بسم الله الرحمن الرحيم

 

مَركزُ المَعارِفِ المُحَمَّديِّة 
لدراسات الاصالة الدينية
القَوْلُ منِّيْ فيْ جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فيما أسَرُّوْا ومَا أعْلَنُوْا فِيْمَا بَلَغَنِيْ عَنْهُمْ وَفِيْمَا لَمْ يَبْلُغْنِيْ
 

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

 

 

نقد كتاب الشيخ المظفر "عقائد الامامية"

نبيل الكرخي

المقدمة:

وَالحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمِينَ وَصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّيِنَ وَالمُرْسَلِينَ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ الصَّادِقِينَ وَعِتْرَتِهِ النَّاطِقِينَ ، وَالعَنْ جَمِيعَ الظَّالِمِينَ وَاحْكُمْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ يا أَحْكَمَ الحاكِمِينَ.

يُعدّ كتاب (عقائد الامامية) للشيخ محمد رضا المظفر واحداً من اشهر الكتب العقائدية عند الشيعة الامامية في زماننا هذا وذلك لبساطة عبارته واختصاره. ولشهرة هذا الكتاب واحتوائه على اخفاقات عديدة تتعلق بمنهج المؤلف الذي القى بظلاله عليه في عدة مواضع ، ونعني به منهجه (العرفاني الصوفي- الفلسفي) في فهم العقائد الدينية والمنتمي لمدرسة ملا صدرا التي تطلق على نفسها مدرسة الحكمة المتعالية والتابعة لتراث الصوفي ابن عربي ، وجدنا أنّ هنا اهمية في تسليط بعض الضوء على السلبيات الواردة فيه لتحذير المؤمنين من الانجرار وراء الافكار (الفلسفية- الصوفية) المتضمنة فيه والمتقاطعة مع عقائد الشيعة الامامية المنتمين لمدرسة الأئمة الهُداة آل البيت الاطهار (صلوات الله عليهم).

يرى المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية[1]إنَّ لكتابه هذا اهمية تكمن في التقريب بين السنة والشيعة ، وربما سعى لتحقيق هدفه هذا من خلال الفقرة التي عقدها تحت عنوان (عقيدتنا في الدعوة الى الوحدة الاسلامية) ، ومن خلال تنميق بعض عبارات الايمان العقائدي ببعض القضايا كقضية الرجعة لعله يحرز رضا المخالف ! قال تعالى: ((وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)) - حيث يقول في خاتمة مناقشتها مثبتاً لها ولصحتها: (وعلى كل حال ، فالرجعة ليست من الاصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها ، وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت (عليهم السلام) الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وهي من الامور الغيبية التي اخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها)[2] ، فيكون المؤدى واحد وهو اننا نعتقد بالرجعة وإنْ لم تكن من اصول الدين ، مع انَّ احداً من علماء الشيعة الامامية لم يقل انها من اصوله !

كان المؤلف يهدف من من كتابه هذا تسجيل خلاصة ما توصل اليه من فهم المعتقدات الشيعية الامامية ، "مجرّدة عن الدليل والبرهان" ... "بدافع القائها محاضرات دورية في كلية منتدى النشر الدينية ، للاستفادة منها تمهيداً للأبحاث الكلامية العالية"[3] على حد تعبيره.

ولابد قبل المباشرة في نقد هذا الكتاب تسليط بعض الضوء على الاختلاف بين منهجي المتكلمين والفلاسفة في تناول العقائد الدينية والذي يؤدي الى الاختلاف في بعض النتائج المهمة ! مما يؤثر على صفاء العقيدة الدينية وحقانيتها. ومؤلف الكتاب ينتمي للمنهج (الفلسفي- الصوفي) في تناول العقائد الدينية ، ولذلك نراه يميل للفلسفة والتصوّف ويهاجم علم الكلام في مواضع عدّة من كتابه هذا.

ان علم الكلام هو علم اسلامي صرف نشأ وترعرع في ظل الاسلام ليخدم الايمان العقائدي للمؤمنين والمسلمين ، تكلم به امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في احداث السقيفة ، بل وهناك بعض الاحتجاجات المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي من علم الكلام. ولا نبالغ إنْ قلنا أنَّ الاحتجاجات القرآنية ايضاً مبنية على علم الكلام من قبيل قوله تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)). وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)).

وربما يتميز علم الكلام بالتالي:

1.    مصادر المعرفة هي الكتاب والسُنّة والعقل.

2.    يقصد بالعقل هو المسلّمات العقلية التي لا تحتاج الى برهان.

3.    الادلة السهلة والواضحة وقلّة المقدمات.

4.    الجمع بين التأثير في القلوب والاقناع في العقول.

5.    المجادلة بالتي هي احسن.

6.    تجنب الحيدة عن المطلب ومنع الخصم منها.

 

أمّا الفلسفة فهي ذات اصول غير اسلامية ، فقد عُرِفَت الفلسفة عند اليونان ، ثم انتقلت الفلسفة الى المسلمين وفكرهم وعقيدتهم عبر عدد من الفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن رشد والسهروردي ، الى ان ظهر ملا صدرا في بداية القرن الحادي عشر الهجري (توفي 1050هـ) والذي تبع ابن عربي في تصوفه وفلسفته مؤسساً من تراثه مدرسة (الحكمة المتعالية) الشيعية.

إنَّ اهم ميزة تمتاز بها المدرسة الكلامية هي أنها تعنى بتأسيس القضايا العقائدية في اصولها الخمسة (التوحيد والعدل الالهي والنبوة والامامة والمعاد) والدفاع عنها ضد الشبهات وضد التوجهات العقائدية الاخرى منطلقة بذلك من النصوص المقدسة (الكتاب والسنة) ، بينما الفلسفة تسعى للحصول على المعرفة وتكوين نظريات عقائدية دينية متمثلة بالبحث في التوحيد وصفات الخالق جلَّ وعلا وكيفية الخلق ومراحله واطواره ومآله في العالم الآخر منطلقة من قواعد فلسفية  فكرية ، ثم تقوم بتطبيق الايات القرآنية والروايات وتاويلها لتطابق نتائجها الظنية الفلسفية والشهودية الصوفية.

ويقصد بالعقل الذي هو احد مصادر المعرفة في علم الكلام هو البديهيات العقلية التي لا يختلف على صحتها العقلاء ، مثل عدم اجتماع النقيضين ، وعدم جواز الدور والتسلسل في الاستدلال ، وفاقد الشيء لا يعطيه[4] ، وان النفي والاثبات لا يصدقان معاً في شيء واحد ، والحادث لا يوجد من دون سبب ، والصفات المتضادة لا تجتمع في موضوع واحد ، والكل أكبر من الجزء ... الخ. ويطلق ايضاً على البديهيات العقلية أسم المعارف الضرورية او البديهية ، ومعنى الضرورة هنا أن النفس تضطر الى الاذعان بقضية معينة دون ان تطالب بدليل على صحتها بل تجد من طبيعتها التصديق بها تصديقاً غنياً عن كل بيّنة وإثبات[5].

ويظن البعض ان علم المنطق لصيق بالفلسفة ، بينما نجد ان العديد من القضايا المنطقية الرئيسية يحكم بها العقل الانساني حتى لو لم يكن مطلعاً على علم المنطق الارسطي لأنها قضايا عقلية بديهية. ولذلك نجد ان السيد الخوئي (رضوان الله عليه) يقول: (أما علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلا لأنه يعرفه كل عاقل حتى الصبيان)[6]. فالسيد الخوئي (رضوان الله عليه) يريد ان يقول ان القضايا المنطقية المهمة في الحياة هي قضايا بديهية يعرفها جميع الناس ، ولذلك نجد ان المنطق هو جزء من علم الكلام ومن قواعده لا بإعتبار ان علم الكلام يستند في تحقيقاته الى المنطق الذي هو جزء من الفلسفة بل لكون القضايا المنطقية الرئيسية هي قضايا بديهية يتفق عليها جميع الناس ولذلك فهي معتمدة في علم الكلام وتشكل ركناً فاعلاً فيه.

وبعبارة اخرى ان القضايا العقلية البديهية التي يستند اليها علم الكلام هي القضايا الفطرية التي فطر الله سبحانه الناس عليها وميزات الفطرة هي (أنها ليست بحاجة الى التعليم والتعلّم كما انها ليست قابلة للتغيير ولا التبديل وميزة ثالثة وهي ان فطريات كل نوع من الموجودات تتوفر في جميع افراد ذلك النوع وإنْ كانت قابلة للضعف والشدّة)[7]. وتقسم الفطرة الى قسمين (اولهما المعارف التي هي من لوازم وجود الانسان والثاني الميول والرغبات التي هي مقتضى كيفية خلق الانسان)[8] ، والقسم الاول كما هو واضح هو مدار اهتمامنا والذي له علاقة بعلم الكلام.

ومن القضايا التي تخص علم الكلام ولم نجد من تطرق اليها هي قضية ارتباط علم الكلام بهداية عموم الناس. فعلم الكلام هو مرتبط بالعقائد الاسلامية : التوحيد وما يتضمنه من معرفة الله سبحانه وصفاته الذاتية والفعلية ، وعدله ، وايضاً يتضمن: النبوة والامامة والمعاد. وحيث ان العقيدة الاسلامية هي لعموم الناس فيجب ان يكون مستوى الخطاب في علم الكلام هو ما يفهمه عموم الناس حيث تعرض الادلة وتقام الحجج وتثبت البراهين. فهذا ما يحتاجه عموم الناس لتحقيق الهدف من البعثة النبوية وهو الهداية العامة. اما الفلسفة فهي خطاب تخصصي لقلة قليلة من المتخصصين ولذلك لا يمكن ان ترتقي الفلسفة لتكون ذات فائدة لعموم الناس ، فضلاً عن انها تعتمد على قواعد فكرية ظنية غير يقينية ، وهي ايضاً قواعد كليّة غير تفصيلية فلا تتمكن من البحث في دقائق وتفاصيل المسائل العقائدية ، فلا تستطيع الفلسفة اثبات نبوة الانبياء (صلوات الله عليهم) مثلاً اثبات ان محمد (صلى الله عليه وآله) هو نبي ، وكذلك لا تتمكن من اثبات امامة الائمة (صلوات الله عليهم) ، بل يتكفل علم الكلام بذلك ، فيتناول المسائل وتفاصيلها وجزئياتها من قبيل اثبات النبوة واثبات ان محمداً (صلى الله عليه وآله) نبي وان القرآن الكريم كلام الله سبحانه ، وان الاوصياء هم اثنا عشر وصياً اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وآخرهم الحجة بن الحسن (عجَّل الله فرجه الشريف). بينما الفلسفة لا تتناول الا المسائل العامة من قبيل اثبات التوحيد والحاجة الى الانبياء وهكذا دون تفاصيلها ، فبالفلسفة لا تتمكن على سبيل المثال من تشخيص مَن هم الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بينما علم الكلام يتمكن من ذلك التشخيص. ولذلك نجد انه حتى انصار الفلسفة لا يستطيعون الاستغناء عن علم الكلام.

