[27]  الكتاب تحقيق محمد خواجوى ، مطبعة چايخانه وزارت فرهنگ وآموزش عالى ، الناشر انتشارات انجمن اسلامى حكمت وفلسفه ايران.

[28]   روضة المتقين في شرح من لا يحضره فقيه / الشيخ محمد تقي المجلسي / تحقيق السيد حسين الموسوي الكرماني والشيخ علي بناه الاشتهاري / الناشر بنياد فرهنك اسلامي حاج محمد حسين كوشانهور -

[29]  وهو مطبوع وصادر عن مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي ، الطبعة الاولى 1418هـ.

[30]  الكتاب مطبوع وهو تحقيق الشيخ حسين الاعلمي ، مطبعة مؤسسة الهادي في قم المقدسة ، الناشر مكتبة الصدر في طهران ، الطبعة الثانية ، 1416هـ.

[31]  والكتاب مطبوع ، وهو تحقيق قسم الدراسات الاسلامية في مؤسسة البعثة في قم المقدسة.

[32]  الكتاب مطبوع وهو تصحيح السيد جواد المدرسي اليزدي ، مطبعة گلبهار في يزد.

[33]  الكتاب مطبوع وهو تعليق الميرزا ابو الحسن الشعراني ، وتحقيق السيد علي عاشور ، دار احياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الاولى 2000م.

[34]  الكتاب مطبوع وهو صادر عن مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ، مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي ، الطبعة الاولى ، 1410هـ ، ج1 ص121.

[35]  الرواشح السماوية / المحقق الداماد / تحقيق غلام حسين قيصريه ها ، نعمة الله الجليلي / مطبعة دار الحديث / الطبعة الاولى 1422هـ - ص292.

 

 
 
 

عودة للصفحة الرئيسية