إذن الانسان يحتاج علم الكلام من اجل هدايته الى الصراط المستقيم ، ففوائده اذن دنيوية واخروية. اما الفلسفة فلا يصح منها الا ما كان منها في خدمة علم الكلام. فالفلسفة يمكنها ان تقوم بتعضيد علم الكلام في نتائجه التي يتوصل اليها ، وكذلك يمكنها نقض الشبهات التي يثيرها خصوم الدين والمذهب. وهذا هو منهج الشيخ نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي (رضوان الله عليهما) حيث يصنفان بانهما اول من ادخل المصطلحات الفلسفية في علم الكلام ومن بعدهما توسع التعامل الفلسفي عقائدياً ، اما مقدار نجاحهما في جعل الفلسفة اداة لعلم الكلام في أثبات العقائد او الدفاع عنها فهذا بحث آخر. اما ان تكون الفلسفة هي المؤسس للعقيدة ولفهم الوجود بقواعدها الذاتية الظنية فهذا غير مقبول وغير مجدي لعدم عصمة الفلاسفة مع ما نجده بينهم من اختلافات شاسعة وبون كبير في تأسيس القواعد الفلسفية وفهمها لدرجة انه تم تأسيس مدرسات فلسفية متباينة في الفهم الفلسفي كالمدرسة المشائية والمدرسة الاشراقية ، وحتى داخل المدرسة الواحدة هناك اختلافات بين الفلاسفة انفسهم. فلا يمكن الوثوق بفلسفاتهم. واما علم الكلام فقد وضع قواعده الائمة الاطهار (عليهم السلام) وعلموها لأصحابهم كهشام بن الحكم ، وأبي جعفر مؤمن الطاق ، وهشام بن سالم ، وحمران بن أعين ، والفضل بن شاذان ، والمتكلّمين النوبختيين ، "حيث كان الجميع يعارض المزاج الفلسفي، ويقال: إنّ هشاماً بن الحكم كان له كتاب ردّ فيه على أرسطو في التوحيد"[9]. ومنهم وصل علم الكلام الى فقهاء الشيعة الامامية وتم تأسيس القواعد العقائدية الكلامية. والسيد محمد حسين الطباطبائي وهو من علماء مدرسة الحكمة المتعالية (الفلسفية-الصوفية) يعترف بحقيقة ارتباط علم الكلام بمدرسة الائمة الاطهار (عليهم السلام) فيقول: "فعلما الشيعة ومحققوهم والذين هم تلاميذ مدرسة اهل البيت (ع ), كانوا في المقدمة من المتكلمين"[10].

فإذن يمكن تلخيص الافتراقات بين علم الكلام والفلسفة في التالي:

1.    ان موضوع علم الكلام هو العقائد الاسلامية المتعلقة ببأصول الدين وفي مقدمتها التوحيد ومعرفة الله سبحانه وتعالى وصفاته ، واما موضوع الفلسفة فهو الموجود بما هو موجود ، أي معرفة احكام الوجود وخواصه الكلية ، لتمييز الوجودات الحقيقية عن غيرها من الوجودات الاعتبارية والوهمية ، ومعرفة العلل غير الطبيعية ، والعلة الاولى للعالم ويشمل ذلك وجود الله سبحانه وتعالى وصفاته . وعليه فإنَّ الكلام والفلسفة يلتقيان في معرفة الله تعالى ولكنهما يختلفان احياناً في نتائجهما !

2.    فيما يتعلق بالمنهج نجد انَّه في علم الكلام إنَّ المتكلم يستخدم الابحاث العقلية لاثبات العقائد الدينية ، والتوفيق بين العقليات والامور الشرعية منطلقاً بذلك من النص ومراعياً في فهمه ما يتوافق مع العقل. اما في الفلسفة فان الفيلسوف ينطلق من القواعد الفلسفية لاثبات العقائد الدينية ، فيحمل النص ويؤوله ليكون منسجماً مع القاعدة الفلسفية بخلاف علم الكلام الذي ينطلق من النص. فاذا لم تكن الاحكام الفلسفية موافقة للظواهر الشرعية فإنَّ الفيلسوف يتصرَّف في هذه الظواهر بنحو يجعلها تلائم وتلك القواعد الفلسفية. اي ان علم الكلام هو في خدمة النص الشرعي بينما يكون النص الشرعي في خدمة الفلسفة.

ويحاول انصار الفلسفة ان يبرزوا غلبة الفلسفة على علم الكلام ، فيبرزون ان الفلسفة اقدر على اكتشاف الحقائق الدينية من علم الكلام ، ويزعمون امكانية الفلسفة على التوصل للحقائق الدينية بمعزل عن الشرع وعن علم الكلام !! فالى جانب النص الذي ذكره الشيخ المظفر والذي نقلناه آنفاً ، نجد كمثال آخر الشيخ علي الرباني الكلبايكاني يقول: "إنّ المتكلم دائماً يحاول أن يستخدم الابحاث العقلية لإثبات العقائد الدينية ، وأن يقوم على التوفيق بين العقليات والظواهر الشرعية ، ولكن الفيلسوف الالهي إنما يطرح ابحاثه العقلية تحرّياً للحقيقة ، دون أن يتخذ موقفاً فبلياً ، وبإعمال قوّته الفكرية يستطيع أن يفتح كنوز المعارف الدينية ، وإذا كانت الاحكام العقلية أحياناً لم توافق الظواهر الشرعية ، فلا بد ان يتصرف في الظواهر ويفسّر بما يناسب معطيات الادلة العقلية الصحيحة"[11]. ثم يستشهد بقول للمحقق اللاهيجي: "أمّا الفرق بين الكلام والفلسفة فإنَّ العقل له استقلال تامّ في كسب المعارف الإلهية الحقيقية ولم يتوقف في ذلك على ثبوت الشريعة ، فتحصيل المعارف الحقيقية إذا كان من طريق البراهين العقلية الصرفة المنتهية الى البديهيات ، فهذا منهج الحكماء ، والعلم الحاصل من هذا الطريق يسمى بـ (الحكمة) وهو لا محالة يوافق الشريعة الحقّة ، لأن حقيقة الشريعة إنما تتحقّق في نفس الامر بالبرهان. وإذ يبدو أحياناً تعارض أو اختلاف بين المسألة الحكمية الثابتة بالبرهان الصحيح وبين القاعدة الشرعية فيجب تأويل القاعدة الشرعية"... الى ان قال: "إنّ الحكمة في الاسلام ليست في الحقيقة إلا كأساس الشريعة وأصلها ، وتوهّم  حصول الاختلاف بين الشريعة والفلسفة إنما هو ناجم من الجهل وعدم المعرفة بحقيقة هذا وذاك"[12].

وهذا النص يخلط بين المعارف العقلية التي فطر الله سبحانه الانسان عليها ، وبين المعارف الفلسفية الظنية ، ويحاول تجيير الاولى لصالح الثانية !! وهي محاولات عقيمة للتغطية على الفشل الذريع للفلسفة في اثبات الحقائق الدينية او الانتصار لها.

وفي محاولة من اتباع الفلسفة للتضييق بين الهوة الواسعة بين علم الكلام والفلسفة يقولون: "إن موقف المتكلمين من الشيعة اتجاه الفلسفة موقف ايجابي وذلك لأن منهجهم في الكلام هو المنهج العقلي ، وقد استلهموا هذا من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ، إذ العقل في مدرستهم حجّة إلهية باطنية ، كما ان الانبياء والقادة الإلهيين حجج الله الظاهرية ، ونحن نرى المعارف الإلهية مبنية على المعايير العقلية بأعلى مراتبها في خطب الامام علي (عليه السلام) في الإلهيات ، فهو رائد الفكر الفلسفي بمعناه الصحيح في العالم الاسلامي ، والذي ورد في الثقافة الاسلامية عن طريق فلسفة اليونان لا يزيد عن طور الاصطلاحات والقوالب الفنية ، مضافاً الى بعض الآراء غير الصحيحة التي هذّبها فلاسفة المسلمين في عصور متأخرة"[13].

وهذه الدعوى تحاول التغطية على النصوص المروية عن ائمة اهل البيت الاطهار (عليهم السلام) والتي تذم الفلسفة وتحذر منها ، وفي المقابل فإنَّهم (عليهم السلام) علموا اصحابهم علم الكلام.

والآن ننتقل الى ابواب كتاب (عقائد الامامية) للشيخ محمد رضا المظفر لتسليط بعض الضوء عليه ومناقشة بعض الفقرات الواردة فيه، ولذلك سنستعمل نفس عناوين الابواب او الفقرات الواردة فيه.

 

{عقيدتنا في النظر والمعرفة}:

أجاد المؤلف في بيانه ان "عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق ومعرفة خالق الكون" و"وجوب النظر والمعرفة في اُصول العقائد، ولا يجوز تقليد الغير فيها" و"إنّ هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوباً شرعياً، أي لا يستقى علمه من النصوص الدينية، وإن كان يصح أن يكون مؤيّداً بها بعد دلالة العقل"[14].

ومعنى ذلك ان الايمان هو قضية فطرية مزروعة في العقل البشرية من قبل خالقه تعالى ، وأن التفكر والتدبر هو سمة العقلاء بدافع ذاتي نابع من العقل السليم المنسجم مع فطرته.

ومن ذلك تتبلور فكرة ان الملحدين في ابتعادهم عن الاعتراف بالحقيقة الالهية انما يخالفون فطرتهم العقلية التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها. فكل ما يأتي به الملحدون من شبهات تتعلق بالخلق وكيفيته وتلبسهم بنظرية دارون وغيرها من الشبهات فهي مجرد اوهام فكرية يبتدعونها من اجل التهرب من الالتزام العقلي العقائدي والشرعي الذي تقودهم له الفطرة والقواعد العقلية الاصلية التي وضعها الله سبحانه وتعالى في العقل البشري.

 

{ عقيدتنا في التقليد بالفروع} ، { عقيدتنا في الاجتهاد}:

تطرق الشيخ المظفر تحت هذين العنوانين الى موضوع التقليد بالفروع والاجتهاد ، وقد تحدث عن الموضوعين وكأنهما موضوعان عقائديان ، بينما الحقيقة غير ذلك ، فالموضوعان يتعلقان بمنهج المسلم في تحصيل الاحكام الشرعية وموقفه من التصدي للاجتهاد. وهذه القضايا لا ترتقي الى مستوى العقيدة ، فهناك من الشيعة الامامية الاخباريون الذين لا يتفقون مع الاصوليين في موضوع الاجتهاد. والاخباريون طائفة شيعية محترمة وعلماؤهم محل احترام ، فنحن جميعا اخوة في الدين والعقيدة ، واختلافنا في طريقة تحصيل الحكم الشرعي لا ينبغي ان يفرّقنا. وعجباً للشيخ المظفر وهو يحرص في كتابه على الوحدة الاسلامية ثم يتطرق لما فيه تغييب وتهميش لطائفة شيعية محترمة هي طائفة اخوتنا الاخباريين ، فكان الاولى به مراعاتهم وكتابة كلامه بما لا يجرح مشاعرهم بتسليط اجواء الاقصاء عليهم !

وهناك أمر آخر ذكره الشيخ المظفر بقوله: (لا يجوز لهم أن يقلِّدوا من مات من المجتهدين)[15]. فهو لم يبين مقصده هل هو التقليد استدامة ام ابتداءاً ، وظاهر كلامه انه يقصد التقليد ابتداءاً. وسواء كان مقصده هذا او ذلك فقد نسب للشيعة الامامية عقيدة لم يعرفوها ، فلا قضية الاجتهاد قضية عقائدية عندنا ، بل هي منهج مختلف فيه كما بيناه آنفاً ، ولا تحريم تقليد الميت ابتداءاً هو امر متفق عليه حتى بين علماء المدرسة الفقهية الاصولية. فالعديد من العلماء الاصوليين يجيزون تقليد الميت ابتداءاً او مالوا اليه في ابحاثهم الفقهية ، ولذلك لم يكن ينبغي له ان يذكر هذه القضية لا بصيغة انها عقيدة شيعية ولا بصيغة انها امر مُجمعٌ عليه بين علماء الشيعة الامامية.

 

{عقيدتنا في صفاته تعالى}:

قال الشيخ محمد رضا المظفر: (ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الحقيقية الكمالية التي تسمى بصفات الجمال والكمال ـ كالعلم، والقدرة، والغنى،

والاِرادة، والحياة ـ هي كلّها عين ذاته، ليست هي صفات زائدة عليها، وليس وجودها إلاّ وجود الذات)[16]. وفي الحقيقة فإن اعتبار صفة (الارادة)

الإلهية من صفات الذات المقدسة هو من العقائد الصوفية لمدرسة الحكمة المتعالية وليست من عقائد مدرسة آل البيت (عليهم السلام) ، فالارادة عند

الشيعة الامامية تبعاً لأقوال الائمة الاطهار (عليهم السلام) هي فعله سبحانه وتعالى ، فهي من الصفات الفعلية وليس من الصفات الذاتية.

قال السيد الخوئي (رض): (الارادة منه تعالى عبارة عن المشيّة التي هي فعل من أفعاله سبحانه ، فيوجد الافعال بإعمال القدرة ويوجد إعمال القدرة بنفسه ، وهذا المعنى هو المراد في صحيحة عمر بن أذينة ، من قوله (عليه السلام): ((خلق الله المشيّة بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيّة)) ، وقرأ بعض الفلاسفة واظن انه المير داماد المشيّة بالرفع مع حذف لفظ خلق، أي المشيّة ثابتة بنفسها ، مع أنّ الموجود في الرواية ذكر لفظ خلق قبل المشيّة وتكراره بعدها ، فراجع. فتحصّل أنّ إرادته تعالى لا تكون من صفاته الذاتيّة بل من صفاته الفعليّة ، [وأنّه] قد عبّر عنها في الروايات تارة بالمشيّة كما في صحيحة محمد بن مسلم ، وكما في صحيحة عمر بن اُينة التي تقدّمت الاشارة اليها واخرى بالإحداث ، وثالثة بالفعل ، كما في صحيحة صفوان بن يحيى. فالمتعيّن هو الاخذ بهذه الروايات الدالّة على أنّ إرادته تعالى هي مشيّته وإعمال قدرته ، وهي فعله فقط ، وإما الإرادة الذاتية وقد يعبّر عنها بالإرادة الازليّة التي هي الأساس لمذهب الجبر وما يرجع إليه من أنّ أفعال العباد منتهية إليها ممّا لا حقيقة له)[17].

وقال السيد عبد الاعلى السبزواري (رض): (والائمّة الهداة (عليهم السلام) جعلوا إرادته تعالى عين فعله)[18].

وقال الميرزا جواد التبريزي (رض): (مشيئته سبحانه وتعالى إرادته، وإرادته من صفات الافعال كما وردت في ذلك الروايات، لا من صفاته الذاتية)[19].

ويرى الشيخ نصير الدين الطوسي إنَّ الارادة نفس داعي الفعل[20].

فالارادة هي من الصفات الفعلية وليست من صفات الذات ، والفرق بينهما ان صفات الذات هي ما يصح سلبه عنه تعالى كالحياة والعلم والقدرة. بينما صفات الفعل هي ما يمكن سلبه عنه جلّ شأنه كصفات الخلق والرزق والارادة، كقولنا: لم يرزقه الله ذكور ، او: لم يخلق الله انسانا بعشرة رؤوس ، او: لو يرد الله هلاكه.

وقد وقع الخلاف داخل مدرسة الحكمة المتعالية حول الارادة ، فالارادة عند صدر الدين الشيرازي (الملا صدرا)[21] والشيخ المظفر والسيد الخميني[22] تعد من الصفات الذاتية للواجب تعالى ، بينما هي عند السيد محمد حسين الطباطبائي هي صفة فعلية للواجب تعالى منتزعة من مقام الفعل[23]. وكذلك قال القاضي الفيلسوف العارف المتصوف محمد سعيد القمي: (اعلم ان حدوث الارادة والمشيئة من مقررات طريقة أهل البيت ، بل من ضروريات مذهبهم صلوات الله عليهم)[24].

*****

ورفض المولف الشيخ المظفر الاستدلال على الله سبحانه وتعالى بالصفات السلبية ، فقال: (وأمّا الصفات السلبية التي تسمّى بصفات الجلال، فهي ترجع جميعها إلى سلب واحد هو سلب الامكان عنه؛ فإنّ سلب الاِمكان لازمه ـ بل معناه ـ سلب الجسمية والصورة والحركة والسكون، والثقل والخفّة، وما إلى ذلك، بل سلب كل نقص. ثمّ إنّ مرجع سلب الاِمكان ـ في الحقيقة ـ إلى وجوب الوجود، ووجوب الوجود من الصفات الثبوتية الكمالية، فترجع الصفات الجلالية (السلبية) آخر الاَمر إلى الصفات الكمالية (الثبوتية)، والله تعالى واحد من جميع الجهات، لا تكثّر في ذاته المقدّسة، ولا تركيب في حقيقة الواحد الصمد. ولا ينقضي العجب من قول من يذهب إلى رجوع الصفات الثبوتية إلى الصفات السلبية؛ لمّا عزّ عليه أن يفهم كيف أنّ صفاته عين ذاته، فتخيّل أنّ الصفات الثبوتية ترجع إلى السلب؛ ليطمئنّ إلى القول بوحدة الذات وعدم تكثّرها، فوقع بما هو أسوأ؛ إذ جعل الذات التي هي عين الوجود، ومحض الوجود، والفاقدة لكلّ نقص وجهة إمكان، جعلها عين العدم ومحض السلب ، أعاذنا الله من شطحات الاَوهام، وزلاّت الاَقلام)[25].

وهذا الذي تفضل به الشيخ المظفر من اعتراضه على رجوع الصفات الثبوتية الى السلبية هو قول بعض اكابر اساطين مذهبنا ، كما ان العقل لا يعارضه. فالظاهر ان الشيخ المظفر يعرّض بالشيخ الصدوق (رض) الذي قال في كتابه (الاعتقادات) ، باب (الاعتقاد في صفات الذات وصفات الافعال) : (كل ما وصفنا الله تعالى به من صفات ذاته فإنما نريد بكل صفة منها نفي ضدها عنه تعالى)[26]. وقال في كتاب (التوحيد): (إذا وصفنا الله تبارك وتعالى بصفات الذات فإنما ننفي عنه بكل صفة منها ضدها، فمتى قلنا: إنه حي نفينا عنه ضد الحياة وهو الموت، ومتى قلنا: إنه عليم نفينا عنه ضد العلم وهو الجهل، ومتى قلنا: إنه سميع نفينا عنه ضد السمع وهو الصمم، ومتى قلنا: بصير نفينا عنه ضد البصر وهو العمى، ومتى قلنا: عزيز نفينا عنه ضد العزة وهو الذلة، ومتى قلنا: حكيم نفينا عنه ضد الحكمة وهو الخطأ، ومتى قلنا: غني نفينا عنه ضد الغنى وهو الفقر، ومتى قلنا: عدل نفينا عنه الجور والظلم ومتى قلنا: حليم نفينا عنه العجلة، ومتى قلنا: قادر نفينا عنه العجز، ولو لم نفعل ذلك أثبتنا معه أشياء لم تزل معه، ومتى قلنا: لم يزل حيا عليما سميعا بصيرا عزيزا حكيما غنيا ملكا حليما عدلا كريما، فلما جعلنا معنى كل صفة من هذه الصفات التي هي صفات ذاته نفي ضدها أثبتنا أن الله لم يزل واحدا لا شئ معه وليست الإرادة والمشية والرضا والغضب وما يشبه ذلك من صفات الأفعال بمثابة صفات الذات ، لأنه لا يجوز أن يقال: لم يزل الله مريدا شائيا كما يجوز أن يقال: لم يزل الله قادرا عالما)[27].

وهذا الذي ذكره الشيخ الصدوق (رض) ينسجم مع ما روي عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في نهج البلاغة انه قال: (أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه، فقد جهله).وكذلك في نهج البلاغة: (لا تقع الاوهام له على صفة ، ولا تعقد القلوب منه على كيفية).

وقد ذكر الشيخ المظفر في كتابه (الفلسفة الاسلامية) الشيخ الصدوق (رض) صراحة فقال: (والعجيب من الشيخ الصدوق في تفسير الصفات الثبوتية من القصور في فهم عينية الصفات للذات فتصوّر أنّها ترجع إلى أمور سلبية وفي نظره يمكن تصوّر انطباق عدّة سُلوب على موضوع واحد، فهو يذكر في عقائده أنّ معنى أنّ الصفات الثبوتية عين الذات هو باعتبار أنّها ترجع إلى السلب ، فمعنى الحياة هو عدم الموت ، ومعنى العلم عدم الجهل ، ومعنى القدرة عدم العجز ، فهذه سلوب يمكن انطباقها على ذات واحدة، فتبيّن من هذا الكلام أنّ الله تعالى هو مجموعة سلوب، نحن نحترم الشيخ الصدوق كمحدّث وناقل فإذا تحدّث عن مثل هذه الأمور فلا نقبل آراءه)[28].

ولتفصيل الامر نقول التالي:

1.    لم ينفرد الشيخ الصدوق (رض) بكلامه هذا عن سلب الصفات ، بل شاركه فيه علماء آخرون ، منهم السيد عبد الله شبّر في كتابه (حق اليقين في اوليات اصول الدين) ، حيث يقول: (والمقصود من الصفات الثبوتية نفي أضدادها إذ صفاتهُ تعالى لا كيفية لها ولا سبيل إلى ادراكها ، فالقصور منها جلب أضدادها فهي سلوب في الحقيقة ، فمعنى كونه تعالى قادراً عالماً أي ليس بعاجز ولا جاهل لأن العجز والجهل نقصان لا يليق بالكامل بالذات من جميع الجهات وهكذا في جميع الصفات)[29]. ويقول شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رض) (متوفى 1228هـ) : (يتضح لك طريق إثبات صفات الجلال ، وهي السبعة التي ذكرها المتكلمون: احدها: نفي التركيب. ثانيها: نفي الجسمية والعرضية. ثالثها: نفي كونه محلاً للحوادث. رابعها: نفي الرؤية عنه. خامسها: نفي الشريك. سادسها: نفي المعاني والاحوال. سابعها: نفي الاحتياج)[30]، والظاهر ان هذا النوع السادس (نفي المعاني والاحوال) هو المتعلق بسلب الصفات لأن ذهن الانسان لا يمكنه الوقوع على حقيقتها ، فلا يمكن لذهن الانسان على سبيل المثال - معرفة العلم الالهي او تصوره والذي هو عين الذات الإلهية المقدسة ، ولذلك ورد في نهج البلاغة ما نقلناه آنفاً مما روي عن امير المؤمنين (عليه السلام): (لا تقع الاوهام له على صفة ، ولا تعقد القلوب منه على كيفية).

بل نجد ان بعض العلماء من المدرسة العرفانية الصوفية ايضاً ذهب الى سلب الصفات ، فهذا القاضي سعيد القمي (متوفى 1107هـ) يذكر في كتابه (شرح توحيد الصدوق) تحت عنوان (في رجوع تلك الصفات أي الذاتية منها الى سلب نقائضها) برهانين لأثبات مضمون عنوانه هذا[31]. ورغم ان هناك ممن ينتمون الى المدرسة العرفانية الصوفية من انتقد القاضي القمي لكلامه هذا السيد الخميني في مصباح الهداية إلا ان ذلك لا يغيّر شيئاً من حقيقة ان مذهب علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو سلب الصفات. وان نقد السيد الخميني للقاضي القمي[32] هو مجرد خلاف فكري داخل المدرسة العرفانية الصوفية. فجاء الشيخ المظفر وحاول إدخال فكر مدرسته العرفانية  الصوفية في فكر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفرضها عليها !

2.    ان سلب الصفات الذي هو جزء من نفي الصفات ، كما بيناه من كلام الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رض) في الفقرة السابق ، هو عمدة علم الكلام وعليه مداره ، والمنهج (الفلسفي- الصوفي العرفاني) (وهو منهج الشيخ المظفر) يخالف علم الكلام ويخاصمه ، كما نراه في كتاب الشيخ المظفر هذا الذي ننقده ، حيث فيه مواضع عديدة تهاجم علم الكلام وتنتصر للفلسفة والتصوف ، وربما كان هذا احد اسباب تنقيصه للشيخ الصدوق (رض) بقوله (محدث وناقل) من اجل تقليل اهمية منهجه الكلامي.

3.    ان وصفه الشيخ ابو جعفر محمد بن علي الصدوق (رض) بأنه (محدث وناقل) فيه انتقاص من المرتبة العلمية العالية للشيخ الصدوق (رض) ومكانته المتميزة بين العلماء. وأي فكر هذا الذي لا يثبت الا بإنتقاص مكانة الآخرين !

قال العلامة الحلي (رض) عن الشيخ ابي جعفر محمد بن علي الصدوق (رض): (شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان ... كان جليلاً حافظاً للاحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للاخبار ، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه. له نحو من ثلاثمائة مصنف)[33]. فوصفه بالفقاهة ونقد الرجال الى جانب رواية الحديث الشريف. وقال السيد الخوئي (رض) عنه: (ان قصة ولادة محمد بن علي بن الحسين بدعاء الامام عليه السلام أمر مستفيض معروف متسالم عليه ، ويكفي هذا في جلالة شأنه وعظم مقامه)[34] ، وقال ايضاً: (وعلى الجملة فعظمة الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين من الاستفاضة بمرتبة لا يعتريها ريب)[35].

4.    ان سلب الصفات هو من مصاديق الرواية الشريف في نهج البلاغة المذكورة آنفاً ، فهو منهج منسجم مع الروايات الشريفة ولا يتعارض معها.

 

{عقيدتنا بالعدل}:

قال الشيخ المظفر: (ونعتقد: أنّ من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنّه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه؛ يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلِّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّون . ونعتقد: أنّه سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل القبيح)[36].

انظر حينما اراد شرح (عقيدتنا بالعدل) كيف انه لجأ لبيانها وشرحها باللجوء الى منهج الصفات السلبية التي سبق له انتقادها والنفي الذي سبق له الاعتراض عليه !! فقال عن الله سبحانه وتعالى أنَّه:

غير ظالم

لا يجور في قضائه

لا يحيف في حكمه

لا يفعل القبيح

 

فما هو الفرق بين أن يكون العدل هو نفي الظلم ، وبين ان يكون العلم هو نفي الجهل وان يكون الحي هو نفي الميت وان يكون السمع هو نفي الصمم وان يكون الغني هو نفي الفقر ... إلخ ؟!

 

{عقيدتنا في التكليف}:

قال الشيخ المظفر: (نعتقد: أنّه تعالى لا يكلِّف عباده إِلاّ بعد إقامة الحجّة عليهم) ، ثم يقول بعد ذلك: (ونعتقد: أنّه تعالى لا بدَّ أن يكلِّف عباده،

ويسنَّ لهم الشرائع، وما فيه صلاحهم وخيرهم)[37].

ومن هاتين العبارتين يكون انه تعالى لا بد ان يقيم الحجة على عباده كافة !! فالكبرى (أنّه تعالى لا بدَّ أن يكلِّف عباده) والصغرى (لا يكلِّف عباده

إِلاّ بعد إقامة الحجّة عليهم) فتكون النتيجة انه تعالى لا بد ان يقيم الحجة على عباده كلهم حيث ان الشرائع لهم جميعهم ! بينما هناك من الناس قاصر

ومقصر ، فالمقصر لا يمكنه الوصول الى الحجة لقصور فيه. وكذلك من الناس من لم تثبت عليه الحجة لبعده مكانياً او زمانياً او لتشويه الدين من قبل

المذاهب المتطرفة المنحرفة التي تشوّه الدين فتنقل الدين المحرّف الذي ليس فيه حجة على الناس.

 

{ عقيدتنا في القضاء والقدر}:

قال الشيخ المظفر: (واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام من الأَمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام، ففرَّط منهم قوم وأفرط آخرون، ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلاّ بعد عدة قرون)[38]. ويؤكد دعواه في اكتشاف العلم والفلسفة لصحة عقيدتنا في (الامر بين الأمرين) فيقول: (وليس من الغريب ممَّن لم يطّلع على حكمة الأَئمّة عليهم السلام وأقوالهم أن يحسب أنّ هذا القولـ وهو الأمر بين الاَمرينـ من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين، وقد سبقه إليه أئمتنا قبل عشرة قرون. فقد قال إمامنا الصادق عليه السلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: لا جبر ولا تفويض،ولكن أمر بين أمرين)[39].

ولم يبين الشيخ المظفر من هم اولئك الفلاسفة الذين توصلوا فلسفياً الى صحة عقيدتنا (الامر بين الامرين) وكذلك لم نعثر على احد من اولئك الفلاسفة الغربيين الذين ذهبوا الى ذلك. واما العلم فأيضاً كان الاستشهاد به مجهولاً ، اللهم الا ان يقال ان المثال الذي ذكره السيد الخوئي (قده) لتفسير مفهوم (الامر بين الامرين) هو مثال مستمد من العلم والمكتشفات الحديثة ، الا ان ذلك لا يعني انه يمكن اثبات عقيدة (الامر بين الامرين) بصورة علمية عن طريق التجربة او غيرها من الطرق العلمية !

ان حشر المؤلف للفلاسفة في موضوع اثبات قضية دينية هو امر غريب ، ولا يمكن تفسيره الا بمحاولة المؤلف الانتصار لمذهبه الفلسفي والترويج له فيصور الامر وكأن العقيدة الدينية ملتصقة بالفلسفة ! والحقيقة غير ذلك. ففلاسفة الغرب لم يتحدثوا عن حقيقة (الامر بين الامرين) بل تحدثوا عن (الحتمية التاريخية والحتمية الكونية) وانقسموا بينهما ، " في التاريخ العقلي الفلسفي نلتقي نظريتين تنطلقان من منطلق الحتمية. إحداهما : تخص السلوك الانساني ، الفردي والاجتماعي خصوصاً. والأخرى : تتعلّق بالنظام الكوني عموماً. فتتجه النظرية الأولى إلى الإيمان بحتمية السلوك الانساني وتعطيل إرادة الإنسان ، وسلب أي دور لارادته في سلوكه. وتتجه النظرية الثانية إلى تثبيت الحتمية في النظام الكوني بشكل عام ، وتذهب إلى أن الكون كلّه يتحرك ضمن نظام دقيق بموجب قانون العلّية. وهذا النظام يجري ضمن حلقات متسلسلة ، كلّ حلقة منها ترتبط بالحلقة السابقة واللاحقة. ضمن نظام حتمي لا يمكن أن يتغير ولا يمكن أن يتخلف ، ولا يمكن ان تتدخل إرادة أحد ـ مهما كان ـ في تغييره. ولو افترضنا أنّنا اطلعنا على رؤوس هذه الحلقات في النظام الكوني العام ، وأمكننا قراءة التسلسل النظامي لحلقات هذا النظام ، أمكننا التنبؤ بكل ما يجري في الكون من الأحداث إلى أن ينتهي أمد هذا الكون. وهاتان النظريتان تجريان في كل من الاتجاهين الفكريين المعروفين ؛ الاتجاه الإلهي ، والاتجاه المادي على نحو سواء. فإنّ طائفة من الذين يؤمنون بالحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه يؤمنون بالله تعالى ، ويذهبون إلى أنّ مصدر هذه الحتمية هو الله تعالى. بينما يذهب آخرون من الاتجاه المعاكس (الاتجاه المادي) إلى نفس النتيجة من منطلق قانون العلّية أو النظام الفكري الديالكتيكي. فيذهب كل من هذين الاتجاهين إلى الحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه على نحو سواء. وكذلك الحتمية الثانية (الحتمية الكونية) لا تختص بهذا الاتجاه أو بذلك الاتجاه. فمن الممكن أن يذهب إلى هذه الحتمية أصحاب الاتجاه المادي أو الإلهيون.

واليهود من (الإلهيين) الذين يذهبون إلى هذا الاتجاه في الحتمية الكونية. يقول تعالى : ((وقالت اليهود يَدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعِنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان)) ( المائدة 5 : 64 ). كما أنّ في المسلمين طائفة واسعة وكبيرة وهم ( الأشاعرة ) يذهبون إلى هذه الحتمية في سلوك الانسان. والماركسيون من الاتجاه المادي يذهبون إلى هذه الحتمية في تاريخ الإنسان.

النتائج السلبية لهاتين الحتميتين :هاتان الحتميتان تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ العقلي للانسان ، كما تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ السياسي للانسان. فإنّ النتيجة التي تؤدي إليها هاتان الحتميتان بالضرورة هي افتراض وجود نظام قاهر في الكون، يمتنع على كلّ تعديل وتغيير وتبديل ، وهو بمعنى تعطيل سلطان إرادة الله تعالى ، وعدم الاعتراف بنفوذ سلطانه تعالى على النظام الكوني. هذا في الحتمية الكونية. والنتيجة الضرورية التي تؤدي إليها الحتمية السلوكية والتاريخية للانسان هي الإيمان بتعطيل ارادة الانسان"[40].

هذا على صعيد الفلسفة الغربية ، اما على صعيد الفلسفة التي حملها بعض الشيعة ، ولاسيما المنهج (الصوفي- الفلسفي) لمدرسة الحكمة المتعالية الشيعية التابعة لتراث ابن عربي ، فيتحدث سيد كمال الحيدري شارحاً الموقف الفلسفي لجماعة الحكمة المتعالية من هذه العقيدة مبيناً وجود الاختلافات في فهم (الامر بين الامرين) بين اساطين علماء الشيعة كالسيد الخوئي (رض) والسيد محمد باقر الصدر (رض) من جهة وبين ملا صدرا واتباعه في مدرسة الحكمة المتعالية من جهة ثانية ! فيقول محاولاً الانتصار لمنهجه (الصوفي- الفلسفي) ومهاجماً منهج السيدين الخوئي والصدر (رض):

(السيد الخوئي قدس الله نفسه والسيد الصدر الذي الآن اختاروا أن الله فاعل بعيد، وأن الإنسان فاعل قريب، سؤال: ماذا اختاروا من الناحية الفلسفية؟ اختاروا نظرية المشائيين أو نظرية الحكمة المتعالية؟ الجواب: تعالوا معنا إلى السيد الخوئي في المجلد الثاني من المحاضرات للشيخ إسحاق فياض صفحة (80) هذه عبارته قال إن منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ هو إمكانها الوجودي وفقرها الذاتي، هذا في قبال نظرية المشائيين الذين يقولون الإمكان الماهوي، لا الإمكان الوجودي، يعني أن الفقر عينها لا أن الفقر خارج عنها) ... الى ان يقول: (على هذا الأساس هذه كلمات السيد الخوئي تعالوا إلى السيد الصدر قدس الله نفسه في فلسفتنا الذي هو مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر هناك في صفحة (351) هذه عبارته يقول فسوف نقتصر على نظرية الإمكان الوجودي أي الرأي الصحيح في الاختلاف الفلسفي الأعمق الذي أشرنا إليه فهو يعتقد بنظرية أصالة الوجود ونظرية الإمكان الوجودي هي هكذا أن الوجود المعلول يعني كل الممكنات ليس له حقيقة إلا نفس الارتباط والتعلق بالعلة اصلاً حقيقته ما هي؟ يعني بعبارة واضحة الممكن شيء له الربط أو هو عين الربط؟ المشائيين يقولون الممكن شيء له ربط بخالقه أما الحكمة المتعالية تقول شيء له الحاجة أو هو عين الحاجة؟، إذاً السيد محمد باقر الصدر تبعاً لأستاذه السيد الخوئي كلهما يعتقد أن الممكنات على مباني الحكمة المشائية أو على مباني الحكمة المتعالية؟ على مباني الحكمة المتعالية، إذا كان الأمر كذلك وهو أنهم يبنون على أن الممكن هو عين الربط بعلته، سؤال الفعل الذي أنا أقوم به ممكن أو واجب؟ إذا كنت أنا ممكن فما بالك، ممكن، فإذا صار ممكناً يكون شيء له الربط أو يكون عين الربط بالله؟ عين الربط، وإذا صار عين الربط يمكن أن يكون الله فاعل بعيد أو لا يمكن؟ إذاً دعوى السيد الخوئي مع أننا نعتقد بمباني الحكمة المتعالية فالفاعل فاعل قريب أو فاعل بعيد؟ يعني مبناه حكمة متعالية ولكنه نظريته حكمة مشائية وهذا تناقض السيد الخوئي والسيد الصدر إما أن يختاروا المبنى المشائي فمن حقهم أن يقولوا فاعل قريب وفاعل بعيد أما إذا اختاروا مبنى الحكمة المتعالية فهل من حقهم أن يقولون فاعل قريب أو فاعل بعيد أو ليس من حقهم ذلك؟ ليس من حقهم، وهذه هي الملاحظة الثانية الواردة على السيد الشهيد وعلى السيد الخوئي) ... الى ان يقول: (فبينما نهى في البعد المعرفي منحاً يقوم على أساس الحكمة المتعالية عاد في النتيجة المستخلصة ليلزم موقف الفلسفة المشائية وهذان يجتمعان أو يتناقضان؟ متناقضان، قال وهذه الملاحظة تمتد لتشمل السيد الصدر إذا كان الملاك في موقفه المعرفي هو ما ذكره في كتاب فلسفتنا الآن لماذا قلت إذا كان مبناه، لأنه السيد الشهيد رحمة الله تعالى عليه في الأسس المنطقية رفع يده عن جملة من مباني الحكمة المتعالية)[41].

وهذا الذي تكلم به سيد كمال الحيدري عما يظنه تناقضاً في نظرية السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليهما) إنما يكشف ويبرز الخلاف والفجوة الكبيرة في فهم عقيدة (الامر بين الامرين) بين علماء الشيعة الامامية من مدرسة آل البيت (عليهم السلام) والذين يمثلهم السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليهما) من جهة وبين اتباع ملا صدرا في مدرسة الحكمة المتعالية التي ينتمي سيد كمال الحيدري اليها ، من جهة اخرى. وبناء على ذلك فيكون كلام المؤلف الشيخ محمد رضا المظفر حول أن الفلسفة ايدت حقيقة (الامر بين امرين) وكشفت عن صحتها ، فيه وهن ومجانب للصواب. وربما يكفينا من النص السابق اعتراف سيد كمال الحيدري ان السيد محمد باقر الصدر (رض) رفع يده اي نبذ جملة من مباني الحكمة المتعالية (مدرسة ملا صدرا التابعة لتراث ابن عربي) وذلك في كتابه (الاسس المنطقية للاستقراء).

ويلخص سيد كمال الحيدري رؤية مدرسة الحكمة المتعالية الشيعية المنتمية لتراث ابن عربي حول حقيقة (الامر بين امرين) بقوله: (بأن هذه النظرية تقوم على أساسٍ واحد وهو أن الفعل الصادر من الإنسان كما أن له نسبة حقيقية إلى الإنسان له نسبة حقيقية إلى الله ومن نفس الحيثية لا من حيثيتين نحن نعتقد نظرية الأمر بين الأمرين تريد أن تشير إلى هذه الحقيقة)[42]. والظاهر ان رؤية سيد كمال هذه مبنية على عقيدته في وحدة الوجود والموجود وهي العقيدة التي يرفضها علماء الشيعة الامامية المنتمين لمدرسة آل البيت (عليهم السلام).

*****

ويقول المؤلف الشيخ المظفر: (وعلى كل حال، فعقيدتنا: أنّ القضاء والقدر سر من أسرار الله تعالى، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك، وإلاّ فلا يجب عليه أن يتكلّف فهمه والتدقيق فيه؛ لئلاّ يضل وتفسد عليه عقيدته؛ لاَنّه من دقائق الأمور، بل من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من الناس، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين. فالتكليف به تكليف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي، ويكفي أن يعتقد به الانسان على الاجمال اتّباعاً لقول الأئمة الأطهار عليهم السلام من أنّه أمر بين الأمرين؛ ليس فيه جبر ولا تفويض. وليس هو من الاصول الاعتقادية حتى يجب تحصيل الاعتقاد به على كل حال على نحو التفصيل والتدقيق)[43].

وهنا ينبغي التنبيه على ان المؤلف يخلط بين عقيدتنا في (القضاء والقدر) وبين عقيدتنا في (الامر بين امرين) والتي تناقش تحت عنوان (خلق افعال العباد).  فجعل كل (القضاء والقدر) هو (الامر بين امرين) بينما الاخير هو فرع من الاول وليس جميعه.

ومن جهة اخرى عكس النص الذي ذكره المؤلف عقلية الصراع التاريخي بين الفلاسفة والمتكلمين ، والمؤلف باعتباره ينتمي لمدرسة الحكمة المتعالية ينحاز للفلسفة ضد علم الكلام فنجده يقول كما في النص السابق عن القضاء والقدر: (لاَنّه من دقائق الأمور، بل من أدق مباحث الفلسفة التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من الناس، ولذا زلّت به أقدام كثير من المتكلّمين) ! مع ان علم الكلام هو ما علّمه الائمة الاطهار (عليهم السلام) لأصحابهم في مقابل ذم الائمة المعصومين (صلوات الله عليهم) للفلسفة. ومع ذلك يعتبر الشيخ المظفر ان القضاء والقدر هو من القضايا الفلسفية التي لا يدركها المتكلمون ! وكأن آل البيت الاطهار (عليهم السلام) لم يتحدثوا مع شيعتهم عن القضاء والقدر وانتظر الشيعةُ الفلاسفةَ ليشرحوا لهم معناه !!!

القضاء والقدر في عقيدتنا:

في نهج البلاغة عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: (ويحك! لعلّك ظننتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد. إن اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلّف يسيراً ، ولم يكلّف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يُطعْ مُكرِهاً ، ولم يرسل الأنبياء لعباً ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً. ( ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَـفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَـفَرُوا مِنَ النَّارِ ... )) ).

وفي التوحيد للشيخ الصدوق (رض): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل الى حائط آخر فقيل له يا أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ فقال: (أفرّ من قضاء الله الى قدر الله عز وجل)[44].

يقول الشيخ المفيد (رض): (والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه في معناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا وفي أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له، والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأن ذلك كله واقع موقعه، موضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا، فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشنعة منه، وثبتت الحجة به ، ووضح الحق فيه لذوي العقول ، ولم يلحقه فساد ولا إخلال)[45].

 

{عقيدتنا في البداء}:

قال الشيخ المظفر: (البداء في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدَّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه؛ إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح، وندامة على ما سبق منه. والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى. لاَنّه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الامامية.

قال الصادق عليه السلام : مَن زعم أنّ الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم.

وقال أيضاً: من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه.

غير أنّه وردت عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق عليه السلام : ما بدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني ولذلك نَسبَ بعض المؤلّفين في الفرق الاسلامية إلى الطائفة الامامية القول بالبداء طعناً في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة. والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿يَمْحوُا اللهُ ما يَشَآءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾. ومعنى ذلك: أنّه تعالى قد يُظهر شيئاً على لسان نبيِّه أو وليِّه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الاِظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولاً، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة اسماعيل لما رأى ابوه إبراهيم أنّه يذبحه. فيكون معنى قول الامام عليه السلام : أنّه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في اسماعيل ولده؛ إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنّه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنّه الاِمام بعده؛ لاَنّه أكبر ولده . وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيِّنا صلي الله عليه و اله ، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلي الله عليه و اله)[46].

وهذا الذي قاله الشيخ المظفر غير مقبول بتاتاً ، فهو يزعم ان بعض الروايات التي عندنا واستشهد بإحداها هي التي توهم بأن الشيعة يقولون بالبداء بالمعنى المرفوض المتضمن (جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه) ! فأين ورد ذلك في الرواية التي استشهد بها بخصوص اسماعيل وهي لا تشير نهائياً الى احتمال ان تكون متضمنه احد هذين المعنيين المرفوضين !؟ بل انه بكل وضوح يمكن القول ان لفظة (بدا لله) الواردة في الرواية الشريفة تعني (ما سبق في علم الله تبارك وتعالى شيء فأراد إظهاره كما سبق في علمه تعالى في اسماعيل) وينتهي الاشكال من اساسه. لأن الامام (عليه السلام) لا يمكن ان يكون مقصوده في البداء غير المعنى الصحيح الذي نعرفه ، بلا شك ولا اشكال في ذلك.

وكان يمكنه ان يدافع عن موضوع البداء عند الشيعة بوروده بنفس اللفظ عند اهل السنة ، حيث الحديث المروي في البخاري عندهم عن ابي هريره انه "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً" الخ الحديث[47].

فلم يكن الشيخ المظفر موفقاً في استخدامه عبارة: (روايات توهم).

 

{عقيدتنا في القرآن الكريم}:

قال الشيخ المظفر: (نعتقد: أنّ القرآن هو الوحي الاِلهي المنزَّل من الله تعالى على لسان نبيه الاَكرم فيه تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف. وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزَّل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلّهم على غير هدى؛ فانه كلام الله الذي ﴿لا يَأتيِه البطلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾. ومن دلائل إعجازه: أنّه كلّما تقدَّم الزمن، وتقدَّمت العلوم والفنون، فهو باق على طراوته وحلاوته، وعلى سموِّ مقاصده وأفكاره، ولا يظهر فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة، ولا يتحمل نقض حقيقة فلسفية يقينية، على العكس من كتب العلماء وأعاظم الفلاسفة، مهما بلغوا في منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية؛ فانّه يبدو بعض منها ـ على الاَقل ـ تافهاً أو نابياً أو مغلوطاً كلّما تقدَّمت الاَبحاث العلمية، وتقدمت العلوم بالنظريات المستحدثة، حتى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط وأفلاطون وأرسطو الذين اعترف لهم جميع مَن جاء بعدهم بالاَبّوة العلمية، والتفوّق الفكري. ونعتقد أيضاً: بوجوب احترام القرآن الكريم، وتعظيمه بالقول والعمل، فلا يجوز تنجيس كلماته حتى الكلمة الواحدة المعتبرة جزءً منه على وجه يقصد أنّها جزء منه. كما لا يجوز لمن كان على غير طاهرة أن يمسّ كلماته أو حروفه ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ سواء كان محدثاً بالحدث الاَكبر كالجنابة والحيض والنفاس وشبهها، أو محدِثاً بالحدث الاَصغر حتى النوم، إلاّ إذا اغتسل أو توضأ على التفاصيل التي تذكر في الكتب الفقهية. كما أنّه لا يجوز إحراقه، ولا يجوز توهينه بأيّ ضرب من ضروب التوهين الذي يُعد في عرف الناس توهيناً، مثل رميه، أو تقذيره، أو سحقه بالرجل، أو وضعه في مكان مُستحقَر، فلو تعمَّد شخص توهينه وتحقيره ـ بفعل واحد من هذه الاَمور وشبهها ـ فهو معدود من المنكرين للاِسلام وقدسيته، المحكوم عليهم بالمروق عن الدين والكفر بربِّ العالمين)[48].

هذا النص نقلناه بتمامه لننبّه على امرين الاول هو امر مذكور فيه والثاني هو امر خلا منه ولم يذكر فيه !

فأما الامر الاول ، فالمؤلف يحاول في كل مورد ان يربط بين العقيدة الدينية والفلسفة ، فيتصور ان هناك (حقيقة فلسفية يقينية) على حد تعبيره ، وربما يعني بذلك القضايا العقلية البديهية التي هي قضايا يقينية من قبيل عدم اجتماع النقيضين وغيرها وهي قضايا يعتمدها علم الكلام ، فيضفي المؤلف عليها سمة الفلسفة ويحاول اظهارها وكأنها منتج فلسفي فيتصور الناس ان تلك القضايا العقلية الكلامية المشار اليها هي قضايا فلسفية يقينية !!!

ورغم التفاصيل التي ذكرها عن عقيدتنا في القرآن الكريم فإنَّ من اهم المطالب التي تميّز مذهبنا عن الآخرين والتي لم يذكرها الشيخ المظفر ، ربما طلبا منه لتقليل الخلاف وسعياً وراء الوحدة الاسلامية ، المطلب الذي يقول بانه في عقيدتنا يكون القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى الذي خلقه الله عزَّ وجلَّ ، فهو ليس بكلام نفساني ولا بقديم ، بل ان الله سبحانه وتعالى خلقه كما خلق سائر الاشياء. فكلام الله سبحانه وتعالى مُحدَث وغير قديم. وهذا ما لم يذكره المؤلف من ضمن قضايانا العقائدية.

 

{عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه}:

قال الشيخ المظفر: (لقد ثبت في الاَبحاث النفسيّة أنّ كل انسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الاَشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الاِلهام؛ بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوّة على ذلك، وهذه القوّة تختلف شدّة وضعفاً، وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيطفر ذهن الانسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير وترتيب المقدّمات والبراهين أو تلقين المعلّمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته. وإذا كان الاَمر كذلك، فيجوز أن يبلغ الانسان من قوّته الالهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرَّره الفلاسفة المتقدّمون والمتأخرون)[49].

نقول: تعود الفلسفة الظنّية المنبوذة من قبل الائمة الاطهار (عليهم السلام) لتلقي بظلالها على ابحاث الشيخ المظفر في كتابه هذا ! فتراه يستند الى الفلسفة في اثبات وجود إلهام عند الانسان يكون مصدراً للمعرفة. فقوله (لقد ثبت في الابحاث النفسية) لم يبين من خلاله أمرين: الاول ما هو قصده بالابحاث النفسية ، هل يقصد الابحاث الطبية النفسية المبنية على النظريات العلمية وهل ارتقت تلك النظريات الى مستوى القانون الذي لا يقبل الشك لكي يتمكن ان يستدل بها على قضية دينية عقائدية ؟! ام انه يقصد الابحاث (النفسية- الفلسفية) وهو الارجح بحسب متبنياته الفكرية التي يظهر صداها جلياً في كتابه هذا ! والامر الثاني ما مدى حجية الابحاث النفسية في اثبات دعوى مهمة كهذه واعني بها دعوى ان الانسان عموماً لديه قوة الهامية وإن كانت متفاوتة من شخص لآخر وانها قد تبلغ عند بعض الناس اعلى الدرجات وأكملها ؟!

ثم انه في الانسان كيف يمكن ان يكون الحدس طريقاً للمعرفة رغم ظنيته ؟! وكيف يكون الحدس حجة على الآخر ؟! هذا في الحدس الذي قال عنه انه درجة من درجات الالهام ، فكيف بالالهام كله الذي افترض ان الانسان يناله ؟؟ كيف يمكن ان يكون إلهام انسان مصدراً للمعرفة رغم ظنيته ، وكيف يصبح حجة على الاخر؟!! عدا الائمة الهداة المعصومين (صلوات الله عليهم) الذين ثبت انهم ملهمون معصومون ، وعصمتهم هي وسيلة الوثوق بإلهامهم (عليهم السلام)، فليس لإنسان آخر ان يقول انه ملهم وان باب المعرفة الالهامية لديه مفتوح.

 

{عقيدتنا في الرجعة}:

قال الشيخ المظفر: (وعلى كل حال ، فالرجعة ليست من الاصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها ، وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت (عليهم السلام) الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وهي من الامور الغيبية التي اخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها)[50].

والتدليس واضح في هذا النص بدعوى التقريب مع المخالف ! نعم الرجعة ليست من اصول المذهب (التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد) لكن الايمان بها واجب لوجود آثار صحيحة واردة عن آل البيت (عليهم السلام) فيها. فإنَّ انكار الرجعة رد عليهم (عليهم السلام) والذي يستوجب دخول النار ؟! بل والشيخ المظفر نفسه يؤكد ان للرجعة اصل في القرآن الكريم بقوله: (في مثل ذلك ممّا لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الاِلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الاَموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى ﴿وَأُبرئ الاَكمَهَ وَالاَبَرصَ وأُحيى المَوتَى بإذنِ اللهِ﴾. وكقوله تعالى ﴿أَنَّى يُحيِي هَذِهِ اللهُ بَعدَ مَوتِها فأَمَاتَهُ اللهُ مائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعثَهُ﴾)[51] ! ثم هو نفسه يقول في موضع آخر: (قد جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا، وتظافرت بها الاَخبار عن بيت العصمة)[52].

يقول الشيخ ميرزا جواد التبريزي (قده): (ليست الرجعة من اصول المذهب ولكنها ثابتة يقيناً لورود أخبار معتبرة فيها ، كما لا يبعد تواترها إجمالاً)[53].

*****

وقال الشيخ المظفر عن عقيدة الرجعة: (وهي عيناً معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح عليه السلام، بل أبلغ هنا؛ لاَنها بعد أن يصبح الاَموات رميماً ﴿قَالَ مَنْ يُحيي العِظمَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُل يُحييهَا الَّذِي أَنشأَهَا أَوَّلَ مَرةٍ وَهُو بِكُلِّ خَلقٍ عَليِمٌ﴾)[54]... الى ان يقول: (والرجعة من نوع المعاد الجسماني) وفي هذا النص رد بليغ على مباني المدرسة التي ينتمي اليها اي المدرسة (الفلسفية- العرفانية الصوفية) التي ينتمي اليها والتي اسسها ملا صدرا والمسماة (الحكمة المتعالية) التابعة لتراث الصوفي ابن عربي ، حيث تذهب هذه المدرسة الى تبني دعوى فلسفية تنص على (استحالة اعادة المعدوم) وترى ان المعاد في اليوم الاخر ليس بالمعاد الجسماني بل بجسم آخر من سنخ العالم الاخر !!

 

{عقيدتنا في الدعاء}:

قال الشيخ المظفر عن الادعية المروية عن آل البيت (عليهم السلام): (إنّ هذه الاَدعية قد أُودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الاسلامية، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية، والمباحث العلمية في الالهيات والاخلاقيات)[55].

وهكذا نجد ان الشيخ المظفر لا يترك مناسبة الا ويحاول بها الترويج لبضاعته الفلسفية ويحشرها في القضية العقائدية الشيعية حشراً ! فما علاقة أدعية اهل البيت (عليهم السلام) ليزعموا انها مصدراً للآراء الفلسفية ! ونحن نعرف جيداً الاصول اليونانية والفارسية لفلسفاتهم التي ما انزل الله سبحانه وتعالى بها من سلطان. قال السيد محمد حسين الطباطبائي عن الشيخ صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا الذي يسمونه صدر المتألهين) : (كما ناصر صدر المتألهين نظرية "اتحاد العاقل والمعقول" التي نقلها اجمالاً عن "فرفريوس الصوري" احد تلامذة ارسطو)[56]. وقال عن اصالة الوجود: (اختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة مشككة ، وهو المنسوب إلى الفهلويين من حكماء الفرس)[57]. وهو الرأي الذي تبناه ابن عربي ومدرسة الحكمة المتعالية الشيعية تبعاً له!

 

{عقيدتنا في معنى التشيّع عند آل البيت}:

قال الشيخ المظفر: (إنّ الاَئمّة من آل البيت عليهم السلام لم تكن لهم همّة ـ بعد أن انصرفوا عن أن يرجع أمر الاَمَّة إليهم ـ إلاّ تهذيب المسلمين، وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا مع كلِّ من يواليهم ويأتمنونه على سرّهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الاَحكام الشرعية، وتلقينه المعارف المحمدية، ويعرّفونه ماله وما عليه، ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلاّ إذا كان مطيعاً لاَمر الله، مجانباً لهواه، آخذاً بتعاليمهم وإرشاداتهم. ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة، كما قد يمنّي نفسه بعض من يسكن إلى الدعة والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه، إنّهم لا يعتبرون حبهم وولاءهم منجاة إلاّ إذا اقترن بالاَعمال الصالحة، وتحلّى الموالي لهم بالصدق والاَمانة، والورع والتقوى. ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلاّ إذا كان مطيعاً لاَمر الله)[58].

ورغم اهمية هذا الموضوع إلا انه موضوع اخلاقي لا علاقة له بالتخصص العقائدي للكتاب !

وكذلك بعض المواضيع التالية ، نجدها خليط بين كونها اخلاقية وفقهية ، ولكنها بالتاكيد ليست عقائدية ، منها:

{عقيدتنا في الظلم والجور}.

{عقيدتنا في التعاون مع الظالمين}.

{عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة}.

{عقيدتنا في الدعوة الى الوحدة الاسلامية}.

{عقيدتنا في حق المسلم على المسلم}.

 

{عقيدتنا في البعث والمعاد}:

قال الشيخ المظفر: (نعتقد أن الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده فيثيب المطيعين ويعذب العاصين. وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة)[59] !! ولنا أن نتسائل: ما علاقة الفلاسفة بقضية عقائدية مهمة في الاسلام المحمدي الاصيل الذي تمثله مدرسة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) ؟!

لقد استمر الشيخ المظفر بالترويج للفلسفة والفلاسفة حتى الرمق الاخير ... من كتابه هذا !!

 

{عقيدتنا في المعاد الجسسماني}:

قال الشيخ المظفر: (وما المعاد الجسماني على اجماله الا اعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب وارجاعه الى هيئته الاولى بعد ان يصبح رميماً. ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن ، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب والصراط والميزان والجنة والنار والثواب والعقاب ، بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية)[60] ... ثم يقتبس من كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) للشيخ جعفر كاشف الغطاء (قده) وبداية نص اقتباسه: (ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها الا صاحب النظر الدقيق كالعلم بأنّ الابدان هل تعود بذواتها أو إنما يعود ما يماثلها بهيئات؟ وان الارواح هل تعدم كالاجساد أو تبقى مستمرة حتى تتصل بالابدان عند المعاد؟) الخ. وليته اقتبس كلمات من كتاب الشيخ كاشف الغطاء سبقت هذا النص المُقتَبَسْ ، وهو قوله (قده): (في المعاد الجسماني: ويجب العلم بأنه تعالى يعيد الابدان بعد الخراب ، ويرجع هيئتها الاولى بعد ان صارت الى التراب ، ويحل بها الارواح على نحو ما كانت ، ويضمها اليها بعد ما انفصلت وبانت)[61]. وهو نص صريح في عقيدة الشيعة الامامية بان المعاد هو بعودة الابدان نفسها بعد خرابها وبعد ان صارت الى التراب ، وليس كما يذهب اليه اتباع الفلسفة والعرفان الصوفي الذين يقولون بان المعاد هو بجسد غير ترابي من طبيعة العالم الاخر وليس بجسد ترابي، لاستحالة اعادة المعدوم بحسب فلسفتهم الظنية ! ولذلك لا ترى الشيخ المظفر يصرح بأن الجسم الذي يعود يوم القيامة هو الجسد الترابي بل يكتفي بوصفه بان المعاد جسماني دون ان يبين طبيعة ذلك الجسم الذي تتلبس به روح الانسان في المعاد !

 

يقول سيد كمال الحيدري وهو من نفس المدرسة الفلسفية العرفانية الصوفية التي ينتمي اليها الشيخ المظفر: (جملة من أعلام الفقهاء الامامية كفّروا ملا صدرا لأنه لا يقول بالمعاد الجسماني وإنما يؤمن بالمعاد الروحاني)[62]. وهو اعتراف منه بأن ملا صدرا لا يقول بالمعاد الجسماني بخلاف ما هو عند سائر علماء الشيعة الامامية ، بل ان سيد كمال الحيدري نفسه يتفق مع ملا صدرا في نظرته الى المعاد وانه غير جسماني[63] بحكم تبعيته لمدرسة الحكمة المتعالية التي اسسها ملا صدرا !!

ويقول الشيخ جوادي آملي محاولاً شرح نظرية ملا صدرا بالمعاد غير الجسماني فيقول: (نجد لدى صدر المتألهين رأياً خاصّاً في المعاد الجسماني، .... تنقسم كلمات الملا صدرا في المعاد إلى نوعين: أحدهما: ما قاله في شرح الهداية الأثيرية، وهو المتطابق مع ظواهر الكتاب والسنّة، وهو الذي قَبله بوصفه نظريةً دقيقة. والنوع الآخر: ما بيّنه في كتبه الأُخرى كالأسفار الأربعة، وقد اختاره بوصفه النظرية الأدق. إذن، فهناك تصور دقيق للمعاد عند صدر الدين الشيرازي، كما هناك تصوّر أدق، وقد اختار في شرح الهداية الأثيرية ذلك المعنى الذي اختاره المحدّثون، ... كلما تقدّمنا إلى الأمام وتأمّلنا، نرى أنه لا اختلاف بين نظرية الشيرازي ــ ولو بالمعنى الأدقّ ــ وبين نظرية المحدّثين والفقهاء؛ ذلك أنهم ـ المحدثين والفقهاء ـ لم يبيّنوا اصطلاحاً خاصّاً للمادة، وهم يعبّرون عنها بالجسم، ويثبتون آثاراً وخصوصيات لهذا الجسم تنطبق على الصورة التي يقول بها الملا صدرا..... لقد كان على كبار المحدّثين كالعلامة المجلسي أن يفسّروا المادّة أولاً، فإن كان مرادهم منها شيء ذو طول وعرض وعمق، فلا بحث في هذا ولا خلاف، أمّا لو قصدوا ما كان له مكان وجهة معيّنة، فهذا لا معنى له، طبقاً لما سبق. .... ثمة ـ عند الملا صدرا ـ نظر دقيق وآخر أدقّ، وذلك من باب تقسيم المعارف الحقّة إلى درجات، لتكون كلّ واحدةٍ منها حقّاً في مرتبتها، كما كان المؤمنون درجات: ((هُمْ دَرَجَاتٌ)) آل عمران: 163، ((لَّهُمْ دَرَجَاتٌ)) الأنفال: 4، فالمؤمنون أنفسهم في مراتب، كما لهم درجات أيضاً. يُخاطب المؤمن يوم القيامة: "اقرأ وارقه"، على هذا، لا يكون النظر الدقيق باطلاً، بل يغدو حقّاً في مرتبته، ثم يكون أدق أيضاً وحقاً في المرتبة الأُخرى، وليس ذلك من اجتماع المتضادين؛ لأن شرطه ـ اي اجتماع المتضادين ـ وحدة الرتبة، أمّا هذان ففي رتبتين)[64]، فيكون محصلة كلام الشيخ الآملي ان هناك عقائد للمؤمنين بحسب درجاتهم !! وهذا أمر لم يعهده الشيعة الامامية ، نعم قد يكون هناك فهم عقائدي بسيط وآخر عميق للمسألة الواحدة بحسب درجة استعداد المؤمن وتقبله الذهني ، لا ان تكون هناك عقيدة لمؤمن وعقيدة اخرة للآخر بحسب درجته وفقاً لكلام الآملي فيكون ايمان المؤمن البسيط بالمعاد بالجسم الترابي بينما عقيدة المؤمن الاخر المنتمي للمدرسة الفلسفية الصوفية هو الايمان بالمعاد بالجسم الروحاني او الاثيري او المثالي او الابداعي أياً ما يمكن ان يطلقوا عليه من تسمية !!

وقد رد السيد جعفر سيدان الخراساني على كلام الشيخ جوادي آملي المذكور آنفاً رداً تفصيلياً بليغاً نقلناه بطوله في بحثنا الموسوم (لكي لا يكون ابن عربي إمامي) والمنشور في موقعنا الالكتروني وبعض المواقع الاخرى. ننقل فيما يخص النقطة التي ناقشناها عن رتبتي الايمان ودرجتي العقائد ! قال سيد جعفر سيدان: (ذكرتم في الجلسة السابقة أن لصدر الدين الشيرازي نظرتين: دقيقة، وأدق.

الدقيقة: هي كلام المحدثين والعلماء الآخرين.

والأدق: هو ما أثاره في كثيرٍ من كتاباته.

والمتبادر إلى الذهن من ذلك كلّه، أنه لو كان المقصود من هذا الكلام أن له طريقين لإثبات دعوى واحدة، أي له دليلان: أحدهما دقيق؛ والآخر أدق، فلا إشكال في ذلك. أما لو كان المقصود غير ذلك، أي وجود دعويين، مع القول بأن إحداهما دقيقة والأخرى أدق ــ مع كون الدعويين صادقتين واقعيّتين ـ فهذا أمر غير مفهوم ولا واضح، يعني في مركز واحد، وفي ظل ظروف واحدة.

أي أن المحشور في القيامة تتحقق له واقعيتان متضادتان:

أ ــ الجسم العنصري.

ب ــ الصورة الإبداعية.

وعليه، إمّا أن نقول: هما نظرتان متضادتان، أو أن النظر الثاني كاشف عن النظر الأول، بمعنى أن المختار واقعاً هو النظر الثاني)[65].

وهكذا يفند سيد جعفر سيدان رآي الآملي القائل بتعدد مراتب العقائد !!

وما نريد ان نضيفه انه كل هذه الآيات القرآنية الكريمة الا تكفي مدرسة الحكمة المتعالية الفلسفية العرفانية الصوفية لكي تبين لهم ان المقصود بالمعاد هو المعاد بالجسم الترابي (الجسم العنصري) ! فيتركونها متذرعين بقاعدة فلسفية ظنية ورثوها من فلاسفة اليونان تقول بإستحالة إعادة المعدوم ! ليطبقوها على دينهم وعلى مذهب آل البيت الهُداة الاطهار (عليهم السلام) ! وهذه عقيدة الرجعة التي يؤمن بها الشيعة الامامية حيث يرجع المؤمن او الكافر الى الدنيا بعد موته وانعدامه ، الا تثبت بطلان قاعدتهم الفلسفية التي تزعم (استحالة اعادة المعدوم) !!

فلنذكّر ببعض الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالمعاد والتي تبين بوضوح ان المعاد إنما يكون بالجسم الترابي:

قال تعالى في سورة العنكبوت: ((أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) ، وسنرى بعد قليل ان الفلاسفة يقولون باستحالة إعادة المعدوم بينما الله سبحانه وتعالى يبطل قولهم ويقول ان ذلك عليه يسير.

وقال تعالى في سورة الروم: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)) ، وهي ابضاً صريحة في إبطال مذهب الفلاسفة في إستحالة إعادة المعدوم.

وقال تعالى في سورة الحج: ((وَأَنَّ السّاعَةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)). فهل في القبور الا جسد الانسان ، فيكون البعث للجسد والروح معاً.

وقال تعالى في سورة الحج أيضاً: ((ذَلِكَ بِأَنّ‏َ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ‏ُ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)). انظر لقوله تعالى: ((يُحْيِي الْمَوْتَى)) فمن الذي يموت اليس هو الجسد وهو الذي يحييه اللهُ تبارك وتعالى.

وقال تعالى في سورة البقرة: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامَكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). فانظر الى الآية الكريمة وهي تتحدث عن العظام كيف ينشزها الله تبارك وتعالى ثم يكسوها لحماً ، اليس في ذلك دلالة اكيدة على المعاد الجسماني.

وقال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى)). فكان طلبه (عليه السلام) اراءته كيف يحيي الموتى ، فهل الموتى سوى الاجساد واحيائها بعودة الارواح اليها.

وقال تعالى في سورة يس: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)). فالآية الكريمة تتحدث صراحة عن إحياء العظام ، أي إحياء الجسد بالمعاد الجسماني.

وقال تعالى في سورة المؤمنون: ((أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ، إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ، قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ، قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). فالآيات تتحدث عمن يجحد المعاد بعد التحول الى تراب وعظام ، فهم يجحدون المعاد الجسماني وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى بالقوم الظالمين.

وقال تعالى في سورة الصافات: ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ، قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ، وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ، هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)).

وقال تعالى في سورة العنكبوت: ((أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمّ‏َ يُعِيدُهُ إِنّ‏َ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)).

وقوله تعالى في سورة البقرة حاكياً عن احياء الموتى يوم القيامة بتمثيله بإحياء الميت في الدنيا ، في اوضح بيان ، وكل بيانات الله تبارك وتعالى واضحة ، قال سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (*) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)).

... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ... صَدَقَ اللَّهُ العَلِيُّ العَظِيمُ.

*****

ثم يقول الشيخ المظفر: (وليس في الدين ما يدعو الى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلمين والمتفلسفين ، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو الى امثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً ، والتي استنفدت كثيراً من جهود المجادلين واوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة. والشبه والشكوك التي تثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردها قناعتنا بقصور الانسان عن ادراك هذه الامور الغائبة عنّا والخارجة عن افقنا ومحيط وجودنا والمرتفعة فوق مستوانا الارضي ، مع علمنا بأن الله تعالى العالم القادر اخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث)... إلخ فليت الشيخ المظفر توجه بكلامه هذا الى ملا صدرا الذي فتق هذا الباب واشعل فتنة المعاد استناداً الى تراث الصوفي ابن عربي وبث كل هذه البلبلة والاختلاف داخل مذهب التشيّع منذ عدة قرون. وليته كفَّ عن اتّباعه !


 

[1]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر / اصدار مؤسسة المرتضى للثقافة والارشاد / مؤسسة الرافد للمطبوعات في بغداد ، 2011م ص37.

[2]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص114.

[3]  المصدر السابق ص39.

[4] عن (فاقد الشيء لا يعطيه) قال الشيخ علي حمود العبادي: (هذه كبرى عقلية يكفي لاثباتها تصور اطرافها). أنظر: دروس في التوحيد / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري ص126.

[5] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي ص87.

[6] التنقيح في شرح العروة الوثقى / تقرير لابحاث السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) / الشيخ علي الغروي (قدس سره) ج1 ص12.

[7] الخلاصة الفلسفية / السيد علي حسن مطر الهاشمي ص336.

[8] المصدر السابق ص336.

[9] مقال بعنوان (إعادة النصاب، قراءة نقديّة لمقالة العقل والدين بين المحدّث والحكيم) بقلم الشيخ علي ملكي الميانجي ، ترجمة محمد عبد الرزاق ، منشور في موقع نصوص معاصرة الالكتروني بتاريخ 16 اغسطس 2014م. وأيضاً المقال منشور في مجلة نصوص معاصرة ، العدد 7.

[10] الشيعة في الاسلام / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص96.

[11]  ما هو علم الكلام / علي الرباني الكلبايكاني - ص63.

[12]  المصدر السابق - ص64.

[13]  المصدر السابق- ص90.

[14]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص41 و42.

[15]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص44.

[16]  المصدر السابق ص52.

[17] بحوث عقائدية في ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، نصوص مختارة من مؤلفات السيد ابو القاسم الخوئي (رض) / اعداد الشيخ ابراهيم الخزرجي ص323 و324. نقلاً عن مصباح الاصول ج1 / القسم 1: 282-283.

[18]  مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيد عبد الاعلى السبزواري (رض) / منشورات دار التفسير في قم المقدسة / الطبعة الخامسة ، - ج1 ص276.

[19]  الانوار الالهية في الممسائل العقائدية / ميرزا جواد التبريزي (رض) / دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها / الطبعة الرابعة ، 1425هـ - ص245.

[20] محي الدين بن عربي / الدكتور محسن جهانگيري ص347.

[21] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري ص220.

[22]  حديث الطلب والارادة / محمد المحمدي الجيلاني - ص18 وما بعدها.

[23] دروس في التوحيد / الشيخ علي حمود العبادي / تقريرات ابحاث سيد كمال الحيدري ص220.

[24] شرح المشاعر / الشيخ احمد الاحسائي ج1 كلمة التحقيق ص9 نقلاً عن شرح العرشية.

[25]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص52 و53.

[26]  الاعتقادات / الشيخ الصدوق (رض) / مطبعة مهر في قم المقدسة / الطبعة الاولى ، 1413هـ - ص27.

[27]  التوحيد / الشيخ الصدوق (قده) / دار المعرفة في بيروت - ص148.

[28]  الفلسفة الاسلامية / الشيخ محمد رضا المظفر / اعداد السيد محمد تقي الطباطبائي التبريزي / مؤسسة التاريخ العربي في بيروت - ص101.

[29]  حق اليقين في معرفة اصول الدين / السيد عبد الله شبّر / مؤسسة الاعلمي للمطبوعات / الطبعة الاولى ، 1977م - ج1 ص41.

[30]  كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء / الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قده) / تحقيق عباس التبريزيان ، ومحمد رضا الذاكري (طاهريان) وعبد الحليم الحلي / مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي / الطبعة الاولى ، 1422هـ - ج1 ص52.

[31]  شرح توحيد الصدوق / القاضي سعيد محمد بن محمد مفيد القمي / تصحيح وتعليق نجفقلي حبيبي / مؤسسة الطباعة والنشر / الطبعة الاولى ، 1415هـ - ج3 ص112.

[32]  في مقدمة تحقيق كتاب (التعليقة على الفوائد الرضوية) للسيد الخميني ، نقرأ أن السيد الخميني كان يعبر عن احترام خاص لمحيي الدين أي ابن عربي -  في المدرسة السنية ، ولصدر المتألهين والقاضي سعيد القمي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وما ذلك إلا لسبب المنهل العرفاني الرحيق الذي نهلوا منه ولهذا تراه يُكن لهم كل احترام ويقدرهم غاية التقدير. وجاء في الآداب المعنوية للصلاة للصلة انه وصفه بـ (التلميذ العظيم الشأن للفيض والعارف الجليل الايماني القاضي سعيد القمي قدس سره). ويقول السيد الخميني في التعليقة على شرح حديث رأس الجالوت عن القاضي سعيد القمي: (وما ذكره هذا العارف العظيم والسالك على الصراط المستقيم ، قدّس الله نفسه ، وروّح رمسه ، تحقيق رشيق وكلام عرفاني دقيق ، كيف وهو من اعظم عرفاء الشيعة ، وأكرم امناء الشريعة). انظر: التعليقة على الفوائد الرضوية / السيد الخميني / - ص12 و13.

وقال الشيخ المحمدي الجيلاني قال : سمعت من الإمام (السيد الخميني) يوماً قوله إن المرحوم القاضي سعيد القمي هو في الشيعة نظير محيي الدين بن عربي عند أهل السنة !! انظر:  قبسات من سيرة الامام الخميني - في ميدان التعليم الحوزوي والمرجعية / اعداد غلام علي الرجائي / ترجمة عرفان محمود / الدار الاسلامية في بيروت / الطبعة الاولى ، 2002م - ص105

[33]  خلاصة الاقوال / العلامة الحلي (رض) / تحقيق الشيخ جواد القيومي / مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة الاولى ، 1417هـ ص248.

[34]  معجم رجال الحديث / السيد ابو القاسم الخوئي (رض) / الطبعة الخامسة ، 1992م ج17 ص346.

[35]  المصدر السابق.

[36]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص54.

[37]  المصدر السابق ص56.

[38]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص57.

[39]  المصدر السابق ص58.

[40]  الامر بين الامرين ، دراسة في مسألة الجبر والاختيار / مركز الرسالة ، 1417 هـ ص(13-15).

[41]  بحث (تعارض الأدلة (224) ) في 11 رجب 1435هـ / منشور في الموقع الرسمي الالكتروني لمكتب سيد كمال الحيدري.

[42]  بحث (تعارض الأدلة (229) ) في 20 رجب 1435هـ / منشور في الموقع الرسمي الالكتروني لمكتب سيد كمال الحيدري.

[43]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص58.

[44]  التوحيد / الشيخ الصدوق (رض) / تصحيح السيد هاشم الحسيني الطهراني / مؤسسة النشر الاسلامي ص369.

[45]  تصحيح اعتقادات الامامية / الشيخ المفيد (رض) / تحقيق حسين درگاهي / دار المفيد للطباعة والنشر في بيروت / الطبعة الثانية ، 1993م ص56.

[46]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص59.

[47]  صحيح البخاري / كتاب أحاديث الأنبياء / حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

[48]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص77 و78.

[49]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص88 و89.

[50]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص114.

[51]  المصدر السابق ص113.

[52]  المصدر السابق ص111.

[53]  الانوار الالهية في المسائل الاعتقادية / الشيخ ميرزا جواد التبريزي (قده) / مطبعة نينوى في قم المقدسة / الطبعة الرابعة ، 1425هـ - ص230.

[54]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص112.

[55]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص126.

[56] دراسات في الحكمة والمنهج / السيد عمار ابو رغيف ص266.

[57] بداية الحكمة / السيد محمد حسين الطباطبائي - ص17.

[58]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص143.

[59]  المصدر السابق ص167.

[60]  عقائد الامامية / الشيخ محمد رضا المظفر (مصدر سابق) ص168.

[61]  كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء / الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قده) / تحقيق عباس التبريزيان ، ومحمد رضا الذاكري (طاهريان) وعبد الحليم الحلي / مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي / الطبعة الاولى ، 1422هـ - ج1 ص59.

[62] محاضرة (مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (461) ) لسيد كمال الحيدري ، منشورة في موقعه الالكتروني.

[63] المصدر السابق.

[64] مناظرة بين السيد جعفر سيدان الخراساني والشيخ جوادي آملي تحت عنوان (الإشكالية المنهجية بين العقلين: الفلسفي والتفكيكي (نظرية المعاد الصدرائية) القسم الثاني ) ، منشورة في الموقع الالكتروني لمجلة نصوص معاصرة بتاريخ 20 مايو 2014.

 

[65] المصدر السابق.

 

 
 
 

عودة للصفحة الرئيسية